الثلاثاء، 19 يناير 2010

زلزال هايتي - التبريرات الموهومة للحكمة المزعومة

الموضـــوع :


لم يكد يمر نصف عقد من الزمن وهانحن نواجه ، مرة أخرى ، كارثة قد تساوي في هولها وروعها ، وأعداد الضحايا لاتزال تتصاعد عند كتابة هذا البوست ، كارثة التسونامي التي ضربت البشرية الغافلة بعشوائية وشراسة بشعة سنة 2004 غير مكترثة بطفل أو شيخ أو غني أو فقير أو مؤمن أو كافر. فالشر الذي يسود العالم بأقبح وجوهه ، وماهاتان إلاً نموذجان يمتلأ التاريخ بما هو أشد وأقسى منهما ، كان ولايزال يمثل أشواكاً حادة تقض مضجع المتدين المؤمن بوجود إله كامل العلم والقدرة والرحمة ، لايتمكن من تفادي وجعها بتورية رأسه تحت لحاف التبريرات المهلهل الذي لايمنع ضوء الحقيقة من تخلله. فكما تسائل الفيلسوف دافيد هيوم في القرن الثامن عشر مكرراً تساؤلات أبيقور قبله والتي دوى صداها في أطروحات المفكرين والفلاسفة عبر القرون ولاتزال تدوي إلى اليوم دون أي رد شافي :

"إن كان الله يريد أن يمنع الشر ولكنه غير قادر ، فهو ناقص القدرة
وإن كان قادر ولكنه لايريد ، فهو شرير
أما إن كان قادر ويريد ، فمن أين أتى الشر إذاً ؟"

عندما وجهت هذه التساؤلات إلى جايل فريزر ، قسيس كاتدرائية سينت بوول في لندن ، في سياق أحداث زلزال هايتي ، لم ينحرف رده عن أسلوب المراوغة والتهرب الذي شحذته قرون من الممارسة حتى وصل إلى درجة الإبداع عند شيوخ الدين حين قال أنه ...

"يفضل الإجابة على التساؤلات بدعاء وليس بنقاش"

فهم معذورون في موقفهم هذا حيث أن الله لم يمدهم بحجة مقنعة في أي من كتبهم المقدسة لتبرر هذه الوحشية الربانية الصارخة وتباينها السافر بين رحمته المزعومة. أنظر مثلاً كيف استجاب الله لنبيه أيوب في الإنجيل الأبوكرافي عندما أشتكى الأخير لربه من المعاناة التي أنزلها عليه ، ومن عدم الإستطاعة في التحاور معه بالرغم من أنه كامل القدرة ، ولعدم إمكانية رؤيته أو محاسبته حتى وصلت شكوى مضرب الأمثال النبي الصبور إلى إتهامه لربه بغياب عدله مخاطباً إياه يقوله :

"لقد خُدِع من أمِن (إليك)"

كان رد الله على هذه الشكوى والتهم الموجه إليه من نبيه هو إلتزام الـصـمـت ! هل نسمي هذه حكمة ، أم هي ياترى إشارة بأن حتى الله قد عجز عن تبرير سلوكه ؟ فإن كان هذا موقف الخالق ، فماذا نتوقع من المخلوق غير المراوغة ؟

ولكن المبشر الأمريكي الشهير بات روبرتسون لم يراوغ ولم يلتزم بالصمت ، بل قدم لنا ماهو أسوء حين كشف بكل أمانة (وصفاقة) فهمه الصحيح للنصوص المقدسة وأعلن على الملأ ، غير مكترث بنوبة السخرية الممزوجة بالغثيان التي أصابت كل من حمل في وجدانه ذرة من الإنسانية : "أن زلزال هايتي هو نتيجة حتمية للّعنة (الإلهية) التي حلت على شعبها بعد أن أبرم عقداً مع الشيطان لتحريره" من هوان الرق والإستعباد الفرنسي في القرن التاسع عشر. وهكذا يعاقب الله كل من تحالف مع أعدائه ، مهما كان بؤس الحالة ونبل الغاية ، عقاب جماعي شامل يصيب المذنب والبريئ ولا تفلت منه حتى البهيمة ، والتطابق السافر في المنطق الأعوج مابين شيوخ الغرب وشيوخ العرب واضح ، وإن بعدت المسافة ، فالعقلية الفارغة واحدة.

ولكن حتى لو كان مزعم بات روبرتسون صحيحاً فلنا الحق أن نتسائل :

لماذا رفع إله يفترض فيه الرحمة يده عن شعب بأكمله ليضطرهم إلى التحالف مع عدوه ؟
لماذا لم يحرر هو بنفسه الشعب الهايتي من هوان الرق والإستعباد ؟
لماذا لم يمنع إستعباد الشعب الهايتي أصلاً ؟
ولماذا يعاقب الشعب الهايتي الآن على ذنب اقترفه أجدادهم منذ مئتي سنة ؟

سوف أطرح بعض النماذج لمحاولات كبار الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ للإجابة على مثل هذه التساؤلات ، ولكن حتى نتقدم بالحوار يجب أن نتعرف على نوعين من الشر :

النوع الأول هو الشر الذي ينتج عن أفعال البشر كالقتل والسرقة مثلاً
أما النوع الثاني فهو مايصدر عن الطبيعة كالزلازل والفيضانات

فمن جملة التبريرات التي طرحها المفكرون بمختلف توجهاتهم العقائدية عبر القرون عن النوع الأول من الشرور هي ماقدمه الفيلسوف الروماني القديس أوغاستين في القرن الرابع الميلادي والأديب والعالم الثيولوجي سي أس لويس في القرن المنصرم ، أن الله يسمح بحدوث الشر الذي ينتج عن البشر لأن منعه يزيل حرية الإختيار التي منحها لهم مما يقوّض حكمة التخيير والتسيير.

ولكن هناك رأي يفند هذا التبرير وهو وجود إناس لاترتكب الشرور ، أي لاتقتل ولا تسرق ولاتعتدي ولاتؤذي بالرغم من إتاحة خيار الخير والشر وفي غياب التوجيه العقائدي لهم ، فلماذا لم يخلق الله البشر من هذه النوعية ؟ فهم لايزالون مخيرون ، ولكنهم بالرغم من ذلك يفضلون الخير على الشر. حصر الخلق في هذا النوع من البشر لايمنع المعاناة الدنيوية التي تنتج عن شرورهم فحسب بل يمنع تعذيبهم الأزلي أيضاً رحمة ورفقاً بهم في دنياهم وآخرتهم.

وحتى لوسلمنا بهذه التبريرات ، فهي لاتنطبق على النوع الثاني ، ويظل الشر قائماً بمعزل عن أي تأثيرات بشرية ، مباشرة كانت أو غير مباشرة له. فانجراف القارات أو مايسمى بــ Plate Tectonics والمسبب لأشد الكوارث الطبيعية فتكاً بالإنسان كالزلازل والبراكين والتسونامي موجود قبل ظهور الإنسان بملايين السنين ولاعلاقة له بفجورهم أو تقواهم ، فتظل أصابع الإتهام موجه إلى مصمم الإنجراف القاري المؤدي إلى هذه الكوارث أصلاً.

للإلتفاف حول هذه المعضلة ، تبنى بعض الفلاسفة المتدينون ، مثل القديس أرينياس في القرن الثاني الميلادي والفيلسوف جون هيك في القرن الماضي ، خط آخر في تفسير وجود الشر بقولهم أن الخير لاينتج إلاّ من معاناة البشر !

حتى يوضح للقارئ معنى هذا الخط من التفكير ، دعنا نفترض عدم وجود أي نوع من الشر في الدنيا ، أي لاتوجد زلازل أو براكين أو أوبئة أو قتل أو نهب أو أي معاناة ، وحتى لوسقطت صخرة على رأس أحد فأنها لن تؤذيه ، فعند التساؤل : لماذا لم يخلق الله هذا النوع من الدنيا ؟ يُجاب عليه ، حسب هذا التبرير ، بأن الخير لن يظهر في مثل هذه الدنيا كونه ، أي الخير ، نتاج سلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان وقت معاناته. فإن لم تكن هناك معاناة فلن تكون هناك حاجة لظهور الخير. فالشجاعة مثلاً لاتظهر إلاّ عند الخطر ، فإن لم يكن هناك خطر فكيف تظهر الشجاعة ؟ وبالمثل ، أن الشفقة وحب المساعدة لاتظهرا إلاّ عند المأساة ، فأن لم تكن في الدنيا مآسي فلن تظهر الشفقة.

ولكن حتى هذه التبريرات تتهاوى حين نتسائل : مالذي يمنع من وجود الشجاعة والشفقة وحب المساعد وجميع الصفات الحميدة في البشر حتى ولولم يكن هناك حاجة لها بأن تظهر ؟ وحتى لو افترضنا أن هذه الخصال الحميدة التي لاتظهر إلاّ بوجود الشر ، ألا تكفي الشرور الموجودة في الدنيا بين البشر حتى يكدس الله شرور إضافية عليهم مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والعواصف والأوبئة والعاهات والتشوهات الخلقية ؟

ولعل أسوأ مافي هذا الخط من التبريرات هو مضمونها كما أظهرته معارضة الفيلسوف الألماني إيمانيول كانت لها في محور كتاباته حين قال "أننا نحن البشر نستهجن إستغلال بعضنا لبعض كوسيلة لتحقيق مآربنا ، ولكن الظاهر ، حسب هذا التبرير ، أن الله بنفسه يستخدم هذا الأسلوب في إستغلال بعض البشر بإنزال الكوارث عليهم ليعانوا حتى يُظهر الخير في الباقي منهم وهو المفترض بأنه الرحيم والعادل". وماالفائدة من ظهور الخير إن لم تكن هناك حاجة له أصلاً ، وخصوصاً إن كان ظهوره متوقفاً على المعاناة ؟

ونعيد ، لماذا ينزل الله الكوارث على البشر ؟
يبقى السؤال معلق على شماعة الحكمة الإلهية.


