الجمعة، 9 مارس 2012

إقتراحات إلى سلة النفايات

::

أرسل لي صديق هذه المقالة يريد رأيي في ماورد فيها، وفيما إذا أستحقت طرح بوست حولها. والمقالة تتناول اقتراح صادر من بعض النواب الكويتيين يطالب بتعديل الدستور وتشريع بعض القوانين، وهذا جزء من المقالة، مع نصيحتي لمن يعاني من إرتفاع في ضغط الدم من الكويتيين أن يتجنب قرائتها:

أعلن النائب بدر الداهوم عن كتلة العدالة [أن] الكتلة اتفقت على تقديم تعديل على المادة 79 من الدستور لاضافة عبارة "عدم مخالفة القوانين التي يوافق عليها مجلس الامة وسمو الامير للشريعة الاسلامية", مشيرا الى ان هناك قوانين اخرى في الطريق ستعلن عنها الكتلة تباعا, بينها قانون لقمع المعاكسات في الاماكن العامة, وآخر للحشمة, وثالث لحظر الفوائد الربوية, ورابع لتنظيم عمليات التجميل.

وحول الاقتراح الخاص بقانون الحشمة قال الداهوم: ان "القانون يعني منع ارتداء الملابس العارية في الاماكن العامة مثل الشواطىء وسواها ... (البقية)

ورغم نشري لها، إلاّ أني أعتذر عن عدم تمكني من إبداء رأي وافي في ماورد لسببين:

أولاً، لأني بعيد عن الساحة السياسية، فلاأعرف في الحقيقة مايجري فيها. وثانياً، لأني قد أوقفت قرائتي لهذه المقالة عند آخر عبارة في الجزء أعلاه منها، فلم أكمل قراءة باقي الخبر حفاظاً على دماغي من التلوث بالصديد الفكري الذي تعصره أدمغة بعض هذه الكائنات الزومبية، فلا أعرف بالضبط تفاصيل مكونات هذا القيئ ولاأتحمل النظر إليه لأبدي فيه رأي مفصل. إنما واضح من المقدمة أعلاه، أنه من منتجات المخلفات النتنة التي إبتلانا بها التاريخ.

كيف يمكن التعامل مع ناس مصابين بهبوط حاد في العقلانية ناتج عن الغسل المتواصل لأدمغتهم بهراء الموروث والإزالة التامة منها لأي أثر للمنطق؟

تفضلوا: "قال الداهوم أن "القانون يعني منع ارتداء الملابس العارية ..."!!!

هل سمع أحدكم بشيئ إسمه "ملابس عارية"؟ أجساد عارية فهمناها. ملابس عارية يعني ايه؟

أرى أنه من الواجب الوطني والإنساني لرئيس مجلس الأمة الكويتي أحمد السعدون أن يعفّس أوراق هذا الإقتراح المقدم إليه ويرميه في سلة النفايات، ويحيل مقدمي الإقتراح من النواب إلى الحجز في المستشفى النفسي لمعالجة مايبتليهم من خبل.

يعفّس = يكركب، يفركش

* * * * * * * * * *

الخميس، 8 مارس 2012

معاناة عاقل في محيط جاهل

هذا تعليق من القاريئ الفاضل عبدالعزيز على المقالة السابقة، أنشره هنا بأكلمه:


أخي بصيص

أنت أكثر شخص يعرفني من بين الزوار الكرام، وأعتقد أنك تتذكر جيداً عندما بعثت لك أول رسالة، وتتذكر الخوف الذي تملكني عندما أرسلت لك منتقد الأديان وخصوصاً الدين الإسلامي. ومن شدة خوفي، طلبت منك عدم ذكر إسمي وحتى أنك سميتني أنور.

أنا أعتقد أن أكثر شخص تضرر بسبب الدين هو أنا. الآن أريد أن أكتب كل مافي قلبي من غير تكلف، وبكل مشاعر صادقة وحقائق حصلت معي بسبب الدين.

عندما كنت صغيراً، كنت أحلم أن أصبح عالم أحياء. كان كل همي وشغلي ومتعتي هو في مراقبة الحيوانات، بل كانت كل الهدايا التي يهدونها إليّ أهلي هي عبارة عن طيور وسلاحف وغيرها من الحيوانات الأليفة. فهل حققت طموحي؟ لا، لم أحققه، والسبب هو الدين. فقد أرسلني والدي في سن 14 إلى المدرسة الدينية، ولم يحق لي الرفض أبداً. وهل يعقل أن أقول لوالدي أني أرفض علم الخالق وأريد علم الحيوان؟

جنى علي والدي ودمر حلمي، وبدل أن أتعلم علم الأحياء تعلمت أحكام الحيض والنفاس. وأنا الآن أُجبر على الصلاة في المسجد، وأجبر على الحج والعمرة والصوم. لقد عانيت من الدين ربما أكثر منكم جميعاً. وأنا الآن في عمر 30 عام. لاأملك قرار تعلمي، فقد كنت أريد أن أذهب إلى إحدى الدول لكي أتعلم، ولكن كيف أذهب إلى دولة يرونها كافرة ملحدة متحررة؟

أنا الآن رجل، وأملك أمر نفسي. هل أترك والدي الشيخ الكبير الضعيف الذي يحتاجني، أم هل أقول أقول له لاتجبرني على الصلاة لأنني أنا منكر لدينك؟ ماهي ردة فعله؟ وماهي ردة فعل زوجتي المتدينة المنقبة التي لي منها ثلاثة أولاد؟ هل سوف تقول لي حيّاك يازوجي العزيز إلى سهرة رومانسية، أم سوف تقول إبعد عني ياكفار يازنديق يانجس؟ وماهو قرار المحكمة، هل سوف يبقونها كزوجتي أم يخلعوني منها؟ هل أحضن أبنائي، أم سوف يقولون أن والدهم كافر مرتد؟

