الأحد، 26 سبتمبر 2010

هل قتل العلم الروح؟

::

كنت أود منذ فترة طويلة التطرق إلى موضوع الروح لأدلي بدلوي فيه، ولكني وجدت أنه موضوع طويل ومكثف وعميق، له أبعاد دينية وفلسفية وعلمية متشعبة جعلتني أنفر منه لما يتطلبه من وقت وجهد لتحضيره. ولكني لازلت عازماً على تناوله في بوست آخر مسهب لما له من أهمية شخصية لي، ولاشك لشريحة كبيرة من القراء الكرام، حالما يسمح لي الوقت بذلك. فإلى ذلك الحين، هذه بعض الأفكار المقتضبة عنه أطرحها للوقت الحاضر.

لنتخلص أولاً من بعض التعريفات، الهامة بلاشك ولكنها بسبب طبيعتها فهي بلاشك مملة أيضاً، ولذلك فسوف أختصر هذا الجزء من البوست وأحصره على مايعنينا منها فقط. أريد أن أعرّف ماهي الروح.

أعتقد سوف يكفينا أن نعرف مايتفق عليه عامة الناس، في مجتمعاتنا نحن على الأقل، وهو أن الروح هي ذات، والبعض يصفها بأنها طاقة، قائمة بنفسها، تمنح الحياة وينتج عنها الإدراك والوعي والشعور. ومن الأهمية أن نعرف أيضاً أن الروح خالدة لاتموت ولاتتلف كما يتلف الجسد، ولو أمكن أن تتلف فمن الممكن أن تموت أيضاً، وهذا طبعاً يناقض طبيعتها الأزلية.

ماموقف العلم من الروح؟
هل أكد وجودها، أم نقضه؟

حسب تعريف الروح، فالإدراك والوعي والشعور ينتج عنها وليس عن المخ، ولكن العلوم النيورولجية (العصبية) لاتتفق مع هذا الفهم بل تذهب إلى أن هذه الخصائص هي من إنتاج المخ، فأين تقع الحقيقة؟

إن كانت الروح هي مصدر الإدراك والوعي والشعور فما يحدث للمخ من ضرر لايجب أن يؤثر على هذه العناصر لأنها تنبثق من ذات غير قابلة للتلف كالمخ ومنفصلة عنه، وإن لم تكن الروح هي المصدر فمعنى هذا أن وظيفتها تقتصر على منح الحياة فقط وليس لها أي دور أخر، وهذا يناقض المفاهيم التي تؤيد وجودها.

لنطرح هذا المثال من أحد الحالات الطبية ونرى إلى أين يوصلنا:

بعد إصابة مسز بلانفورد بجلطة في الدماغ، إنتابها شلل تام في النصف الأيسر من جسدها فقدت معه شعورها وقدرتها على تحريك أعضائها في ذلك الجانب. فلم تعد تشعر بالنصف الأيسر من وجهها أو يدها أو رجلها اليسرى، أو أن تحرك أي من تلك الأعضاء. وعندما جائها الدكتور الإخصائي، بعد نقلها إلى المستشفى، رفع ذراعها اليسرى ووضعها أمام وجهها حتى تراها وترى أصابعها ودبلتها الزوجية عليها، وجرت هذه المحادثة الغريبة بينهما مع التنبيه أن مسز بلانفورد كانت بكامل وعيها وأن الجلطة لم تؤثر على قدرتها على المخاطبة والكلام:

الدكتور: هذه ذراع من؟
مسز بلانفورد: هذه ذراعك يادكتور.
الدكتور: ولماذا أنا لابس دبلة زواجك؟
مسز بلانفورد: هذه الدبلة موجودة على أصبع مسز بلانفورد.
الدكتور: إذاً لمن هذه الذراع؟
مسز بلانفورد: هذه ذراعك يادكتور.

مسز بلانفورد لم تفقد الشعور والقدرة على تحريك النصف الأيسر من جدسها فحسب، بل فقدت إدراكها أيضاً لوجود هذا الجزء من بدنها، فهي لم تتعرف حتى على يدها. هذه الحالة ليست نادرة إنما شائعة لمرضى الجلطة التي تصيب النصف الأيمن من المخ، وتسمى طبياً "إهمال" أو "تجاهل" Neglect. وفي هذه الحالات لايمكن إقناع المريض بأن ذراعه اليسرى تنتمي له حتى لو رآها موصولة بجسده. فما تفسير هذه الظاهرة الغريبة؟

ينقسم الدماغ إلى جزئين، لكل نصف وظيفة مميزة ومختصة، فالنصف الأيسر يختص في المخاطبة والتعامل مع حركة وإحساسات الجانب الإيمن من الجسم واستيعاب جميع المعلومات التي تأتيه من الجانب الإيمن لمحيط الإنسان وعالمه الخارجي. أما النصف الإيمن من الدماغ فهو للتعامل مع المعلومات الغير خطابية Non-verbal واستيعاب مايجري في الجانب الإيسر من عالمه. جلطة مسز بلانفورد أصابت النصف الأيمن من مخها وأوقفت عمله، ففقد القدرة على التعامل مع المعلومات التي تأتيه من النصف الأيسر من محيطها، بما فيه النصف الإيسر من جسدها. ولكن ليس من وظيفة النصف الأيسر السليم من المخ أن يميز ذراع مسز بلانفورد الأيمن، وليس باستطاعته أيضاً أن يعوض فوراً عن هذا النقص. فالنصف الأيسر من المخ لايعرف أن النصف الإيمن لجسد مسز بلانفورد موجود، ولا حتى إن كان الجزء الإيمن من عالمها الخارجي التي تعيش فيه موجود أصلاً. فالنصف الإيمن من دماغ مسز بلانفورد قد أخفق في وظيفته بسبب الجلطة في التعرف على ذراع مسز بلانفورد الأيمن، وأخفق أيضاً لنفس السبب في إبلاغ النصف الأيسر أنه يعاني من مشكلة. فكنتيجة لذلك الإخفاق، أن عقلها كله لايعرف إطلاقاً مالذي يحدث في عالمها الإيسر.