مبني على ترجمة لمقالة الفيلسوف دافيد بَين بتصرف وإضافات

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

من أقوال الملحدين

خه

"أغلب الناس تفضل الموت على التفكير
وأغلب الناس تموت بدونه
وأنا لاأريد أن أكن منهم"
000
"فكرة أن الأشياء لابد أن يكون لها بداية
تعزى إلى فقر خيالنا"
ااا
"السبب الأساسي للإضطرابات في العالم اليوم
أن الغبي جازم والذكي مشكك"
ااا
"المطلوب ليس الإيمان
ولكنه البحث
وهذا عكس الإيمان تماماً"
000
"من العجيب أن تعتقد الناس
أن هذا العالم بكل نواقصه
هو أفضل ماأنتجه رب
يتمتع بكامل القدرة والعلم
خلال ملايين السنين"
ااا
"ديانتي بأكملها هي هذه:
قم بكل واجباتك
ولاتتوقع أي مكافأة
لاقبل الموت ولابعده"

بيرترَند رَسل  1872 - 1970

الأحد، 15 نوفمبر 2009

روجر لاتغريه الجنة

ين

يوجد عندي سكن في بريطانيا ألوذ إليه لنشقة من النفس وفترة من التنفيس كلما ثَخُنت خِرق التكميم وثَقُلت أغلال التكبيل وطال أمد الصمت وتصاعدت آهات القمت في مجتمع مختنق محبط مشلول يحاول اللحاق بفراريات التقدم العلمي والحضاري التي تسارعت على رمال صحراء جهله إبتعاداً عنه ونفوراً منه واختفت الآن خلف آفاقه الضحلة ، ممتطياً جواداً سقيماً أعور العين ، أعرج بقدم ومكبل بقدمين ، غاطساً إلى بطنه في الطين ، يجر خلفه توابيت أثرية حجرية ، تشغلها مومياء النصوص السماوية ، يصارع تيارات لحيوية مقصقصية ، تعترضه من الجهة المقابلة لتحد من سرعته ، لا بل من بطئه وطياحة حظه ، خوفاً من سقوط المومياء المهترئة العفنة وتهشمها.

ومن قرأ موضوعي السابق ، "أوقفني عن هرولتي سنجاب" ، يعرف أن أحد البيوت المجاورة لملجأي هذا يسكنه رجل متقاعد أسمه بوب. والكلام عن هذا الجار ، بوب ، لايكفيه بوست واحد إنما يستحق رواية كاملة أسرد فيها طرائف تجاربي معه خلال الثمان سنوات التي قضيتها بجواره. ولكن موضوع اليوم ليس عن بوب ، إنما عن جاري الذي يحاذيني من الجهة الأخرى ، وهو إنسان ، أو بتعبير أدق ، ظاهرة بايولوجية إجتماعية ، قلما تراها ، أطلق عليها منتجينها ، أبوه وأمه ، أسم روجر.

وماالغريب في روجر هذا الذي يُشبه بظاهرة نادرة الحدوث لعلكم تتسائلون ، دعوني أبدد غمامة حيرتكم.

هو مجرد رجل ، في العقد الثالث من عمره ، إنجليزي المولد ، يعمل في إحدى الهيئات المالية ، متزوج من سيدة في منتهى الخلق والثقافة الجمال ، له منها ولدان لم يبلغى العاشرة بعد ، ويملك البيت المجاور لبيتي بالإضافة إلى أملاك أخرى متناثرة هنا وهناك. هذا باختصار روجر.

إنما الصفات التي تجعل هذا الرجل أقرب مايكون إلى إله منه إلى إنسان هو تمتعه بميزات وخصائص وقدرات تسربت من عالم الأمنيات التي يعيش أغلبنا فيها وتجسدت فيه. فأول مايُبهر أي شخص يراه للمرة الأولى هو درجة جمال وجهه ، ولاأقول وسامته لأن هذه العبارة لاتعطيه حقه في الوصف ، بل جماله ، إذ لو رأى النبي يوسف عيونه الفيروزية البراقة ، وشعره الذهبي المنسدل إلى أكتافه ، وملامحه الدقيقة المتكاملة لاستشاط غيرة وغضباً منه واحتج بسببه إلى ربه.

يحمل هذا الرأس الميثولوجي جسم طويل أثليتي ممشوق ، نحتته سنوات من الممارسة والتفوق الرياضي ، وتوجته صحة ونشاط وحيوية لم يعاني بحياته من فضلها حتى من صداع ، ويملأه عقل ثاقب متوقد ضخم غذته ثقافات جامعتي ييل وأوكسفورد الدسمة.

أما عن الأصالة والجاه والمال ، فهو غاطس فيها إلى أذنيه ، كونه سليل طبقة العروق الزرقاء الأوربية ، وله حصة من الثراء الموروث مايغطي نفقات عيشته البذخة هو وأولاده وأحفاده دون الحاجة إلى المنصب الوظيفي المالي الذي يحتله الآن والذي يسكب في حساباته البنكية راتب تتعدى أرقامه لكثرتها أرقام هواتفه.

هذه هي صفات روجر ، الظاهرة البايولوجية الإجتماعية.

عندما قابلت هذا الرجل لأول مرة قبل خمسة سنوات ، كانت من خلال دعوة منه ومن زوجته لي لتناول العشاء معهم في بيتهم كمناسبة للتعارف حين نزلا فيه ، عرفت من خلالها خلفيته الطبقية والإمتيازات التي يتمتع بها ، ولكني لم أدرك إلاّ بعدها بفترة المستوى الشاهق لهذه الإمتيازات المتكدسة فيه. فبدأ يتبلور حينها سؤال في ذهني عما إذا كان روجر ، ومن في وضعه ، بحاجة إلى أي شئ آخر من الدنيا ، أو من الآخرة ، فمن الواضح أن كل مايطمح إليه أي رجل في آخرته يمتلكه هذا الإنسان في دنياه ...

فهل تُغري روجر الجنة ؟

قطعاً لا ، وإلاّ لما ألحد. آآآه ، المعذرة ، لقد نسيت أن أذكر أن روجر ملحد ، ولم لا ، فهو لايحتاج إلى إله كونه هو إله ، أو شئ من هذا القبيل ، ولكن هل يدرك روجر أبعاد هذا المفهوم ، أقصد الجنة ، من المنظور الإسلامي "المتكامل" ، وإغراآته الربانية التي يتوقع منها أن تتعدى قدرة البشر ، والآلهة الأخرى مثل روجر ، على مقاومتها ، وهو الكائن الذي وُهِب في هذه الدنيا ، على مايبدو ، بكل المكافآت التي تنتظر المؤمن في الجنة حتى لم يتبقى فيها مايشد أمثال روجر إليها ؟

لم يتسنى لي أن أطرح هذا السؤال عليه بسبب نفوره الشديد من الخوض في بركة النفايات اللاهوتية ، وظل التساؤل معلق يتدلى من سقف ذهني كالمصباح ، يشتعل وينطفئ بين حين وآخر ، إلى أن أتتني الفرصة تهرع مادة يديها لتعانقني من جهة لم أتوقعها عندما رافقته في إحدى أمسيات الصيف الماضي إلى إحدى جلسات تذوق النبيذ في إحدى بارات البيانو الفاشنوبل الأنيقة في لندن ، حيث تُقدم فيه خلاصة عصارات أعناب أقاليم برغندي وبوردو ، وتعبق أجوائه عطور نغمات دوبوسي وساتي ، وتتمايل لوقعها خصور حسناواته الباهرة ، وتتراقص على جدرانه أطياف أضوائه الساحرة. وبينما أنا ذائب في نشوة الخمر ورومانسية النغم ، أختلس النظرات وأتبادل البسمات مع الجميلات الجالسات على الطاولة المقابلة ، إذا به يسألني هو بنفسه وبدون أي مقدمات عن مدى صحة الإثنين وسبعين حورية التي تنتظر شهداء العقيدة الإسلامية في الجنة ...

"ماذا قلت ياروجر ؟ .... العقيدة الإسلامية ؟؟؟ .....

"يــــاإلـه ســـــبينوزا .... "

إنطلقت صرخة مكبوتة مني دوى صداها في أجواء عالم الأحلام والنشوة التي كنت أتمرغ في ملذاتها قبل وهلة ، لم يسمعها أحد غيري ..