لقد صبرت على المر وعلى السجن الذي أنا فيه لاسباب أنا أراها مقنعة، وهي أني أريد أن أربي أبنائي على العلم، ولاأريد لهم المدارس الدينية. أنا الآن أدرسهم في مدارس خاصة، لايتكلمون العربية بها، وأدفع لكل منهم في الكورس الواحد مايعادل 3000 دولار أمريكي. هل إذا كشفت عن رأسي وقلت أني ملحد، سوف يذهبون أبنائي لتك المدارس؟ أن أن أجدادهم وأمهم سوف يرسلونهم إلى المدرسة الدينية؟ إذا كشفت عن رأسي وقلت أنا ملحد، هل سوف أجلس مع والدي لأتناول الشاي والقهوة، أم سوف أُطرد من البيت وأصبح حديث الساعة في بلدي، وسوف يموت ألماً وحسرة وفضيحة الأب الذي أحسن إليّ، من وجهة نظره، مدى الحياة؟

الرأي قبل شجاعة الشجعاني ... هو الأول وهي المحل الثاني. لاأريد أن أجرح أبواي وأخواني. لاأريد أن أخسر زوجتي التي أحبها وتحبني. لاأريد أن يتولى تربية أبنائي من هم متدينون. هذا الذي جعلني أصبر وأعيش منافق. وسبب إعتراضي على تلك العبارة يالغالي بصيص أنني أعلم كيف ستكون خطب الخطباء من المسلمين وغيرهم، وكيف ستكون ردة الفعل. أعرف جيداً اللهجة التي سوف تخرج من أفواه الخطباء، والعامة من غير الملتزمين سوف يكون لسان حالهم.

هل أنا الا من غزيه أن غوت غويت ... وأن ترشد غزيته ارشدو.

لو نوصل الرسالة في إعلان عن إقامة محاضرات ونقاشات أو عبارة: مالذي جعلني أن أكون ملحد. لكان الأمر أجمل وأكثر إيجابية من هذه العبارة التي ضررها أكثر من نفعها.

آسف على الإطالة، وشكراً لكم.

* * * * * * * * * *




الأربعاء، 7 مارس 2012

معتقدات تسفّه نفسها

::


كنت أنوي كتابة محور هذا الموضوع كرد موجز على تعليق الأخ الفاضل عبدالعزيز في البوست السابق، ولكنه تبلور في رأسي كموضوع كامل خلال كتابتي له، فرأيت أنه يستحق طرح منفرد.

ومحور الطرح يدور حول هذا السؤال:

هل من الواجب، أو من الكياسة، أن نحترم معتقدات الآخرين بصرف النظر عن تأثيراتها السلبية، عليهم وعلى غيرهم؟

هناك عدة وجهات نظر رداً على هذا السؤال، فأحدها ينادي بإحترام جميع المعتقدات بصرف النظر عن مدى لامعقوليتها أو درجة عدوانيتها، وهناك من ينادي باحترام بعض المعتقدات ولايرى مانع، بل في بعض الأحيان يرى أنه واجب، تسفيه البعض الآخر، وهناك من يرى أن بعض القناعات لها من الخطورة والسلبية على المجتمعات البشرية ما يتحتم مكافحتها بشتى الوسائل (السلمية طبعاً)، حتى لو تطلب ذلك تسفيهها والسخرية منها.

وأنا، كما يلاحظ كل من يقرأ أطروحاتي في المدونة، أميل إلى الرأي الأخير. فبالإضافة إلى أن المعتقدات الدينية (وهذا ماتتناوله في العادة مواضيع المدونة) تزرع الأوهام وترسّخ الخرافة وتنشر الجهل وتبعثر الأموال وتهدر العمر، فكلّي قناعة أنه ليس حتى من الإنسانية إحترام معتقد يأمر بقتل المرتد عنه ويقاتل المخالف له ويحقّر نصف أفراد مجتمعه ويستخدم أسلوب التهديد والوعيد في إرضاخ تابعيه للإنصياع له.

خذ حكم تارك الصلاة كمثال، وهناك مثله الكثير:

من ترك الصلاة متعمداً وهو مدرك بوجوبها فيعامل معاملة المرتد وحتى لو بقى على إسلامه وأدى جميع الطقوس الأخرى، وحكم المرتد هو القتل كما نعرف جميعاً. وهذا يعني من لم يؤدي من المسلمين طقوس تتطلب وقوفه وانحنائه ومرغلة جبهته على الأرض بينما يتمتم بعض الترانيم أمام الحائط أو الكنبة أو الخزانة، أو أي ما كان أمامه، ويكررها عدة مرات باليوم، يُقتل!!!

كيف يمكن إحترام معتقد يحمل أفكار بهذه الدرجة من العنف والعدائية تجاه حتى معتنقيه؟

 إنما التسفيه الأكبر تجاه المعتقد الديني يتضمن في المعتقد نفسه، فالمعتقد الديني يسفّه نفسه بنفسه. فعندما يقول بأن رسول إله الكون إلى خلقه قد اضطر إلى الهروب منهم، إضطر إلى ماذا؟ إلى الــــهــــروب، متخفياً بستار الظلام حتى لايُقتل، فهذا تسفيه بقدرة السماء على حماية رسلها. وعندما يذكر بأن إلهه قد أرسل آلاف الملائكة الشداد لمؤازرة جيشه وقتال أعدائه، ثم يتكبد جيش الإله بقتلى في معركة ويعاني من انهزام في أخرى رغم تدخل السماء مباشرة في القتال، كما حدث في معركتي بدر وأحد، فهذا تسفيه لقدرة السماء على تحقيق نصر ساحق. وعندما يخرج آلاف المتظاهرين وتتدخل الحكومات للدفاع عن الإله أو نبيه ضد "إسائة" البشر لهما، فهذا تسفيه لقدرة الإله على الدفاع عن نفسه أو عن مقدساته.

