::
سبحان كريغ العظيم .. سبحان كريغ العظيم ....
::
الإله الصحراوي إرهابي إنتقامي عنيف وطبعه صارم لايعرف "الغشمرة" (المزح) ومزاجه كغاز البيوتان ، أدنى شرارة تشعله. إذا حذرك من شئ وأمرك بالإبتعاد عنه فالأفضل لك ، إن كنت تُثمّن حياتك الدنيوية والأخروية ، أن تنصاع بذل أو بكرامة ، غير مهم أي واحدة منهما ، وتعض على أطراف ثوبك لفرار من بطشه. والتاريخ البشري ، باعتراف هذا الإله نفسه كما جاء في تصريحاته الموحاة لكُهّانه ، مليئ بالأمثلة المهولة على أنواع التنكيل بمن خالف أوامره. فهذا قوم عاد أرسل عليهم ريح صرصر عاتية جعلهم فيها كأعجاز نخل خاوية (لايعرف أحد بالضبط مانوعية هذا العذاب إنما شكله مرعب) ، وهذا قوم لوط قلب مدينتهم بأكملها على رؤوسهم ، هم وأطفالهم وشيوخهم ودوابهم ، وهذا قوم نوح أغرق الدنيا بأكملها بسببهم ، وكل هذا البطش والدمار الشامل بسبب عصيان كم قرية هنا وحارة هناك لتعليماته. ولاتنسوا كيف طرد أبونا آدم وأمنا حواء من هناء الجنة وابتلاهم هم وأجيالهم بمصائب الأرض لمجرد أنهم إشتهوا تفاحة وأكلوها. تخيلوا ماكان سيفعل بهم وبنا لو أنهم قطفوا كم تفاحة زيادة ليحضروا فطيرة مثلاً أو ليعصروا كوكتيل ، أو لو أنهم اقترفوا الجريمة العظمى : قطعوا الشجرة. لغدى نهارنا وليلنا مهبب.
أي أن مجرد عصيان ذلك السايكو(1) كافي لتأجيج نيران غضبه وسخطه إلى درجة جانوسايدية(2) لايفلت من لهيبها لابشر ولاحيوان ولاحجر، فماذا سوف يفعل بمن لم يعصيه فقط بل يعصيه وينافسه أيضاُ ؟
يُـــنـــافـــســـه ؟؟؟؟
"يادي النيلة" ، ينافسه بماذا ؟
ينافسه في الخلق !!!!
حضّروا أنفسكم أيها الناس فـلـقد أقــدمت القــيامــة ...
أقدم لكم مع دوي الطبول ونفخ الأبواق وارتجاج الأرض واندكاك الجبال واهتياج البحار وثوران العواصف ونزول الصواعق واهتزاز العرش وتصدع السماء ، منافس الله على الأرض في الخلق : كريغ فنتر Craig Venter ، العالم الذي باشر في عملية خلق الكائنات الحية من الجماد.
من الواضح والجلي أن كريغ فنتر لايعي بما ينتظره من شتى أهوال العذاب والنكال على جرأته بمجاراة الله بكشف وتطبيق أقدس أسراره وأعمق وأهم قدراته ألا وهي الخلق ، فقد أنجز هذا العالِم الخطوات الأولى من الخلق ونجح في تصنيع خلايا حية مستخدماً المكونات الكيميائية العضوية الأولية الغير حية لتركيب الجينوم (جينات الخلية) وإحيائه. وبهذا الإنجاز فقد نقض المزعم الرباني بانفراد الله في عملية الخلق والإحياء ، وهو في طريقه الآن للإرتقاء بنفسه وبفريقه العلمي إلى مرتبة الربوبية لينافس الإله في أعظم قدراته. وليس هذا فحسب بل أن هناك فرق علمية أخرى تسعى إلى نفس الهدف ، فلن ننتظر طويلاً حتى نجد أنفسنا أمام عدة آلهة أرضية تتحلى كلها بخاصية القدرة على الخلق. ومما سوف يزيد من ثورة براكين الغضب الإلهي العارم التي لاشك أنها تمطر الآن حمماً ملتهبة على رؤوس سكان السماوات السبعة (لاتغفلوا عنها فسوف تصلكم بعد أن تعبر الكون) ، أن إله الصحارى الهائج ينظر إلى هؤلاء المنافسين له بأنهم من المشركين والكفار الذين لايعترفون بجلالته أو برسالته ، مما قد يحثه على التعجيل في إعلان عطلة يوم القيامة وافتتاح جلسة المحاكمة أو إظهار المهدي المنتظر قبلها وإمداده بمااستطاع من رباط الخيل ليرهب به عدوه كريغ عله يتراجع ويستغفر عن ذنبه المشين ويحفظ البشرية من عذاب مهين.
ولكن قبل أن تحين تلك الساعة المشؤومة ، فسوف أستجمع بعض الجرأة وأشرح لكم ، في سبيل التنوير ، عملية الخلق هذه آملاً أن الله حالياً مشغول بمخططاته الإنتقامية من كريغ وفريقه ولن يلاحظ مساهمتي في نشر أسراره في مدونتي المتواضعة هذه.