"وهل هذا وقت نقاش ديني تطرد فيه ملائكة السعادة المحرمة ؟" همست لنفسي رداً على سؤاله المقيت بسؤال إسعافي عاجل رجوت منه أن ينتشلني من منزلق الإنحدار إلى هوة حوار ديني بائس ليرجعني إلى فردوس الملذات الآثمة التي كنت هائماً في ربوعها ، ولكن لحظة ... أليست هذه هي الفرصة التي كنت أتطلع إليها منذ سنوات ، مدت يدها لي الآن ، فهل أدفعها عني ؟

يالتعاستي وعثرة حظي ، ليت تلك الحورية الأرضية الشقراء ، ذات العيون الناعسة الزرقاء ، والوجنات الناعمة الورداء ، والخصر المائل النحيل ، والنهد الغاوي الثقيل ، والكتف العاري الجميل ، الجالسة أمامي ، تحيط بها هالة نورانية تتوهج دلعاً ، كلما مالت برأسها نحوي يشتبك بريق عيناها الساحرة بلمحات نظراتي التائقة في عناق شهواني متقد يتمرغل على سحب الغزل ، تضطرم على وساداته نيران الرغبة وتحتدم لهفة الأمل ، أتت لتعانقني بدلاً من تلك الفرصة المتطفلة. ولكن لاضير ، فالنخرج من ربوع الفردوس ونتخوض في أوحال المستنقع لبرهة إذا كان هذا هو السبيل الوحيد لغمس شعلة الفضول في مياهه العكرة وإطفائها ، بشرط أن نرجع إلى دنيا الطرب والخمر والوجه البهي ، ونغتسل من أرجاس اللاهوت في أحواض ملذاتها.

وهكذا ، إقتلعت نفسي من غفوتي وأحلامي واستدرت لأواجه روجر رافعاً الكأس إلى فمي لجرعة ثقيلة من نبيذ الشاتونيف دو باب رددت عليه بعدها :

"نعم روجر هذا صحيح ، يكافئ الإله الإسلامي الشهيد بمنحه 72 فتاة عذراء في الجنة"

أجبته بنبرة حازمة لأؤكد صدق الرواية ، أتبعتها بجرعة ثقيلة أخرى من النبيذ المعتق الأحمر أحسست معها بالدفئ ينزلق في جوفي وينتشر في عروقي.

"72 فتاة ، بكر .... هممممم"

تمتم روجر الرقم مكرراً ردي وكأنه لم يستوعبه في المرة الأولى ، سكت بعده للحظات قصيرة محدقاً في ماتبقى من النبيذ في كأسه ، ثم أدار رأسه لي وقال بعد وهلة من التردد :

"ولكن 72 فتاة عدد كبير ، ولماذا 72 بالذات .... هل لهذا الرقم أهمية ؟

يالغباء السؤال ياروجر .... هذه بلاهة لم أعهدها منك ، أنت بالذات صاحب الفكر الثاقب ، ألم ترى أهمية هذا الرقم وهي جلية واضحة ؟"

أجبته بنبرة ساخرة متعمدة لأستفزه عسى أن أحصل منه على أحد تعليقاته الهزلية اللاذعة لتبهج الحوار الذي كان يجول في ربوع المرح قبل أن يأخذ منعطف الجد مدركاً الصعوبة البالغة في استفزازه.

ولكن روجر ، بعكس توقعاتي ، جمد في مكانه من وقع جوابي الوقح ، وأخذ يتفرس في وجهي تارة وتارة أخرى يحدق في الأرض في محاولة يائسة للبحث عن قشة عذر أو حجة يكنس بها شظايا كبريائه المنسوف. ولكن وقع الصدمة لم يدم إلاّ لحظات وجيزة عادت بعدها البشاشة إلى وجهه ، فأمسك قنينة النبيذ وملأ النصف الخالي من كأسي قبل أن يملأ كأسه ويسند ظهره مسترخياً على الكنبة ويشير بأصبعه لي والكأس بيده :

"أنا أستسلمت ، أنت أنرني ياصاحب القداسة ، فأنت أعلم بمغريات دينك مني"

وأخذ رشفة من النبيذ ، ووضع كأسه بعدها على الطاولة وشبك يديه خلف رأسه ينتظر ردي.

"ديــنــي ياروجر ؟ ..... ديــــنــــي ؟؟؟

رميته بنظرة عاتبة على زلة لسانه التي يبدو أنها متعمدة لمبادلتي بالإستفزاز؟

"إليك هذا الإشعار الأهم من مدلول رقم 72 الذي فتحنا هذا الحوار بسببه ... لم يكن لي خيار في قبول أو رفض مانسبته لي من دين ، فقد جاء في نفس الحزمة التي احتوت على لغتي وحضارتي وأسمي ، وبينما أفتخر بالإحتفاظ بمحتويات هذه الرزمة ، إلاّ أن هذا هو العنصر الوحيد الذي التقطته منها بقرصة إصبعين ، حفظاً على باقي أصابعي من التلوث ، ورميته في برميل القمامة ليأخذ إلى المحرقة. فعندما تشير إلى الإسلام كـ "ديني" فأرجو أن تسبقه بحرف الـ "لا" مراعاة للدقة والأمانة في وصف موقفي منه وتفادياً لتلوين قميصك الأبيض الأرماني الثمين بالصبغ الأحمر الذي ملأت للتو به كأسي .. ياصديقي العزيز روجر"

لم ينجح أحدنا في استفزاز الآخر ، فهو لم يكترث بتهديدي الأجوف بسكب النبيذ على قميصه المفضل وقام إلى البار ليرجع بقنينة نبيذ جديدة مع كأسين نظيفين وضعهم على الطاولة وجلس بهدوء يتكأ بكوعه على يد الكنبة ويرمقني قائلاً بلهجة ساخرة :

"لازلت أنتظر .. لعلك الآن تمنحني شرف معرفة أهمية الرقم 72 في لادينك الإسلامي ؟"

شعرت ، في الحقيقة ، بأنني محاصر في زاوية يتحتم علي أن أجد لها مخرجاً لتفادي آلام لسانه اللاذع وسخريته الحارقة إذا ماأبحت له بجهلي التام عن معنى هذا الرقم ، فقد فشل عباقرة التفسير وجهابذة التأويل من فك الطلاسم والرموز الربانية التي أحكم الإله محمد تشفيرها ، ولم أرى لي مخرج سوى أن أصطنع لي سبباً أتملص فيه من هذه الورطة وأتخلص من مراودة الفضول القابع في ذهني عن رغبة روجر في الجنة. مالي ومال الاخرون والجنة حتى أعكر صفاء هذه الأمسية وأبدد بهجتها ، ولكني لابد أن أتخلص من طنين هذا السؤال في أذني ، فأعدلت جلستي وملت بجسمي نحوه وصَمَت لوهلة لأرفع من حدة تحسبه وترقبه للرد ... وهمست :

"لأن الله يريد ذلك"

لم أذكر له حالة الإفراز التستستروني المفرط الذي يعاني منه ذكور المجتمعات المحمدية وأساليبها الوقائية والعلاجية المستمدة من نصوصها وأحكامها الإرضوسماوية الشعوذية ، والتي أكدت بدورها قدرتها الفعالة بامتياز رفيع في تسبب هذه الحالة المحرجة أصلاً ومايترتب عليها من هوس جنسي جامح ، مصاحب بتشنج وتوتر عضوي مزمن ، مما يفسر الزيادة المبالغة في عدد الوصفات ، أو بالأحرى الوصيفات ، الدوائية المخصصة لكل مصاب ، والتي لايمكنه تناولها لإسعاف حالته الراهنة إلاّ بعد موته وذهابه إلى عالم لايحتاج فيه إلى دواء من أي نوع. أرأيتم المنطق الذي يتبعه ربع سكان العالم ؟؟؟

"الــلــه يــريــد ذلــك ؟"

كررها روجر ممدة وبصيغة سؤال حتى أأكدها له مرة أخرى.

"نعم ياروجر ، الله يريد ذلك ، ولو سألت أي مؤمن ، من الطفل إلى الشيخ ، لماذا البطيخ كروي وليس مربع أو لماذا القرع أصفر وليس أزرق أو سألته عن أي سبب أو علة أخرى فسوف تحصل على نفس هذا الرد. ألم أقل لك أن أهمية هذا الرقم ، بل إهمية كل الطلاسم الرموز ، واضحة وجلية ؟"

إسترخى روجر في جلسته بعد استيعابه لهذه القنبلة المعرفية وأخذ يهز رأسه صامتاً في أيمائة إيجابية أفرغ بعدها نصف كأسه الممتلئ في جوفه ثم شرع يتمتم معاتباً نفسه :

"صحيح ... لايمكن الإختلاف على هذه النقطة ، فهي الشماعة التي يعلق عليها كل مؤمن مغدور شكوكه وتساؤلاته - الله بربد هكذا - سُدت الثغرات وأُزيح التساؤل وانتهى الأمر ، نعم هذه بلاهة مني ، كان علي أن أكون أفطن من ذلك"

ورفع الكأس إلى فمه ليغرغ فيه النصف المتبقي من النبيذ بجرعة واحدة غاص بعدها في نوبة من التأمل ينظر فيها إلى زاية السقف وكأنه يتفرس فيما تخفيه ورائها.

خيّم الصمت على فناء الكنبة التي تحتضنا وكأنما فقاعة شفافة من السكون قد غلفتنا وعزلت عنا نسمات النغم والهمس والضحكات وقرعات الكؤوس التي تهب تارة وتعصف تارة أخرى حولنا. فاستدرت إلى روجر لأنتشله من غرقه في أجواف تأملاته ولأخرق الفقاعة التي عزلتنا عن العالم الذي جئنا لنبدد همومنا في أجوائه و نمرح في أحضانه.

"روجر" ، ناديته بصوت خافت ، "مارأيك في الجنة ؟"

"الجنة ؟ ... أي جنة تقصد ، هذه الجنة ؟" ملوحاً يده حوله ، "أو تلك الجنة ؟" مشيراً إلى الأعلى.