ولكن ربما من أعظم نماذج التسفيه الذاتي الذي يتمرغل فيه الدين، والذي ينطلق بين حين وآخر من أفواه "حماة" العقيدة الإسلامية بدون وعي، هو ماتلفظ به شيخ الأزهر أحمد الطيب خلال إحدى إحتفالات ذكرى موقعة بدر في محاولة تبريره لتصرف المسلمين كـ "قطاع طرق" (وصف أحمد الطيب وليس وصفي) حين هاجموا قافلة قريش، الهجوم الذي أدى بدوره إلى تلك المعركة. فقد قال شيخ الأزهر في الدقيقة الخامسة من الفيديو أدناه بعدما أوضح أن تلك القافلة كانت محملة بالسلاح: 

"أن هذه الأسلحة لو وصلت إليهم [أي المشركين] سوف يشنون عليه [أي النبي] حرباً شعواء ربما تبيد الإسلام من جذوره".

تبيد الإسلام من جذوره؟؟؟
تبيد الإسلام من جذوره ياشيخ؟؟؟؟؟؟
أي تمحي منظومة الإله الخاتمة لرسالاته فور نزولها، وبعدما كُتبت في اللوح المحفوظ وأنتظر الكون مليارات السنين ترقباً لظهورها؟؟؟؟؟؟؟؟

يعني أن الله بحكمته وعلمه وقدرته اللامتناهية، قد خطط ودبّر للبشر، ثم أنزل منظومته الكونية النهائية للمليارات منهم على الأرض لتسيّر حياتهم وتقيهم من عذابه الأزلي، ولكن هذه المنظومة الربانية المصيرية الحاسمة كادت لتباد من جذورها بواسطة قبيلة صحراوية بدائية صغيرة لو أستلمت بعض السكاكين؟ أهكذا منظومة الإله الكامل القدرة بهذه الهشاشة؟ هل هناك تسفيه للسماء أكثر من هذا؟

ولايخفى على القاريئ/ة أن هذا التسفيه صادر من أكبر علماء المسلمين المعاصرين!!!

إنما هدف أكثر اللادينيون، وأنا أحدهم، ليس التسفيه بحد ذاته، فلن نستطيع مجاراة تسفيه المسلمين أنفسهم لعقيدتهم حتى لو حاولنا، إنما هدفنا هو إبراز ضعف وهزل ولامعقولية هذه المعتقدات التي لاتمثل إنتهاك وتعدي سافر لأبسط حقوق الإنسان فحسب، بل خطورة جسيمة عليه أيضاً. وأساليب الوصول إلى هذا الهدف تختلف من شخص إلى آخر، إنما الهدف واحد.
::
::


* * * * * * * * * *

الاثنين، 5 مارس 2012

شعار الملحد يدنو من المسجد

::


سوف تضع جمعية الملحدين الأمريكيين اليوم (الإثنين) لوحة إعلانية ضخمة مكتوب عليها بالعربي إسم الله وبجانبه عبارة "تعرفون أنها خرافة". كما ترونها في الصورة.

وأين ستضع هذا الإعلان؟

في ساحة عامة عند تقاطع رئيسي في باترسون، عقر الحي الإسلامي في نيو جيرسي ... قرب المسجد، وربما على مرأى من المصلين، ليتمعنوا بها قبل وبعد أدائهم لفرائض الصلاة.

وسوف ترفع في نفس اليوم في بروكلين إعلاناً آخر مشابهاً يحمل إسم الإله التوراتي يهوه مكتوب بالعبري. وبروكلين هي أحد الأحياء السكانية المكتظة في نيويورك، وموطن أكبر جالية يهودية في الولايات المتحدة.

وهذه الخطوات الإستفزازية هي مجرد جزء صغير من حملة توعوية كبيرة تعتزم هذه الجمعية الإلحادية القيام بها عبر الولايات الأمريكية، وتستهدف بالذات الجاليات المتدينة الغير مسيحية، كالمسلمين. والغرض من هذه الحملة الإعلانية المكثفة هي لإثارة تفكير المؤمن وحثه على التساؤل، وتشجيع من يحمل توجهات إلحادية متسترة على البوح بها.

ومما يجدر ذكره أن هذا الترويج المكشوف للفكر الإلحادي هو خطوة غير مسبوقة في الولايات المتحدة، التي تعتبر أشد المجتمعات الغربية تديناً. فربما اليوم الذي سترفع فيه إعلانات مشابهة في الدول الإسلامية أقرب مما كنا نظن!!



* * * * * * * * * *

الأحد، 4 مارس 2012

مقالة ضيف - نقد الدليل الكوزمولوجي (الجزء الثاني)

الجزء الثاني من سلسلة المقالات العلمية في نقد الرؤية الدينية لظهور الكون، للقاريئ الكريم أبولو:


كنا قد تكلمنا في مقال سابق عن الأرض وتأثير خصائصها على وجود الحياة، فخلصنا الى أنه نظرا لوجود عدد هائل من الكواكب القابلة للحياة، لم يعد لكوكب الأرض أي امتيازات خاصة. وفي المقالات التالية سننظر الى الصورة الكبرى: الكون، لنتسائل هل هو مهيئ خصيصاً لاستقبال الحياة و للسماح بنموها؟ وهل على خصائصه أن تكون مختارة بعناية؟
طرح المشكلة
يتمز الكون بالعديد من الخصائص الجوهرية الثابتة التي وُلدت معه في الانفجار العظيم ولم تتغير أبدا. ويمكن تقسيم معظم هذه الخصائص ضمن أربع قوائم تعتبر التفاعلات الأساسية الأربعة التي تتحكم بالكون: التفاعلان النوويان، ويُسمى أحدهما بـ القوي والآخر بـ الضعيف، والتفاعل الكهرومغناطيسي وأخيراً الجاذبية. هذه التفاعلات الأربعة – بالاضافة الى الثابت الكوني – هي كل ما يتحكم بجميع عناصر الكون منذ ولادته، مرورا بيومنا هذا ووصولا الى نهايته. فالتفاعل النووي هو ما يمسك النواة الذرية  ويؤثر على تشكل النجوم، والتفاعل الكهرومغناطيسي هو ما يسبب التفاعلات الكيميائية بالإضافة إلى بناء الجزيئات الماكروسكوبية ووصولا الى جسم الانسان وكل ما يقوم به في الحياة اليومية. فعندما تضغط عزيزي القارئ على زر الحاسوب إنه هذا التفاعل الذي يسمح لك بذلك. و أخيرا الجاذبية التي تؤدي إلى تشكل النجوم والكواكب وتحفظها في مدارها. وللجاذبية خصائص اخرى سنصل اليها لاحقاً.1
لكل من هذه التفاعلات الأربع قوة معينة معلومة وثابتة. فالتفاعل النووي القوي هو الأقوى، يليه التفاعل الكهرومغناطيسي فالنووي الضعيف و أخيرا الجاذبية، ومقدار قوتها هو ما يشكل الكون وهنا صلب الموضوع. فلو أن مقدار قوة كل من هذه  التفاعلات الأربعة إختلفت بشكل قليل جدا لتغير وجه الكون، بل لما عاد قادرا على تشكيل النجوم ناهيك عن الحياة، فلو كان التفاعلان النوويان أقوى، لما تمكن الهيدروجين من الإندماج لتشكيل النجوم، ولو كان أضعف لما تشكلت الذرات. ولو كان التفاعل الكهرومغناطيسي أقوى أو أضعف بمقدار ضئيل جدا لما كان هناك كيمياء تسمح بتشكل المواد المعقدة التي تؤدي إلى ظهور الحياة. أما لو كانت الجاذبية أقوى أو أضعف بقليل لاختلف تشكل الكواكب والنجوم بشكل جذري، ولربما أصبح تشكلها غير ممكن. وأخيراً نضيف أوزان البروتونات والالكترونات التي لو تغيرت قليلا جداً لاختلفت البنية الذرية وانعدمت الكيمياء.2-3
وأخيراً ننهي بأم الخصائص الكونية وهي الثابتة الكونية أي – بتبسيط – الطاقة التي يحملها نسيج الكون نفسه، والتي تشكل عامل مضاد للجاذبية. فلو اختلفت قيمة هذه الطاقة بأقل من جزء من صفر يليه 120 صفر ثم 1 من الواحد لانهار الكون بأكمله بعد تشكله بلحظات أو لتوسع بسرعة هائلة تمنع تشكل الجزيئات الأساسية.4
فهل تم اختيار كل هذه الخصائص بعناية تسمح للكون ثم للحياة بالتطور؟ أو كما يُطرح السؤال في الأوساط الفكرية، هل الكون معد بعناية Fine tuned universe؟ بعض الجهابذة ذووا الإتجهات الدينية يقولون نعم، ولكن كالعادة للعلماء رأي آخر..
المشكلة المطروحة أعلاه، وخاصة الجزء المتعلق بالثابت الكوني، شغلت علماء الفيزياء لحوالي العقدين قبل أن يتشكل الحل في بداية القرن الواحد والعشرين. لفهم كيف تم التخلص من فكرة أن للكون خصائص مختارة بعناية فائقة تشير من المنظور الديني إلى قوة عاقلة وراء خلقه، يجب التطرق إلى بعض أحدث وأعقد ما توصلت اليه الفيزياء الحديثة: نظرية التضخم الكوني الفوضوي Chaotic inflation ونظرية الأوتار الخارقة  Superstrings theory. فسيتم، كبداية، التعريف بهاتين النظريتين ومناقشة مصداقيتهما و مكانتهما العلمية بشكل تجريدي قبل العودة الى الموضوع.
نظرية التضخم الكوني الفوضوي
في سبعينيات القرن الماضي، تم تأسيس النموذج الكوني القياسي The standard model of Cosmology ، وهو ما يعرف طبعا بنظرية الانفجار العظيم, و كانت الأدلة النظرية و التجريبية قد تكدست لصالح هذه النظرية حتى أصبحت بعداد الحقائق العلمية الغير القابلة لمجرد النقاش. ولكن هذا لم يمنع من وجود بعض المشاكل الغير المحلولة، وكان أهمها وقتذاك إثنان: مايسمى بمشكلة التسطح The flatness problem  ومشكلة الأفق The horizon problem. المشكلة الأولى متعلقة بالشكل الجيومتري (الهندسي) للكون وهذا مرتبط بمتوسط كثافة الطاقة والمادة في الكون، والتي ثبت بأنها تأخذ قيمة معينة حساسة، وكان من المتوقع أن تتغير مع تقدم عمر الكون، ولكن هذا لم يحصل. والمشكلة الثانية تتعلق بكون أن الكون متجانس الى حد كبير جداً، حيث وجد العلماء بأن بعض المناطق البعيدة جداً عن بعضها في الكون متشابهة لدرجة تفوق ما يُمكن تفسيره بالانفجار الكبير ( تقنيا الكون متجانس لدرجة تبدو للوهلة الأولى بأنها تخرق مبادىء النسبية الخاصة ).
فاللتخلص من هاتين المشكلتين، إقترح الفيزيائي الشهير آلن غوث Alan Guth نظرية التضخم الكوني Cosmic Inflation والتي تنص على أن الكون قد مر بعد ظهوره بلحظات بتوسع سريع جداً، حيث أن حجمه قد تضاعف عشرة رفع ستة و سبعين مرة قبل أن يعود الى وتيرة توسعه الطبيعية. وقد تمكن العلماء من إثبات أن توسع من هذا النوع قادر على حل المشكلتين أعلاه، ثم تم أخيراً إثبات صحة هذه النظرية باستعمال التليسكوب المسمى بـ WMAP ، وأصبحت جزء بديهي من النموذج الكوني القياسي.5-6
نظرية الأوتار الخارقة
لطالما حلم علماء الفيزياء بتوحيد هذا العلم من خلال نظرية واحدة تفسر كل شيء، حتى آينشتاين نفسه أمضى السنوات الأخيرة من حياته في محاولة للتوصل الى هكذا نظرية، إلاّ أن جميع محاولاته بائت بالفشل، وظن الكثيرون بأنه لا وجود لهذه النظرية، وإن وُجدت فلن نتمكن من الوصول إليها.