لن أدخل في تفاصيل التركيبات الكيمائية العضوية لخطوات "علم الأحياء الصناعي" ، وهذا مايطلق عليه ، حتى يتسنى لجميع القراء من فهم الموضوع ولكني سوف أوفر روابط أخرى في نهاية المقالة لمن يريد تفاصيل أكثر عن هذا المجال.
بدأ كريغ وفريقه بالتمرين على عملية الخلق بتصميم وتركيب الأحماض النووية DNA المطابقة للتركيبة الجينية لنوع من الفايروسات التي تهاجم وتقتل فصيلة الـ E. Coli من البكتيريا وذلك باستخدام مواد كيميائية أولية غير حية - أي من جماد - وبعد أن تم بنائها ، وضعت هذه التركيبة الكيميائية (الغير حية) في صحن مخبري يحتوي على بكتيريا E.Coli فباشرت البكتيريا بالتعرف على "وقرائة" الشفرة الجينية للفايروس الصناعي كما لو كان فايروس حقيقي وشرعت ببناء باقي أجزائه الأخرى كما يدفعها الفايروس الطبيعي للتصرف عند العدوى ، وانتهج الفايروس الصناعي بعد أن إكتمل تركيبه وتفعيله نفس خطوات الفايروس الطيبعي في مهاجمة وقتل البكتيريا.
هذه في الحقيقة لم تكن المحاولة الأولى في تصنيع فايروس من جماد وإحيائه ، فقد نجح إيكارد ويمر Eckard Wimmer عام 2002 مع فريقه في تصنيع فايروس شلل الأطفال من مواد كيميائية أولية ليخلق فايروس صناعي يطابق الفايروس الطبيعي بالتركيبة والوظيفة ، والخطوات التي اتبعها لاتختلف كثيراً عن خطوات كريغ فنتر في تصنيعه. ولكن كريغ يطمح الآن إلى إنجازات أرقى على خطوات سلّم الخلق ، فهو الآن يعمل لتصميم وتركيب بكتيريا ، وهي أعقد بكثير من الفايروس ، للقيام بوظائف يحددها هو لها. فمثلاً يعتقد أنه من الممكن أن يصمم ويركب بكتيريا لتحويل مواد أولية رخيصة مثل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود ، أو تصميم كائنات تساهم في مكافحة الأمراض ، أو لتنظيف البيئة من التلوث ، أو أي وظيفة أخرى يتم تصميم هذه الكائنات للقيام بها حسب الطلب.
وقد اقترب جداً من هذا الهدف عندما أعلن العام الماضي عن نجاحه في تبديل كروموسومات خلية بكتيريا الخميرة بكروموسومات صناعية (جماد) ، مضافاً إليها جينات بخصائص أخرى غير موجودة في كروموسومات بكتيريا الخميرة ، وتفعيل (إحياء) الكروموسومات الصناعية داخل الخلية المضيفة. ولإستيعاب أهمية هذه الخطوة في عملية خلق الكائنات الحية ، يجب معرفة وظيفة الكروموسومات في الخلية:
حيث أن جسم وأعضاء أي كائن حي يتكون من خلايا ، وكل خلية تكون حية عندما تقوم بوظيفتها المخصصة لها ، فيمكن القول بأن حياة الكائن تنبعث من هذه الخلايا والجزء الوحيد من الخلية الذي تنبثق منه الحياة هو سلسلة الأحماض النووية المسماة بـ DNA والتي تتركب منها الكروموسومات ، فهي التي تتحكم في وتنظم العمليات الحيوية للتنفس والأكل والحركة والنوم وبناء الخلايا ومكافحة الأمراض وغيرها من العمليات الضرورية التي تُبقي الكائن على قيد الحياة. فعندما تستخرج الكروموسومات من الخلية ، تموت الخلية. وبالمقابل ، عندما تحقن كروموسومات (صناعية غير حية) في خلية خالية من الكروموسومات (أي ميتة) ، بشرط أن تتوافر في العملية الشروط المخبرية العلمية ، فإنه من الممكن إحياء الخلية وإرجاعها إلى وظيفتها السابقة أو برمجتها للقيام بوظائف أخرى تحددها لها الجينات الجديدة المضافة إليها ، وهذا ماقام به كريغ وفريقه.
ولمن يعتقد بأن خلق فايروس أو تصنيع بكتيريا لايقارن بخلق حيوان أشد تعقيداً مثل الإنسان مثلاً فهو لم يستوعب أصداء هذه التقدم ، فحيث أن الفايروس أسهل تركيباً من المنظور الجيني إلاّ أن البكتيريا جينياً أشد تعقيداً منه وتعتبر كائن حي لايخلتف في التعريف عن أي كائن حي آخر مهما بلغ من التعقيد ، ومتى ماوصل العلم والتكنلوجيا إلى القدرة على تصميمها وتركيبها وإحيائها ، وهذا ما تم إنجازه ، فقد حقق الإنسان خلق الحياة بكل ماتحتويه العبارة من معنى ولن يتبقى سوى الوقت للإرتقاء في تصنيع كائنات أخرى حية من الجماد أكثر تعقيداً في المختبر تماثل الكائنات التي يُنظر لها بأنها حكراً للإله في خلقها.
لمشاهدة محاضرة ألقاها كريغ فنتر بخصوص أبحاثه إضغط
هــنــا
(1) سايكو إختصار لـ Psychopath = شخص ذو نزعة للقتل
(2) جانوسايد = القتل العرقي الجماعي