"تلك الجنة" ، وأشرت بأصبعي إلى الأعلى.

"آآآه ، لاأدري ، فلم أذهب هناك قط ، ولاأعتقد بأنني مرحب بي عندهم حتى لو أوصلني نيافته إليها بنفسه بتذكرة الدرجة الأولى على متن جناح جبرائيل. ولكن على أي حال ، لاأرى شئياً ينتظرني لأتمتع به في السماء لاأستطيع الحصول عليه لأتمتع به هنا على الأرض ، فلست بحاجة إلى 72 حورية ، إذ تكفيني حوريتي التي تنتظرني في البيت ، أحبها وتحبني حتى الموت ، وإن أغوتني الشقاوة لغيرها فهاهم تلك الحوريات أمامنا جالسات على طاولة الإنتظار وغيرهن اللاتي تعج بهن هذه الدنيا ، كما أنني أملك أكثر من كفايتي من الممتلكات المادية وصحتي أقوى من الفرس ، فهل توجد إغراءات أخرى في تلك الجنة الموعودة تعرفها أنت ولاأعرفها أنا ؟

وأتى أخيراً الجواب الذي قضيت خمسة سنوات في انتظاره مطابقاً لتوقعاتي ، ولم يستحق كل هذا التطلع والإنتظار فقد خمنت صحته مسبقاً ، ولكن مهلاً ، دعني أرى إذا كانت هناك جوائز ربانية أخروية ما قد تغري روجر في الدخول في مسابقة الأولومبياد الدنيوي الديني للحصول عليها.

"أو كي روجر ، وماذا عن الخلود ، ألا تغريك حياة تتدغدغ فيها كل شعرة من بدنك ، وتفرح فيها كل خلية من لحمك ، وتُبهج كل قطرة من دمك ، تنام وتصحى عليها باستمرارية أزلية متواصلة لاتتوقف ولاتنتهي ؟"

نظر لي روجر بصمت لبرهة ثم رفع كأسه وقال :

"هل أفهم من كلامك أن هذا النبيذ لايعجبك ؟"

وهكذا ألحق جوابه الأول الحاسم برد آخر قاطعاً كالموس وإن حاول إخفائه خلف قناع الإبهام ، فالرجل لايفرق بين السعادة الأبدية والنشوة العابرة التي يشتقها من كأسه ، شعرت بعدها أنه من العبث أن أتابع هذا الخيط من التساؤلات بعدما أشبع ردوده فضولي حتى التخمة ، فمددت يدي ورفعت قنينة النبيذ وملأت كأس روجر ثم كأسي واستدرت لأواجه تلك الحورية الأرضية الشقراء ذات العيون الناعسة الزرقاء والتي أثملتني نظراتها أكثر مما أثملني نبيذ الشاتونيف المعتق الذي استنفذنا منه قنينتان إلى الآن رغم أن المساء لايزال مبكراً. هذه المسكينة التي اقترفت بحقها ، وحقي ، جريمة كبرى حين أدرت رأسي عنها وأهملتها كل هذه الدقائق ، لاتغفرها إلاّ دعوة شخصية مني لها ، ولصديقاتها ، لمشاركتنا في قنينة من الشمبانيا.

فاستدرت مرة أخرى إلى روجر لأسأله :

"شمبانيا ياروجر ؟"

"ولم لا"

"هلا يشاركنا بها أحد ؟" مشيراً إلى البنات أمامنا.

"لاأمانع"

"عظيم"

وقمت تحملني سحابة السعادة ويدفعني نسيم النشوة لأدعوها لتجلس بقربي وأنا أتمتم لنفسي :

"جنة أرضية بيدي خير من عشرات الجنات في السماء"

السبت، 31 أكتوبر 2009

المصادم - خطوات على درب الأمل

خههع



أنصح القارئ بقرائة البوست السابق أولاً لفهم أفضل لهذا الموضوع إذا لم تكن لديه معرفة كافية عن المصادم الهدروني الكبير

تقدم المارد العلمي خطوة أخرى للأمام في سعيه الدؤوب لسبر أغوار المجهول وكشف خباياه حين نجح المهندسون في إطلاق حزمات من الجسيمات في جزئين من المصادم الهدروني الكبير خلال يومي 23 و 25 من أكتوبر الشهر الحالي ، وهذه أول محاولة تجريبية يقوم بها المسؤولون منذ توقف العمل فيه خلال سبتمبر من العام الماضي.

خلال تلك التجربة ، أُطلِقَت حزمتان إشعاعيتان من البروتونات وآيونات الرصاص في جزئين من النفق يبلغ طول كل منهما 3.5 كيلومتر من الثمانية أجزاء الكلية للمصادم ، نجح المهندسون خلالها من توجيهما في إتجاهين متضادين. وصرح السيد جيانلويجي أردويني ، نائب رئيس المشرفين على العملية ، لموقع البي بي سي الإخباري أن "هذه التجربة أثبتت أن أجهزة التصادم تعمل بشكل صحيح" وأضاف "أن نجاح عمليات الإرتطام يعتمد على ضبط تزامن الحزمات الإشعاعية من خلال التحكم في تزامن القطع المغناطيسية لتسريع هذه الحِزمات ونقلها من مسارع إلى آخر حتى تصل إلى المصادم نفسه والذي يجب أن يكون بدوره متزامن مع هذه الخطوات حتى يتمكن من استلام الإشعاعات. هذه العملية بأكملها تحدث خلال 100 بيكوسكند فقط ، والبيكوسكند يعادل واحد على الترليون من الثانية".

وقد أطلقت هذه الحزمات في هذه التجربة بقوة 450 بليون فولت اليكتروني تمثل جزء صغير من القوة الكاملة التي سوف تستخدم للإرتطام والتي سوف تبلغ 3.5 ترليون فولت اليكتروني ترتفع خلال عدة مراحل حتى تصل إلى 7 ترليون فولت اليكتروني سنة 2011.

وعلى صعيد تقني آخر ، تقف الكويت شامخة رافعة الرأس في المحفل الدولي إستعداداً للإنظمام إلى مصاف الدول المتقدمة لتأخذ دورها للمساهمة في دفع عجلة تطور العلوم الطبية إلى أبعاد لم تحققها أياً من زميلاتها في العالم المتحضر وذلك بإنشاء مراكز طبية متخصصة للـحـجـامـة ....

عفواً .... ماذا قلت ؟ متخصصة في ماذا ؟

في الـــــ حــــ جــــ ا مـــ ة

وعذراً على التكرار فهو لي وليس للقارئ في محاولة يائسة مني لإفاقة نفسي من صدمة الخبر الذي وصلني متأخراً من زميل لي يحاول هو الآخر الإفاقة من وقعه عليه منذ شهور بدون نجاح ...

وتحسباً للقطعان الغفيرة التي سوف تساق إليه من قبل أخصائيي الشعوذة ونقلة القال والقيل المقدس ، فإن مركزاً واحداً لن يفي بالغرض ولذلك سوف تنشر هذه المراكز في جميع محافظات الدولة. وحيث أن هذا المشروع الطبي المتطور يتطلب أعلى الكفائات العلمية لإدارته والإشراف عليه ، فأننا نناشد المسؤولين بتعيين البروفيسور العبقري عبدالمجيد الزنداني مكتشف العلاج الإعجازي لمرض الأيدز والدكتور النابغة زغلول النجار مكتشف كل إعجاز آخر لتولي هذه المناصب الـ(لا)سامية اللائقة بهما. وبهذا الإنجاز الطبي الرائع وطاقم الإشراف الإداري المعجز سوف تكون الكويت سباقة في تقديم أفضل الخدمات التقنية الطبية لرفع المستوى الصحي لمواطنيها وللبشرية جمعاء حين تتسارع باقي الدول خلفها للحاق بها ومواكبتها.

ومما لاشك فيه أن هذا المشروع يمثل الحلقة الأولى في سلسلة من المشاريع الطبية المتطورة التي سوف تأتي تُباعاً وتشمل إنشاء مراكز لصيدلة بول البعير والمعالجة بالكي وطرد الجن وفك السحر ودرء الحسد وغيرها من التخصصات الطبية الرائدة التي تزدهر في مجتمعاتنا بينما تتخلف فيها الدول الأخرى. ونحن على يقين بأن الزمرة التحديثية والعقول النابغة المنفتحة التي حثّت على هذه الخطوة التقدمية العظيمة سوف تأتينا قريباً بالخطط المستقبلية لهذه التخصصات لطرحها على مجلس الأمة.