ظلت هذه  وجهة نظر العلماء الى عام 1973 حيث توصل الفيزيائيون واينبيرغ وغلاشو وعبدالسلام إلى بناء ما يسمى بنموذج واينبرغ - سلام - غلاشو Weinberg-Salam-Glashow Model ، والذي نجح بتوحيد النظريتين المتعلقتين بالتفاعلين النووي الضعيف والكهرومغناطيسي في نظرية واحدة تسمى بالنظرية الالكتروضعيفة Electroweak theory، فأحيوا بذلك الإنجاز الحلم بايجاد نظرية موحدة تجمع كل النظريات الفيزيائية. واستمر الحلُم كحلم إلى بداية الثمانينيات حيث أدى الجهد المشترك للكثير من علماء الفيزياء، مثل غابرييل فينيزيانو وإدوارد ويتن ومايكل غرين، للتوصل إلى نظرية الأوتار الخارقة والتي اعتبروا بموجبها أن البنية الأساسية للمادة في ما دون الذرة تتكون من أوتار strings  متناهية الصغر، وهي بدورها تصيغ شكل وتُفاعل جميع خصائص القوى الأربعة والجزيئات الأساسية. فالخيط (أوالوتر) نفسه قد يكون إليكترون أو كوارك أو قد يقوم بالتفاعل النووي أو الكهرومغناطيسي حسب صفاته. و قد تمكنوا بفضل هذه النظرية من توحيد جميع الفيزياء المعروفة، من التحت ذرية الى النسبية العامة، ومن حركة الذرات إلى حركة الكواكب، في إطار نظري واحد.
طبعا، ككل نظرية عظيمة، نظرية الأوتار الخارقة أتت بنتائج باهرة: أن الكون يحتوي على 11 بعداً و ليس 4 أبعاد فقط (الطول العرض الارتفاع و الزمن)! ولكن سنعود إلى هذه النقطة في المقال اللاحق. إنما الأوتار الخارقة، من الصعب إعطائها حقها في مقال مبسط صغير، فمعظم العلماء يعتقدون بأنها من أعظم ما تم إكتشافه في العلوم قاطبة، والعدد الأكبر من علماء الفيزياء النظرية يعملون عليها اليوم في كل أنحاء العالم. وبالرغم من عدم وجود دليل مخبري عليها لعدة صعوبات تقنية (حيث بناء جهاز قادر على القيام بالاختبارات اللازمة يفوق قدرة الجنس البشري الحالية بأشواط طويلة)، إلاّ أنه يوجد الكثير من الأدلة النظرية عليها، حيث تمكن بعض العلماء أخيراً، كـ إدوارد ويتن و مايكل دوف، من ربطها بنظريات أخرى تم برهنتها مخبريا.7-8
نعود الى صلب الموضوع  
بعد هذا الهامش الطويل نعود الى موضوعنا. ما علاقة التضخم الكوني والأوتار الخارقة باختيار خصائص الكون وقابليته للحياة؟
في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات، وبالتوازي مع بداية إثبات تليسكوب WMAP لنظرية التضخم الكوني، كان مكتشف النظرية آلان غوث بالإضافة إلى آندريه ليندي، يحققون المزيد من البحث المعمق للنظرية، وتوصلوا إلى ما يسمى بالتوسع العشوائي Chaotic Inflation الذي ينص على أن التضخم الكوني يستحيل بالمبدأ أن يتوقف في كافة أرجاء الكون، بل يمكن أن يتوقف في نقاط محدودة منه، فيسمح بتشكل فقاعات كونية تشكل كل منها كون كالذي نعيش فيه، ولكن يجب أن يستمر في أرجاء أخرى من الكون الأكبر The multiverse (كلمة تستخدم في سياقات مختلفة فيُرجى الحذر عند البحث)، لنحصل في النهاية على كون أكبر يستمر في التضخم الكوني من جهة، و يحتوي على عدد لامتناهي من الفقاعات الكونية Bubble universes حيث يتوقف التضخم من جهة أخرى.9-10
 صورة توضيحية لفقاعات كونية، يحتوي كل منها على كون كامل كالذي نعيش فيه. وسبب وجودها هو توقف التضخم الكوني في هذه الرقعة. إنما الكون الأكبر الذي يحتويها كلها سوف يستمر في التضخم في نواحي ويبطئ في نواحي أخرى، مما سيؤدي إلى ولادة عدد لامتناهي من الفقاعات (الأكوان).
وهنا تدخل نظرية الأوتار الخارقة على الخط، فعند إستعمال أحد خصائصها المسمى بـ strings vacua landscape مع نظرية التضخم العشوائي، توصل آندريه ليندي إلى أن كل فقاعة كونية كالتي نعيش فيها ونسميها الكون، ستُحظى بخصائص منفردة بها، كقوة التفاعلات الأساسية الأربعة والثابت الكوني ووزن الإكترون، ومختلفة عن الفقاعات الكونية الاخرى! ونظراً لكون عدد الأكوان (الفقاعات) لامتناهي، ستحصل في مجموعها على جميع الخصائص الممكنة في الوجود. أي أننا سنجد بعض الفقاعات (أي الأكوان) غير قادرة على تشكيل نجوم، وبعضها الآخر لن يشكل جزيئات دون ذرية أبداً، ولكن عدد قليل جداً منها سيكون صالح للحياة ومشابه لكوننا. وفي هذه الأنواع من الأكوان المشابهة لكوننا، سيتكون الإنسان القادر على سؤال: "لمذا خصائص الكون على هذا الشكل" .11-12-13
ورغم أن هذا الجزء المتعلق بالنظرية لم يصل إلى صيغته النهائية، إلاّ أنه يتطور بشكل مطرد بالتزامن مع التطور في أبحاث نظرية الأوتار الخارقة، وقد أصبح الآن جزء من التيار الرئيسي للأبحاث الفيزيائية النظرية.
وبهذا نكون قد أجبنا على تساؤل لماذا الكون قابل للحياة؟ وهل هو مهيئ خصيصا لذلك؟ ولكن يبقى الإستفسارات الأعظم: كيف وُجد الكون؟ و لماذا وجد؟ وهل هو أزلي؟
References
1-      Davies, Paul (1986), The Forces of Nature, Cambridge Univ. Press 2nd ed.
2-      Is The Universe Fine-Tuned For Us? Victor J. Stenger, University of Colorado
3-      Paul Davies, "How bio-friendly is the universe?" International Journal of Astrobiology, vol. 2, no. 2 (2003): 115.
4-      Carroll, Sean M., "The Cosmological Constant"
5-      Guth, Alan (1997). The Inflationary Universe: The Quest for a New Theory of Cosmic Origins
6-      Seven-Year Wilkinson Microwave Anisotropy Probe (WMAP) Observations: Cosmological Interpretation. January 2010
7-      Sunil Mukhi(1999)"The Theory of Strings: A Detailed Introduction
8-      Greene, Brian (October 20 2003). The Elegant Universe: Superstrings, Hidden Dimensions, and the Quest for the Ultimate Theory
9-      Linde, Andrei (2005) "Inflation and String Cosmology,"
10-  Liddle, Andrew; David Lyth (2000). Cosmological Inflation and Large-Scale Structure
11-  Linde, A. (1986). "Eternal Chaotic Inflation". Mod. Phys. Lett.
12-   Linde, A.D. (August 1986). "Eternally Existing Self-Reproducing Chaotic Inflationary Universe &". Physics Letters B
13-   Guth, Alan. "Eternal inflation: Successes and questions"
الكاتب: أبولو
يتبع ...
لقراءة الجزء الأول من المقالة، إضغط هـنأ