وبينما تحبس المجتمعات الطبية الكويتية والدولية أنفاسها تطلعاً وانتظاراً للبت في إقتراح إنشاء مراكز الحجامة المقدم إلى مجلس الأمة من قبل النائب مرزوق الغانم والذي ننصحه بأن يُكثر من التبخر بالشب دفعاً للعين على عقليته المستنيرة ، إسم الله عليها ، نحن هنا في هذه المدونة سوف نحصر إهتمامنا المتواضع على تتبع التجارب القائمة في مصادم الهدرون ، وسوف ننشر آخر التطورات عنها حينما تعلن.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

عند التصادم ، بداية النهاية

pp


تجري هذه الأيام عملية تبريد لمصادم الهدرونات الكبير Large Hadron Collider لتخفيض حرارته إلى مايقارب الصفر المطلق وذلك إستعداداً لإعادة تشغيله بعد العطل الذي أصابه العام الماضي من جراء تسرب طن من سائل الهيليوم المبرّد إلى النفق الذي يحتويه والذي أدّى إلى تأخير برنامج التجارب المقررة له إلى منتصف نوفمبر من هذه السنة. واستناداً إلى الخبر الذي نقلته محطة البي بي سي الإخبارية مؤخراً ، فقد أوصل المهندسون درجة برودته الآن إلى 271 درجة تحت الصفر وهو المعدل المخصص لتشغيله. وهذا المستوى الحراري المنخفض هو أيضاً ، بالمناسبة ، أبرد من أي درجة يمكن الوصول إليها طبيعياً في أي مكان من الفضاء الخارجي. ولأحبائي وأعزائي القادمين للتو من سفرهم إلى المريخ والذين لم يسمعوا بهذا الجهاز لغيبتهم على أرض الصخور الحمراء ، فقد أضفت في الفقرة القادمة نبذة قصيرة عنه يمكن تجاوزها ، تفادياً للتكرار ، إلى الفقرة التي تليها لهؤلاء الذين لم يحالفهم الحظ للسفر هناك وظلوا مثلنا على الكرة الأرضية غير قادرين على الهروب من ملاحقة أخباره لهم ..

هذا المصادم هو آلة علمية لاستكشاف ودراسة مايحدث عندما تصطدم نواة الذرات أو البروتونات Protons ببعضها وتنفصل من شدة الإرتطام أجزائها الأولية المكونة لها. لتحقيق ذلك ، بُني هذا الجهاز ليُطلق حزمتان إشعاعيتان من البروتونات في إتجاهين معاكسين بسرعة تدنو من سرعة الضوء لترتطم ببعضها ، وفي نقطة الإرتطام ، تُلتقط صور الجسيمات الناتجة عن هذا التصادم لدراستها والتعرف عليها ومنها إختبار صحة الفرضيات التي تصف الإطار النظري لفيزياء الجسيمات المكونة للمادة. ولكن لتفتيت الذرة إلى مكوناتها الأولية تتطلب هذه العملية آلات في منتهى التعقيد والقوة والضخامة وهذا مايمثله المصادم ، إذ يتكون من نفق دائري تحت الأرض يبلغ طوله 27 كيلومتر ويتألف من عدة أجزاء من أهمها القطع المغناطيسية التي تغلّف الحزمات البروتونية ويبلغ عددها 1232 قطعة طول كل منها 15 متر ووزنها 35 طن وظيفتها تقويس هذه الحزمات ضمن المسار الدائري المقرر لها وتعجيل سرعتها وتوجيهها إلى نقطة التصادم ، وقد وصفت عملية توجيه الحزمات البروتينية للإرتطام ببعضها رأساً برأس في النفق كمن يطلق إبرتي حياكة من جهتين مختلفتين عبر المحيط الأطلسي ليتصادم طرفيها ببعض. ولرفع فعالية هذه المغناطيسات ، تُبرّد بواسطة غاز الهيليوم المسيّل إلى 271 درجة تحت الصفر.

إنتهينا من الجزء التكنيكل الممل ، لنلتفت الآن إلى الجزء المثير من الموضوع. يقول العنوان "... بداية النهاية" ، ولاشك في أن القارئ قد تسائل قاطباً جبينه تعتري وجهه لمحة من القلق المبرر على هذا التصريح الدراماتيكي ، بداية ونهاية ماذا ؟

البداية هي عملية واقعة قيد التنفيذ لامفر منها وهي بداية تشغيل هذا المصادم ، والذي كما قلنا أعلاه ، قد باشر المهندسين القائمين عليه بتبريده وتحضيره استعداداً لإطلاق الحزمات الأولى من البروتونات بسرعات تجريبية منخفضة خلال هذه المراحل الأولية من الأسابيع القليلة القادمة ، ترتفع إلى السرعات القصوى المقاربة لسرعة الضوء خلال شهر يناير فما بعده من العام المقبل يخرج فيها علم الفيزياء من إطار المعلوم ويدخل إلى عالم الإستكشافات المجهول.

أما النهاية فهي تخضع إلى احتمالين ، كلاهما نظري ، والثاني أقرب إلى التحقيق من الأول. فأما الإحتمال الأول فهو يتعلق بالخطورة الكارثية التي قد يسببها هذا التصادم حيث من الممكن أن ينتج عنه أنواع من الجسيمات الغريبة التي قد تسبب خطر على الحياة أو على الكرة الأرضية نفسها ، وأحد هذه المخاطر هي ظهور ثقوب سوداء صغيرة Black Holes ، إذ تشير المعادلات الرياضية إلى إمكانية حدوثها ، ولكن نفس هذه المعادلات تتوقع منها أن تتبخر وتتلاشي فور تكوينها مما يحصر خطورتها ضمن الإحتمال النظري المستبعد وخارج الإحتمال الوارد الحدوث. والسؤال المرعب الذي يطل علينا بوجهه القبيح من بين صفحات دفاتر هذه المعادلات هو : ماذا لو أخطئت الحسابات الرياضية ولم تتلاشى هذه الثقوب كما يتوقع بل بقت لوهلة أطول تسقط فيها القيَم الرياضية التي أنفق العلماء عقود من أعمارهم في الوصول إليها ؟ هل يُجدي الإعتذار Oooops ... sorry , I made a mistake حينذاك ؟

في هذه الحالة سوف يتحقق السيناريو الكارثي المستبعد ويسقط أول سايكوباثيك جينيسايدل ثقب أسود إلى مركز الكرة الأرضية خلال جزء من الثانية من تكوينه ويلتقمها بمن عليها ، بهذه السرعة وهذه البساطة. وبهذاا يُسدل الستار السرمدي الذي حاكه الإنسان بيديه على مسرحية الحياة ومسرحها. وتجد الشمس نفسها بعد هذه الصدمة الكونية حائرة هائمة في شُعب درب التبانة تتسائل أين ذهب حمّام العين الحمئة التي تغطس فيها كل ليلة قبل أن يأتي دورها هي الأخرى لتصبح لقمة في فم وحش كوني كاسر لايفلت منه حتى نور وجه خالقه الكريم.

قبل أن يهرع بعضكم جزعاً وهلعاً للوضوء والصلاة والإستغفار تحصناً لاستجوابات نكراً ونكير الوشيكة وخوفاً من الشجاع الأقرع الذي يمكن أن يرتشى بباروكة ، أود أن أطمأنكم بأنه بالرغم من وجود هذه الإحتمالات نـــظـــريـــاً إلاّ أنها غير واردة الحدوث ، إذ لايوجد شخص واحد من العشرة آلاف عالم ومهندس ممن قاموا بتصميم وبناء وإدارة وتشغيل هذا المشروع أو هيئة واحدة من مئات الجامعات والمختبرات المشاركة فيه تعتقد بأن أي من هذه الإحتمالات الخطرة ممكنة الوقوع.

أما الإحتمال الثاني فهو أقرب إلى التحقيق ، وسوف يقدم ، إن تحقق ، أثمن وأعز وأغلى خدمة للبشرية جمعاء منذ ظهور اللوشن الدارويني ليبرء رمد العقول ويبدد الغشاوة التي أعمتها منذ أن نظر الإنسان إلى الدنيا حوله فلم يرى إلاّ نفسه وعمي عن موقعه منها ، وهو ، أي الإحتمال الثاني ، في الوصول إلى مايطلق عليه بكل تعظيم "نظرية كل شئ" The Theory of Everything في علم الفيزياء. ولكن قبل أن أتوغل في هذا الدرب ، دعوني أولاً أنغمس ، من خلال بعض السطور ، في نشوة تكسير الصنم الذي نُفخ فيه الحياة ليصبح أول وأوضع وأغبى حرامي ابتلى الإنسانية ، أدى تصرفه المتهور الأحمق إلى مآسي وآلام ومعاناة لنسله البريئ يعجز الخيال عن وصفها امتدت من تاريخ إخراجه ذليلاً من الجنة إلى يوم إدخالنا نحن في النار بسببه ، وكل هذا نتاج سرقته لتفاحة ، تخيلوا ماكان ليحدث لو مسه الشيطان بلحظة جنون قطع فيها الشجرة !!!

لازالت الدوغمائية اللاهوتية الخلقية تترنح من وجع الضربة التي وجهتها لها نظرية تشارلز داروين للتطور بواسطة الإنتخاب الطبيعي منذ أن ظهرت على الساحة لتزيح ، مدعمة بصلابة النهج العلمي ، المفاهيم اللاهوتية البالية عن المصطبة التي جثمت فوقها لعشرات القرون ، وترتقي إلى عرش المعارف التي حققتها البشرية. ولكن هذه الدوغمائية العنيدة لاتزال واقفة تتقلقل على قوائم ضعيفة خائرة تترقب في أي لحظة الضربة القاضية التي سوف تسقطها على مرتبة الخرافة الموثقة وتبقيها ملقاة هناك بلا حياة تطأها أقدام التقدم المعرفي وتتغذى عليها ديدان الزمن.

هذه الضربة سوف تأتي لامحالة ، إما من مختبرات علوم الأحياء أو من أنفاق التجارب الفيزيائية كالمصادم الهدروني ، وهي مسألة وقت فقط. إن جائت من مختبرات الأحياء ، والأبحاث قائمة ضمن هذا التخصص في مختبرات كثيرة ، فسوف تكون من خلال خـــلـــق تركيبة كيميائية عضوية شُكِّلت من مركبات جماد غير حية تنطبق عليها شروط الكائن الحي وقادرة على التكاثر والتطور ، وليس من الضروري أن تكون خلية متكاملة بل يكفي أن توفي بشروط الحياة أياً كانت طبيعتها. أما إن جائت من التجارب والأبحاث الفيزيائية ، فسوف تأتي من خلال التوصل إلى نظرية كل شئ الشاملة السابق ذكرها. هذه النظرية سوف تمكن العلماء من تفسير جميع الظواهر الطبيعية بشكل كامل ومترابط وهذا يعني معرفة كيف ومن أين نشأ الكون ، أي بعبارة أخرى ، سوف نحصل على أطار من المعلومات نتوصل من خلاله إلى تفسير لعملية الخلق نفسها بدون اللجوء إلى النصوص المقدسة لتفسيرها ، كمثال المطر الذي نعرف حسب التفسير العلمي أنه ينتج عن تكثف أبخرة البحار في طبقات الجو العليا الباردة وتشكلها كقطرات ماء تنزل كأمطار وليس بسبب رش الملائكة أو الآلهة المختبأة خلف السحب.

إذا كان هناك أحد لم يستوعب مضمون نتائج هذه الأبحاث ، إن تحققت بالشكل المتوقع لها ، فسوف أبسطه أكثر : يعني أن الإله سوف يفقد جميع وظائفه التي احتكرها منذ أن عينه الإنسان كخالق وحاكم وقاضي وجلاد ، وينزل من عرشه لينظم إلى طابور العاطلين عن العمل في دوائر التوظيف. وهذه هي النهاية المقصودة من العنوان.

مصادم الهدرونات الكبير الذي سوف يبدأ تشغيله الشهر القادم سوف يعطينا فرصة حقيقية للوصول إلى مثل هذه النظرية. وسوف أنشر أهم الإكتشافات التي يتم التوصل لها أول بأول في هذه المدونة.

Watch this space

السبت، 17 أكتوبر 2009

من أقوال الملحدين




عِش حياة صالحة
إن كان هناك آلهة ، وهي عادلة ، فلن تهتم بدرجة تقواك وسوف ترحب بك بناءً على فضائلك في حياتك
وإن كان هناك آلهة ، وهي ظالمة ، فلايتوجب عليك أن تعبدها
أما إن لم يكن هناك آلهة ، فتكون قد رحلت ولكنك عشت حياة نبيلة تظل ذكراها باقية في أذهان أحبابك
ولهذا فأنا لست خائف

الإمبراطور الروماني ماركَس أوريليَس
121 - 180م
حخ

الاثنين، 12 أكتوبر 2009

يعوذ بالله من الإله

خخ
خلال بحث لي في غوغل لموضوع ليس ذو صلة بهذا ، وقع نظري على مقالة قصيرة في صحيفة الشرق الأوسط للكاتب أنيس منصور تحت عنوان :
"أعوذ بالله من هذا الإله" يعبر فيها عن الهزة النفسية (تعبيري) التي سببها له كتاب ريتشارد دوكنز "وهم الإله" بعد قرائته له.

في الواقع ، حدة ردود الفعل هذه وتأثيرها البالغ على نفسية الإنسان حين ترتطم مفاهيمه العقائدية التي يعتبرها من المسلمات والثوابت التي لاتقبل أدنى اعتراض لها أو شك بما يزعزها ، ليست مستغربة لو صدرت من مؤمن مغيب الإدراك عن المنظور العلمي المدعم بالدلائل المادية الدامغة التي تعج بها كتب ريتشارد دوكنز ، ولكن أن تصدر من شخص بالمستوى الأكاديمي كأنيس منصور فهذا الذي يستدعي الإستغراب في نظري.

لم أكن لأعير مقالة أنيس منصور أي إهتمام لأنه ليس المفكر الوحيد الذي يستاء من فكرة إناحة الإله جانباً ليُستبدل بعشوائية الطبيعة وقوانيها الباردة اللامكترثة ، ولكن ماحدني على كتابة هذا التعليق هو أســبــاب إستياء أنيس منصور من كتاب ريتشادر دوكنز كما عبر عنها في مقالته. فكأكاديمي على درجة عالية من الثقافة والمعرفة والإطلاع ، يتوقع من أنيس منصور أن يتجرد من عواطفه وانفعالاته وان ينظر إلى الدلائل العلمية المطروحة بقدر من الموضوعية وينتقي بعضها كأمثلة من الكتاب محل الجدل ويحاول أن يفندها بالحجة بصرف النظر عن وزن الدليل أو قوة البرهان الذي يقدمه ، فتقييم الأدلة المطروحة يحدده المستوى الثقافي للقارئ. ولكن هذا الأكاديمي والمفكر البارز لم يقدم ، لدهشتي ، أي دليل أو برهان كسبب لإستيائه البالغ للكتاب سوى تعبير مؤثر لسيل العواطف الجياشة التي غمرته عند قرائته له.

ما "أتعس" أنيس منصور و"عذبه" و"أظناه" ، على حد تعبيره ، هو فكرة أن لو كان هناك إله ، حسب مفهوم دوكنز في كتابه ، فهو قطعاً ليس إله اليهود والمسيحيين والمسلمين ، أو أي طائفة أخرى في الواقع مما يضع المسلمين في نفس مصاف باقي البشر ... مقدسين الحجر مع مقدسين البقر ... ياللعار ، وليس هو الإله الذي "يستحق العبادة" ، أي أن عبادة عمر كامل قد ذهبت أدراج الريح في سبيل إله مزيّف ... فكرة لاتطاق ، وأن هذا الإله "لن يعنيه مصير الإنسان ولا الهوام ولاالحشرات ولاحتى المايكروبات" ، إهمال تام لنا من رب العزة الحقيقي حتى لو تمزغت وجوهنا تمريغاً على الأرض من الصلاة له ليلاً ونهاراً ، وأنه قد خلقنا "وألقى بنا وتركنا لمصيرنا لأننا لانساوي شيئاً عنده" ، ياحسرتنا ... من يفرّج عنا مصائب الدنيا وأهوالها التي ابتلانا هو بها ؟

هذا الكتاب ، المدعم بالبراهين العلمية ، جّرد أنيس منصور من أعز مايملك :

"الدفئ والأمل والحب والعدل والخير"

وهذا مالايطيق الإنسان فقده ، وسحقاً لجميع الأدلة العلمية التي تحرمه منها.


مقالة أنيس منصور :
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=434885&issueno=10502

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

أوقفني عن هرولتي سنجاب

من ت
تعودت على الركض (الهرولة) على امتداد شاطئ البحر القريب من بيتي في مدينتنا الساحلية البريطانية ، مصيفي المفضل ، كلما توقفت الأمطار واعتدل الجو خلال الفترة القصيرة التي تمر علينا من كل سنة والتي يعبر الناس في هذه البقعة من الأرض عن تقديسهم وتبجيلهم لها وحبهم وشوقهم وتطلعهم لقدومها بتأليهها وتلقيبها بــ (((( الــصــيــف )))) ، إنظر كيف هي مدوية هذه العبارة ، وهو موسم يمتد لشهور عديدة في أقاليم أخرى ولكن ، لأسباب مناخية جغرافية ، فإن مدته شحة قصيرة هنا في بلد الضباب والسحاب والمطر ، لاتتعدى بضعة أسابيع تتقلص في بعض المواسم وتنكمش حتى لاتتجاوز أيام قليلة إذا ماازداد إستياء الآلهة ونفذ صبرها من سلوك القوم الإنجليزي السائب وقررت أن تصب جام غضبها عليهم لتعجل بهم إلى غياهب ظلام الشتاء وآلام برودته. ولذلك تراهم يحتفلون بقدوم هذا الفصل المبارك بممارسة طقوس غريبة تبنوها عبر الأجيال تستلزم تعذيب ماسوكي للذات لإرضاء هذه الآلهة ودرء سخطها وذلك بتعرية البدن وطهيه تحت أشعة الشمس الطاهرة المباركة إلى حد الإحمرار ، والإنسلاخ إذا تعمق الخشوع ، يصل في بعض الحالات إلى حد النضوج والموت للفئة القليلة الأصولية المتعصبة منهم. أما الفئة القليلة المارقة منّا فلا تعير إهتمام يذكر لهذه الممارسات وتبقى على جحودها مغطاة بـ تي شيرت وشورت كحد أدنى للمشاركة في طقوس التعرية الزكية خلال هذا الموسم المقدس.