الجزء الثالث هـنـا
 * * * * * * * * * *

السبت، 3 مارس 2012

ماذنب السمك يارب؟

::


أنظروا إلى هذه الصورة، وتمعنوا فيها جيداً. ماهذا المخلوق الذي يقف في مدخل فم السمكة؟ وماذا يفعل هناك؟

هذه الصورة الغريبة تمثل إحدى الظواهر الطبيعية في الحياة! 
تمثل إحدى أي ظواهر؟
أكرر للأهمية وللتأكيد، تمثل إحدى الظواهر:

الـــــطـــــبـــــيـــــعـــــيـــــة

ووصف الظاهرة بأنها طـــبــــيـــعـــيـــة يعني من المنظور الديني بأنها ظهرت بأمر من الله، ومن الله فقط، وليس بتدخل من البشر أو من أي مخلوقات أخرى! وددت فقط أن أركز على هذه النقطة الهامة قبل أن أشرح لكم محتوى الصورة.

الذي بفم السمكة هو كائن بحري طفيلي يُسمى بـ الآيسوبود Isopod من فصيلة القشريات، كالربيان (الجمبري)، وسبب وقوفه بهذا الشكل في حلقها هو هذا:

يسبح الآيسوبود إلى داخل خياشيم السمكة، ثم يتغلغل بينها حتى يصل إلى لسانها. فيجثم عليه، ثم يُركّز نفسه في ذلك الوضع المواجه للفتحة والظاهر في الصورة، بإحكام القبض على خياشيمها بأرجله. ثم يبدأ بالتهام لسانها ... وهي حية طبعاً، حتى ينهيه. فلا يبقى للسمكة لسان!!!

وهل يترك السمكة بعد ذلك؟
أبداً!
تظل السمكة بدون لسان (ولابد أن للسان عند السمك وضيفة حيوية هامة، وإلاّ لما وجد فيها أصلاً) لباقي حياتها. ويظل هذا المخلوق الطفيلي جاثم في حلقها بنفس هذا الوضع، ليتغذى من دمها!

ولاشك أنكم تدركون مامعنى هذا:

معناه أن الله "الرحمن الرحيم، العطوف الكريم" قد تدبر أمر هذا المخلوق الغير مكلف والغير مسؤول عن أعماله، وخصص له موقعه من الحياة، ووضع له قوته. فصممه بما يتناسب مع موقعه الذي خصصه له، ثم حباه بالمنهج الذي يتطلبه للحصول على قوته، وهو أن يدخل في خياشيم السمكة ويتغذى على لسانها، وهي حية، ليتركها بدون لسان. وحتى يستمر هذا المخلوق حياً، أمره بأن يظل جاثم في حلقها، يتغذى من دمها، إلى ماشاء هو ... الله، الرحمن الرحيم، العطوف الكريم.

نحن البشر مذنبين وربما نستحق العذاب، ولكن ماذنب السمك يارب حتى تنزل عليهم هذا البلاء؟

مقالة سابقة مماثلة: إضغط هنا


* * * * * * * * * *

الجمعة، 2 مارس 2012

من قهوة تحت الكوب، رِد تخلق وجه

ماذا تفعل بالقهوة المسكوبة من الكوب على الصحن الذي تحتها؟
تعيد سكبها في الكوب؟ أو تستخدمها كلون قهوي، وتحول الكوب فرشة، وترسم بها وجه؟

الغالبية منا سيعيد سكبها في الكوب، إنما الفنانة آي سي رِد، فتفضل الرسم بها. وهذه هي هنا تقوم بهذا الفن المبدع:
::
::



وهذه هي هـنـا في مشهد آخر ترسم باستخدام كرة السلة!

* * * * * * * * * *

الخميس، 1 مارس 2012

لماذا تركت ديني - القرآن في الميزان (الجزء الأول)

::

من القاريئ الكريم إكس مسلم، والمقالة على جزئين، وهذا الجزء الأول منها:

لم يكن خروجي من الإسلام بالخروج الهين، بل كانت مرحلة عسيرة استنزفت مني جهدا عقليا ونفسيا وجسمانيا الشيء الكثير. وبقدر ما كانت تلك المرحلة طويلة وكئيبة، بقدر ما سأحاول اختصار أحد أهم أسباب خروجي من ديني في هذه الأسطر. فقد كان المحرك الأول بالنسبة لي والباعث الدائم على الشكوك هو القرآن نفسه، القرآن الذي بأيدينا. ولا أتحدث عن الناسخ والمنسوخ منه، أو عن القراءات المختلفة له، بل جعلت هذا القران هو الحكم والميزان الفصل في ذلك.

لماذا؟

لأني حاولت أن أتمسك بالإسلام  قدر طاقتي، فلذلك سأحاول من خلال الأسطر القادمة أن أشرح أهم ما دعاني إلى الخروج من الإسلام، وكما قلت سأتناول القرآن الذي بين أيدينا بالنقد، فلا يهمنى الآيات التي نُسخت أو التي أكلتها الماعز أو التي نسيها الصحابة، أو حتى القراءات التي أحياناً تكون متناقضة في الفهم والمعنى، كقراءة والشمس تجري لا مستقر لها، وقراءة غَلبت الروم، بفتح الغين، بل دعونا نعتبر كل ذلك من الشبهات التي قتلها المدافعون عنها بحثاً ورداً.

كذلك لن أتطرق إلى الحديث النبوي، وتناقض بعضه أحياناً مع القرآن؛ أو تناقضه مع بعضه البعض، أو امتلاء الكثير من الأحاديث بالخرافات والأخطاء العلمية والأشياء المناقضة للعقل والواقع. كما أني لن أتناول المنهج الذي اتبعه أهل الحديث في جمع حديث النبوي، وتوضيح ان علم الجرح والتعديل قام في كثير من الأحيان على الرأي والهوى، وان الاختلاف الحادث في عدالة او تجريح شخص واحد أكثر من أن يحصى. لقد قلت لنفسي سأعتبر كل ذلك من الشبهات المردود عليها. كنت أحاول التمسك بالإسلام بأي شكل، حتى لو أصبحت قرآنيا منكراً للسنة، صوفياً، شيعياً، مسلماً علمانياً، كان المهم ألا أقطع عروة الوصل بيني وبين ديني الإسلام.

ولكن كيف أتخلص من المشكلة أو المشاكل التي كانت تظهر لي مع القران نفسه؟
فمن السهل التنصل من الأحاديث والروايات، ومن مراحل كثيرة من السيرة النبوية الممتلئة عنفاً، ومن المشاكل التي أحاطت بجمع القرآن وقصة حرق الخليفة عثمان للنسخ المخالفة، وقوْل ابن عمر: لا يقولن أحدكم قد أوتيت القرآن كله، ولا يدري ما كله، وقد ذهب منه الكثير. كنت على استعداد أن أعتبر كل ما سبق كأنه هباءً منثورا، وشبهات يرددها أعداء الدين، بغية الإنقضاض على الإسلام، وحسداً من عند أنفسهم. ولكن ماذا أفعل مع القران الذي بأيدينا نفسه، والمشاكل التي به؟


والحق أن تلك المشاكل لم تكن من اختراعي أو تصوري، بل حتى كبار المفسرين أشكل عليهم تفسير العديد من الآيات، حتى أن إبن تيمية ألّف مصنفاً سماه: تفسير آيات أشكلت، قال فيه: "آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ". ولكن قبل عرض بعض تلك المشكلات، فأنني أُقر بأني قد ختمت القرآن في خمسة أيام، قبل كتابة هذا الموضوع، لغرض دراسة نقدية ووضع القرآن في الميزان، ورؤية جديدة للآيات التي في صالحه، أو العكس. لقد كانت قرائتي تلك مختلفة، وكانت هناك بعض الآيات التي في صالحه فعلا مثل:

إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، قبل معركتي بدر وأحد، فكيف يستطيع من هم على أهبّة المعركة أن يناموا؟

غلبت الروم وهم من بعد غلبهم سيغلبون، بضم الغين الأولى، على القراءة الأشهر، وبالتسليم التاريخي، بصحة الواقعة.

سيهزم الجمع ويولون الدبر، وقد هُزم كفار القريش، بل وخضعت الجزيرة في فترة وجيزة لحكم الإسلام.

وإن كنت أصبحت أشك في وقت كتابة الآيات وترتيبها، وفي كل ما يتعلق بالقرآن، ولكن هذا الشك مني ومن الشيطان.

طبعا لا داعي للدخول في صداع أو وهم الإعجاز العلمي، وإن كان بالنسبة لي أهم ما فيه هو قول القرآن يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان و ومن كل تستخرجون لحما طريا وحلية تلبسونها، فلم يكن معروفا وقتها أن المرجان يوجد في الماء العذب، إنما عُرف ذلك الآن، وحاولت أن أقف على حقيقة الأمر، ولكني سأسلم للمواقع الإسلامية بذلك، فلم أستطع أن أتحقق من مواقع حيادية، خاصة العربية، فقد طغت المواقع الإسلامية على جوجل، وكلما دخلت موقعا وجدته يزيّل كلامه بـ "وكيف عرف النبي محمد  هذا الأمر من اكثر من 1400 سنة" ومع اختلاف المفسرين وأهل اللغة في "المرجان"؟ ولكن كما قلت، سأسلم لهم بذلك. أما غير ذلك، فأنا أعتبره هلاوس وتهيآت ولَي أعناق النصوص من دون مبرر. وبالمقابل كان هناك الكثير من الآيات التي ترجح بشريته، والتي لن أستطيع حصرها في هذا الموجز. ولكني سأذكر بعضها، وسأجعل عنوان بحثي هو الآية:

أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا

وبمفوم الضد، كما يقول الأصوليون، بما أنه من عند الله فلا يوجد به اختلاف، سواءً كان كبيراً ام صغيراً. وأريد أن أدخل في الموضوع مباشرة، فسأبدأ بقصة طوفان النبي نوح وسفينته الناجية: ولقد تركناها آية فهل من مدكر.