فذات عصرية من يوم صيف بهيج مشمس ، خرجت كعادتي مرتدياً الطاقم الرياضي الكامل ومتسلحاً بعدة الهرولة بدأً من خزانة الوقود المتمثلة بقنينة الرد بُل وكاب البيس بول الواقي من الشمس ونظارة الأوكلي السوداء لإخفاء ملامحي حتى لايستوقفني أحد يعرفني ويقطع تواصل هرولتي وانتهاءً بسماعات الأذن الموصولة بالآيبود لدغدغت الأحاسيس ورفع المعنويات ، بدأت بالهرولة الخفيفة كتسخين خارجاً من بوابة الحديقة ومارّاً بجاري المستر بوب وينزويرث المتقاعد وهو منهمك في تقليم شجر الكونيفر المحيط ببيته والذي ما أن لمحني من فوق نظارته المتأرجحة على طرف أنفه حتى هتف بأحد العبارتين التي لازال يكررها عند رؤيتي منذ سكني بجواره قبل أكثر من ثمانية سنوات :

Hello Qal, nice day, isn't it
Hello Qal , horrible day, isn't it

حسب حالة الطقس في اليوم الذي يراني فيه ، فإن كان مشمس فهو نايس وإن كان ممطر فهو هوريبل. وذاك اليوم كان مشمس فكان هتافه "هالو كال ، نايس دَي إزنت إت" لأرد عليه بنفس التحية التي لازلت أكررها أنا له منذ ذلك الوقت :

Yes Bob, quite nice

وأتسارع في ركضي حتى لاأعطيه فرصة ليستطرد في حديثه الذي لايخرج في العادة عن حدود مثلث الطقس وحديقته وصحته التي أصبحت أعرفها وأشخصها أكثر من دكتوره.

إستمريت في الركض الخفيف تحت ظل أشجار الكستناء التي تحف الشارع ، أنسق كل خطوة فيه مع نغمات وإيقاع أغنية بوب مارلي وهو يعاتب الأولاد الأشرار :

bad boys bad boys
what you gonna do
what you gonna do
when they come for you


وأتمتم معه بصوت هامس ما تيسر لي من الأبيات التي أحفظها لهذه الأغنية غير مكترث بنظرات المارة الخاطفة لي وضحكاتهم المكبوتة ظناً منهم أنني غارق في الحديث مع نفسي ، والحقيقة أنني أدردش مراراً مع نفسي ولكن ليس ذلك اليوم ، حتى وصلت إلى درب المشاة الذي يتفرع من الشارع ويؤدي إلى ساحل البحر. وهذا الدرب يقتطع حديقة تتناثر فيها أشجار كثيرة من الكستناء والبلوط ونباتات عديدة أخرى وتتكاثر فيها السناجب لتوفر الكستناء كغذاء لهم. وما أن دخلت هذه الحديقة حتى لمحت تحت أحد أشجارها قرب السور على بعد بضعة أمتار سنجاب على الأرض مستلقي على بطنه لايتحرك ، ويداه ورجلاه مثنيتان بجانبه في وضع ذكرني بطريقة نوم الرضيع عندما يوضع للنوم على بطنه. فظننت للوهلة الأولى بأنه نائماً ولكن سرعان ما أقصيت هذه الخاطرة من فكري لعلمي بأن السناجب تنام على أغصان الشجر في الليل وليس على الأرض في عز النهار ، فخففت من سرعتي وأنا متجهٌ إليه أتوقع قفزه في أي لحظة وتسلقه الشجرة كالعادة عندما يباغته أحد وهو غافل ، وأخذت بالإقتراب منه وصوت تكسير أوراق الشجر الجاف تحت وطأ قدماي يدنو منه بدون أن يصدر منه أي صوت أو حركة. وحين وصلت إليه توقفت لوهلة بجانبه أحدق فيه عرفت من بعدها فوراً بأنه ميت.

في الحقيقة أن بعض الحزن قد انتابني خلال تلك الدقائق التي وقفت فيها لأتمعن في منظر هذا الحيوان النشط الذي لاتهدأ حركته طوال اليوم في البحث عن طعامه ومطاردة منافسيه والذود عن منطقته وهو ملقي على الأرض ككومة من اللحم والفرو بلا نفس أوحراك. ولكني لم أعبأ كثيراً بتلك الحادثة وقتها وسرعان مانصرفت من فكري حالما رجعت إلى هرولتي ولاحت من فوق رؤوس الشجيرات المحيطة بالحديقة إنعكاسات الشمس على مرآة البحر الذي تراقصت أمواجه على نسيم العصرية ونغمات بوب مارلي التي كانت تدغدغ مسامعي أيضاً لتحثني على المثابرة ولتخفف عني حرارة الشمس الذي بدأت تلفح ظهري. فأكملت هرولة ذاك اليوم وختمتها بشعور من السعادة والرضى لذلك الإنجاز الرياضي المتواضع.

خرجت في اليوم التالي لشوط آخر من الركض ، ماراً بنفس الطريق المعتاد ولكني لم أرى المستر وينزويرث الذي يظهر أنه ذهب في زيارة إلى دكتوره ضمن روتين مثلث إهتماماته منذ تقاعد ه ، الطقس والحديقة وصحته ، فقد كان يشتكى لي بأنه لم يذهب إلى العيادة منذ أمد بعيد يتجاوز الشهر بخلاف عادته في زيارة الدكتور كلما شعر بوخزة ألم أو مس من صداع أو إحساس بتعب مما يدفعه هذا الوسواس إلى مراجعة العيادة بشكل أسبوعي ولاأدري لماذا لم يتم تحويله إلى العلاج النفسي الذي سوف يكون بدون أدنى شك أكثر فعالية من العلاج الطبي.

فاستأنفت جولتي بعد هذه الخاطرة أعدو على نغمات ريحانة وهي تصدح بصوتها البلبلي في أغنية المظلة umbrella حتى وصلت إلى حديقة السنجاب المتوفي. وحال دخولي إليها ، رفعت بصري لأرى أن المغفور له لايزال في مكانه منبطحاً على بطنه لم يحركه أحد. فاقتربت منه وتوقفت عنده لوهلة أعيد التمعن فيه متسائلاً عن سبب موته. هل قتله حيوان آخر؟ لاأعتقد ، فلايوجد عليه أي جروح أو دم ظاهر يشير إلى هذا السبب. هل وقع من الشجرة أو أصابه مرض أو أدركته الشيخوخة ؟ محتمل ، ولكن حجمه وتكامل جسمه وخلوه من أي عيوب أو جروح يشير إلى أنه كان حيوان بالغ سليم متعافي. إذاً الأرجح ، قلت لنفسي ، أنه قد لقى حتفه بالسقوط من علو شاهق من الشجرة. ويعزز هذا الإستنتاج إنبطاحه على بطنه بالضبط كما يتوقع أن تفعل هذه القوارض عند سقوطها ، فهي تستدير تلقائياً لتنزل على أرجلها كالقطط.

بعد هذا الإستقراء السريع لملابسات الحدث ، عدت لإكمال جولة الركض بمزيج من الشعور بالرضى على حلّي لهذا اللغز بهذه السرعة والأسف على أنني وجدت السنجاب كما هو في مكانه. إذ لو لم يكن موجوداً اليوم لأعطاني غيابه أمل في أنه كان مغمى عليه بالأمس عند رؤيتي له وصحى وذهب بعد أن تركته ليعيش ليوم آخر قبل أن يدركه المحتوم. ولكن وجوده اليوم في نفس الوضع أكد أن ذلك المحتوم ، أياً كانت طبيعته ، قد أدركه ومضى ليقبض غيره.

توقفت عن الركض بعد ذلك اليوم لفترة تقارب الأسبوع عندما تراكمت علي متطلبات الحياة وأبقتني رهيناً بين جدران البيت وأجواء المكتب ولكن صورة تلك الفروة الكروية الراقدة في سباتها السرمدي لم تبارحني بل ظلت تومض في ذهني كلما سرحت مخيلتي بعيداً عن شجون البيت وهموم العمل. فعندما أتت الفرصة لخروجي مرة أخرى في جولة من الهرولة التي أتطلع إليها دوماً بصبر نافذ لما فيها من وقع عميق على بهجة لنفسي ورفع لمعنوياتي ونفع لجسدي ، أضاف إليها الآن حماس فضولي لمعرفة ماحل بجسد السنجاب الراحل. هل لايزال موجوداً هناك في مطرحه أم ألتقطه كناس الحديقة وانتهى مصيره في المزبلة ؟ أم هل وجده حيوان آخر جائع والتقمه ليسكت به أنين جوعه ؟ لقد شاهدت بنفسي عدة مرات ثعالب تعدوا أمامي وتختفي بين النباتات الكثيفة التي تحيط بالحديقة ، والثعلب لن يترك هذه الهبة التي أسقطتها له السماء ليلتقمها دون تعب أو عناء. ولكني لن أستبق الأحداث فلن يطول الوقت حتى أجد الجواب.

وصلت إلى مدخل الحديقة ورميت بنظري تجاه الموقع ، فلم أصدق عيناي حين وقعت على كومة الفرو التي بدت عن بعد وكأنها قد تقلصت شيئاً ما. إذاً فهو لايزال هناك ، لم يحركه أحد ولم يلتقمه ثعلب. دنوت منه ونظرت إليه ، فإذا به لايزال راقداً في نفس الموقع وفي نفس الوضع لم يتغير فيه شيئ سوى أن تكوير جسده بدأ بالإنخفاض كما لو كان كرة قد فرغ منها بعض الهواء. وقفت صامتاً لدقائق أعاين جسده المتقلص وأنظر إلى شعر فروته وهو يتمايل مع هبات النسيم في تناغم مع صوت حفيف أوراق شجرة البلوط بأغصانها الممتدة فوقه تظلله. أكملت ركضي بعدها وعدت إلى البيت.

في الأيام والأسابيع التي لحقت ، إستمريت في هرولتي كالعادة ماراً بجاري مستر وينزويرث وبالحديقة وبالسنجاب الذي ظل خلالها في مكانه بدون أن يحركه أحد. وكلما مررت عليه وجدت جسده قد انخفض أكثر مما كان عليه في الزيارة السابقة حتى أصبح بمرور الأيام مسطحاً وكأن عجلة سيارة قد داسته. ومع مرور الوقت بدأت بقايا جسمه بالتحلل تدريجياً وأخذت جلدته وفروته بالتقلص والإختفاء حتى لم أرى منه إلاّ بعض الشعيرات المبعثرة في الموقع الذي سقط عليه.