لمّا يخاطب رب الكون عباده من خلال قرآنه عن سفينة نوح ويقول أنها باقية، دون تحديد وقت لهذا البقاء، فإن الأصل أن يكون اللفظ على عمومه، حيث لا يوجد في القران مقيّد له، والبقاء ضد الفناء، ونحن لم نرَ النبي نوحاً ولا أحداً من الأنبياء، ولو كانت تلك السفينة باقية لكانت آية عظيمة، تستيقن بها القلوب، ولكنها ليست موجودة. مع أن القرآن يقول: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ. أي أن تلك الآية هي للعالمين، يعني البشر كلهم في كل مكان وكل زمان. فأين هي تلك السفينة الباقية؟

قال عبد بن حميد: "أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة". ولكن أحداً من أوائل هذه الأمة لم يقل أنه رآها! وقال قتادة: "ألقى الله عز وجل السفينة في أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظراً، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً". وهذا كلام يعوزه الدليل. كما جاء في الدر المنثور للسيوطي:  "قال قتادة في تفسير الآية وجعلناها آية للعالمين قال: أبقاها الله آية فهي على الجودي". أظن أن كثيراً من العرب اعتقدوا أن السفينة باقية، فقد كان هذا ما يدعيه أهل الكتاب المجاورون لهم، أي أنه وفقا لتفاسير عدة، أن الله قد أبقاها حتى صدر أمة النبي محمد، ثم هلكت. ومع التسليم لهم، فلا دليل على كلامهم في تواريخ الأمم، فهل صدر أمة النبي محمد هم العالمون؟ وهل بهذا يتحقق لها شرطا البقاء والإعجاز؟

وقد حاول بعض المفسرين كابن كثير الخروج من الإشكال فقال: "والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفينة، كقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ. يعني أن الله قد أبقى لنا جنس السفن بشكل عام، وليس سفينة نوح، وأنت أيها القاريئ حر في أن تصدق ذلك أو تتعجب منه، ولكن المهم أن الله تركها "آية". ولكن هل يتذكر أحدكم قصة نوح والطوفان عندما يركب أي سفينة؟ ربما البعض منا يتذكر فيلم تايتانك، إنما لايخطر على باله موضع نوح من الأساس.

نأتي للطوفان نفسه، لا يوجد أي دليل آركيولوجي يقول أن هناك طوفاناً عمّ الأرض كلها وفقاً لما تقول به التوراة. أما عن القرآن، فيقول البعض ربما كان الطوفان إقليمياً، والقرآن لم يحدد. ولكن القرآن يقول: وجعلنا ذريته هم الباقون، فذرية  نوح إذاً هي الباقية، بينما هلكت جميع الأمم. ومما يدل على عالمية الطوفان أيضاً، أن نوح قد أُمر بصنع السفينة في البر، حتى أن قومه سخروا منه، فلو كان الطوفان جزئياً لكان أيسر له أن يرتحل ومن آمن معه بالسفر براً بدلاً من أن يقضي كل ذلك الوقت ويبذل كل ذلك الجهد في بناء سفينة ضخمة.

كذلك من الدلائل على عالمية الطوفان في القرآن، أن النبي نوح أُمر بأن يحمل من كل زوجين اثنين، مما يعطي إشارة أيضاً بأن الطوفان كان عالمياً. كما أن القرآن جاء والتوراة بأيدي اليهود، تقول أن الطوفان عمّ الدنيا، وسكوت القرآن عن ذلك وعدم تكذيبه لذلك التعميم العالمي، لابد أن فيه إقرار بصحته. وقد كان النبي يقبّل التوراة ويضعها تحت رأسه ويقول: "آمنت بك وبمن أنزلت"، ولم تتغير التوراة منذ عهد النبي. كما أنه لن يوقّر توراة محرفةً تحوى ما كتبه رهبانهم بأيديهم ونسبوه إلى الله.

فما سبق يؤكد أن الطوفان كان عالميا وفقا لمفهوم القرآن. ولكن كما أسلفت، لا يوجد ما يؤيد ذلك من العلم، ونحن في عصر لم نشهد فيه الأنبياء ولا المعجزات، فكان من الممكن أن يثبت العلم وجود هذا الطوفان كي يكون آية للمؤمنين. كذلك لا يوجد ما يمنع من بقاء تلك السفينة عبر العصور كي يزداد الذين آمنوا إيماناً. ولكن للأسف لا أثر لها رغم الأموال الطائلة التي صرفتها الكنيسة لاكتشاف هذه السفينة، وكم من مرة سمعنا فيها عن اكتشاف سفينة نوح، حتى أني أذكر مقالاً أمريكياً يقول أنه منذ القرن التاسع عشر، لا توجد بعثة استكشافية ذهبت للبحث عن سفينة نوح إلا وزعمت أنها وجدتها.

الله يفترض به أنه كلي العلم والقدرة، ولن يعجزه بقاء السفينة، فأهرام مصر مازالت باقية، وحدائق بابل نقلت لنا كتب التاريخ ذكرها، بخلاف سفينة نوح، فلا هي باقية، ولا منقول لنا ذكرها إلا من خلال الكتب الدينية.

لقراءة الجزء الثاني إضغط هـنـا


(حدثنا عزيزي القاريئ/عزيزتي القارئة عن أسباب تركك للدين حتى ننشره في المدونة. يمكنك إرسال قصتك بواسطة الإيميل أو كتابتها كتعليق على أي بوست في المدونة)


* * * * * * * * * *