لم يتعدى الوقت من يوم سقوطه في تلك الصيفية إلى فنائه أكثر من أربعة أو خمسة أسابيع.

السنجاب حيوان ينتمي إلى نفس فصيلة الثدييات التي ينتمي إليها الإنسان وإن كانت هناك إختلافات واضحة لاتحتاج إلى تفصيل وليس المقصود من الكلام المقارنة التشريحية. إنما وجه التشبيه يكمن في المراحل التي تمر فيها عملية التحلل الجسدي الذي تمر فيه أجسام هذه الكائنات ، ومنها الإنسان ، بعد الموت. فهي متطابقة. ولو كان ذلك السنجاب إنساناً لمر في نفس مراحل التحلل والإندثار التي شاهدتها مع اختلاف المدة فقط.

الهدف من كتابتي لهذه القصة هو نفس الهدف من سردي لقصة أخرى تحمل نفس الرسالة كتبتها السنة الماضية في مدونتي هذه تحت عنوان "الرغبة في البقاء وحتمية الفناء". ومايحدني على الخوض تكراراً في موضوع الموت الذي يشمئز منه أغلبنا (نعم حتى أنا أشمئز من الخوض فيه بالرغم من تعدد كتاباتي حوله) هو قناعتي بأن القليل فقط قد وصل إلى مستوى من الإدراك يمكنه من إستيعاب المعنى الكامل للموت والفناء الأزلي لكيانه. هذه حقيقة من الصعب ، وعند أغلب الناس ، من المستحيل إستيعابها إما بسبب قناعتهم التامة بالحياة بعد الموت أو لعدم القدرة بالإرتقاء في التفكير إلى مستوى الإدراك الحقيقي لهذه النهاية.

في مقابلة مع ريتشارد دوكنز Richard Dawkins ، يصف ستيفن واينبرغ Steven Weinberg العالم الفيزيائي الشهير معرفة الإنسان بمصيره الأبدي المحتوم حين يفارق أهله وأحبائه إلى غير رجعة بأنها "مأساة". قد يجد ستيفن واينبرغ القليل ممن يشاركه هذا الرأي ، وأن أعتبرت نفسي أحد هؤلاء القلائل ، ولكن باعتقادي أن المأساة الحقيقية هي أن يفارق الإنسان هذه الحياة بعد أن يهدرها في أوهام وطقوس ومراسيم لاتعود بفائدة عليه فيها ويحرم نفسه من ملاذتها والإستمتاع فيها لأجل حياة أخرى ليس لها وجود.

السبت، 1 أغسطس 2009

جائزة نوبل ، مؤشر للتخلف العلمي في العالم الإسلامي

ننن
ميدالية جائزة نوبل في الكيمياء


قبل كم يوم ، أثرت حفيضة وغضب قريب لي وعزيز علي عندما وصفت واقع العالم الإسلامي الحالي بالتخلف العلمي خلال حوار معه عن المناهج الدراسية المغربلة بمنخل الدين وأساليبه التعليمية الحاثة على الحفظ والتلقين ومايترتب على ذلك من مستوى ثقافي مزري في الدول الإسلامية وأشرت إلى أنه لابد أن يكون للدين الإسلامي تأثير على هذا الوضع الملحوظ كونه عامل مشترك على أقل تعبير وقوة مهيمنة في هذه المجتمعات ، لاسيما في المؤسسات التعليمة. ردة فعله التي لاأبالغ حين أصفها بالهائجة والتي أثارتها من غير شك غيرة المؤمن ، المسلم بالخصوص ، المرهفة الحساسية تجاه معتقده وكرهه الشديد لكل مايمسه من نقد أو تمحيص دفعتني لطرح هذا الأستفسار للقارئ لعلي أتلقى ردود أو تعليقات من الإخوة والأخوات المؤمنين والمؤمنات لتعليل الظاهرة الآتية :

منحت جائزة نوبل في المجالات العلمية الأربعة : الفيزياء ، الكيمياء ، الفسلجة أو الطب منذ عام 1901 وحصل عليها منذ بدايتها وإلى عام 2009 536 عالم من مختلف الجنسيات والتوجهات العقائدية. وحيث أن عدد المسلمين في العالم يبلغ حالياً حوالي بليون ونصف مسلم ومسلمة ، أي بنسبة 22% أو مايقارب من ربع سكان العالم ، فالسؤال هو:

لماذا لم يحصل على جائزة نوبل في أي من هذه المجالات العلمية الأربعة إلاّ مسلمان فقط خلال أكثر من مئة عام ، أي مما لايتعدى النصف بالمئة من مجموع الــ 536 عالم الحاصل عليها بالرغم من أن عدد المسلمين في العالم يقترب من ربع سكانه ؟؟؟
نن




المسلمان الحاصلان على جائزة نوبل هما :



* محمد عبدالسلام وهو عالم فيزياء باكستاني حصل عليها عام 1979 بالإشتراك مع ستيفن واينبرغ وشلدن غلاشو
* أحمد حسن زويل وهو عالم كيمياء مصري حصل عليها عام 1999



هذا على افـتـراض أن الإثنان مسلمان لأن محمد عبدالسلام ينتمي إلى الطائفة الأحمدية القاديانية وهي مكفرة من قبل السنة والشيعة فهل نعتبره مسلم؟ وأحمد زويل معروف بأنه علماني حتى النخاع ويطالب بحصر الدين في المساجد فهل نجزم بأنه هو الآخر مسلم؟ فإن كان كلاهما مسلم إسماً وغير مسلم عُرفاً وهما المسلمان الوحيدان في اللائحة الطويلة للحائزين على هذه الجائزة السامية ، ألا يعني هذا أن من الـ 
536 عالم حائز على جائزة نوبل في العلوم منذ بداية منحها قبل مئة سنة وإلى الان ....



لايوجد مسلم واحد بينهم ؟



وهذه معلومة إضافية لقريبي المستهجن لنقدي على الوضع الثقافي المشين في الدول الإسلامية ولكل من امتعض مثله من إظهار العلاقة بين الدين الإسلامي أينما يتواجد والتخلف الثقافي المصاحب له بغض النظر عن الجنس أو اللغة أو الموقع الجغرافي لمعتنقيه.



في ترتيب للمستوى الأكاديمي لأفضل 500 جامعة في العالم لعام 2008 ، لايوجد أسم أي جامعة من أي دولة إسلامية ضمن المئتي جامعة الأوائل في تلك اللائحة. وأعلى رتبة لجامعة في دولة إسلامية موجودة في هذا الترتيب هي الجامعة الإندونيسية في إندونيسيا وتقع في الرتبة 287 تتبعها جامعة إندونيسية أخرى في الرتبة 316 وجامعة الملك فهد في السعودية في الرتبة 338 وجامعة تركية في الرتبة 374 وباكستانية في الرتبة 376 . ويأتي بعد ذلك في ذيل القائمة 6 جامعات أخرى في مصر وأيران وباكستان وتركيا. أي أن مجموع عدد جامعات الدول الإسلامية في هذه اللائحة هو 11 جامعة فـــقــط.

وقد لاحظتم بالطبع أين تقع رتب هذه الجامعات من سِـلّـم الأفضلية بالإضافة إلى ندرتهم في اللائحة ؟



نـحو القـاع ....


ومبروك عليك يابن عمي وعلى أمة الإسلام شهر رمضان مقدماً ...
"صوموا تصحّوا" نصيحة نبوية لإجاعة الجسم والــمــخ ... ألا يكون هذا أحد أسباب بلائكم ؟؟؟

لائحة برتب الجامعات لعام 2008 :

http://www.topuniversities.com/worlduniversityrankings/

الأربعاء، 13 مايو 2009

أفقت يوماً

مم
إستيقظوا من سباتكم فقد بُح صوتي


أفقت يوماً من غيبوبة كانت هنائي
لجـأت إليـها كـلما غـامت سـمائي

كنت أثمل من نهل خمر آمالها
لكن خشيت نارها وهول الجزاء

فنظرت حولي بعد صحوتي منها
فوجدت عالماً غير ماغدى ورائي

فيه جنة ينعم المترفون فيها
بكل ماحتوت من ثمر وماء

وفيه صحراء ينهش العقبان فيها
كل من سقط على أرضها القفراء

بحثتت فلم أجد فوقها حاكماً
يدلي من السماء ميزان القضاء

سوى وليد قصر أو سالب منصب
أو ممّن اعتلى هرم الثراء

يسكب راعيهم القدر في جوفه
ويترك القطيع للحس الوعاء

فغديت واجلاً مرتقباً سائلاً
أين المنجد عند عسرتي وضرائي

من يمد يد العون لينتشلني
حين يسقطني الهرم أو يشلني الداء

فليس هناك رب ألتمس منه عوناً
وليس هناك سوى نفسي وأقربائي

وكيف أرتجي من غيري نفعاً
إن عم البلاء الكل حداً سواء


..... وللـقـصــة بـقـيـة


تنبيه: الحقوق الفكرية وحقوق النشر محفوظة لصاحب المدونة. يسمح باقتباس أي من محتويات المدونة بشرط الإشارة إلى المصدر.