فعندما نظرت مسز بلانفورد إلى ذراعها الأيسر، كانت تعتمد على النصف الأيمن من دماغها للتعرف عليه وإخبارها عنه لأن هذه هي وظيفته، ولكن ذلك الجزء من مخها لم يعمل بسبب التلف الذي أصابه من الجلطة، فوقعت مهمة فهم مايدور حول مسز بلانفورد على النصف الأيسر من دماغها الذي حاول جاهداً تفسير مايجري حوله وفقاً للمعلومات الناقصة المتوافرة لديه والتي تخلو ممايحدث في النصف الأيسر من جسد وعالم صاحبته. وهذا ما دفعه إلى تقديم تفسير وجده هو معقول، كما أظهرت المحادثة التي جرت بينها وبين الدكتور، إنما كان في واقع الأمر خاطئ.

هذه الحالة، وحالات أخرى كثيرة غيرها، تُثبت أن وعي الإنسان ليس بكيان واحد كامل بل هو في الحقيقة حصيلة أجزاء متفرقة، ينبع كل جزء منه من منطقة مختلفة من مخه، فإذا تلفت إحدى تلك المناطق ذهب معه ذلك الجزء من وعيه. فعندما تلف النصف الأيمن من مخ مسز بلانفورد أختفى النصف الأيسر من عالمها بما فيه جسدها هي. فكيف يتوافق هذا الكيان الإدراكي المجزّء المعرض للضرر مع مفهوم الروح الواحدة المتكاملة التي لاتتعرض للموت ولا للتلف والتي يُفترض أنها تُنتج الوعي والإدراك؟ لماذا يتأثر جزء معين من الإدراك عندما يتلف ذلك الجزء المعين من الدماغ إذا كان الوعي كعنصر واحد كامل يصدر من ذات هي مستقلة بنفسها؟

في الواقع لايوجد توافق، لأن لو كان الإدراك والوعي والشعور نابعين عن الروح لما تأثروا بالجلطة التي أصابت المخ، ولما فقدت مسز بلانفورد إدراكها لنصف محيطها ووعيها حتى بما إذا كانت ذراعها ملكها أم ملك الدكتور بالرغم من أنها لاتزال تراها متصلة بجسدها. إنما هذه الحالة تُثبت بأن الإدراك والوعي والشعور هم نتاج المخ وليس أي شئ آخر غير قابل للقياس مثل الروح ... 

فهل قتل العلم الروح إذاً؟

في الواقع أنه منذ بدأ العلم التجريبي وإلى الآن لم يظهر دليل علمي واحد يُثبت وجود الروح، ولايعني هذا طبعاً أن الروح ليست موجودة لأن العلم لم ينقضها بالدليل القاطع، أي أنه لم يقتلها. إنما لايمكن تجاهل أن جميع الأدلة الموجودة إلى الآن، كما رأينا من حالة مسز بلانفورد، تشير إلى عدم وجودها. فيبقى مفهوم الروح مسألة إيمان فقط غير مدعم بالعلم.
ماهي الروح؟ ماهو تعريف الروح؟ مامعنى الروح؟ هل الروح موجودة؟ أين الروح؟ أين تتواجد الروح؟ هل تموت الروح؟ ماهي دلائل وجود الروح؟ ماهو دليل وجود الروح؟ هل التفكير في الروح؟ هل مركز التفكير في الروح؟ هل الوعي في الروح؟ هل مركز الإدراك في الروح؟ هل مركز الإدراك والوعي في الروح؟ هل مركز الشعور في الروح؟ لماذا لانرى الروح؟ لماذا لاتموت الروح؟ ماهي خواص الروح؟ هل رأى أحد الروح؟ هل يمكن رؤية الروح؟ هل من الممكن قتل الروح؟ ماهي أوصاف الروح؟ هل للروح وزن؟ هل للروح شكل؟ ماهو شكل الروح؟ أين تسكن الروح؟

الخميس، 23 سبتمبر 2010

في حفلة المهراجا



عندما دخلت الشارع، نظرت إلى قصاصة الورق التي كتب محمود عليها عنوان سليم لأتأكد من رقم البيت مرة أخرى .. 42 .. أي بيت .. أي بيت .. آآآه, هذا هو هناك، لقد وصلت. فأوقفت سيارتي على بعد منه بسب إزدحام الشارع بعدد كبير من السيارات الواقفة فيه جعلني أتسائل ماإذا كان أغلبها للجيران أو للمدعويين. "إن كان الأغلب للجيران" .. همست لنفسي وأنا أحاول التخمين .. "فالعدد المتبقي لازال كبيراً يشير إلى أني سوف أجد البيت مكتظاً بالمدعويين، وإن كان العدد الأغلب من تلك السيارات للمدعويين، فقد جن سليم حتماً".

كان ذلك مساء يوم السبت الماضي عندما ذهبت في السيارة لحضور حفلة سليم التي أقامها، لالمناسبة معينة في الواقع سوى أن مزاجه كان رائقاً، ولربما أيضاً لرقة قلبه تجاه البنك بعدما أودع عنده تلك المبالغ الثقيلة التي فاز بها في اليانصيب، فقرر أن يخفف عنه أحمال ذلك العبأ بسحبها تدريجياً منه والتخلص منها.

إقتربت من البيت وأنغام الموسيقى تتعالى مع كل خطوة، وعندما وقفت أمام الباب شعرت بأن العتبية ترتج تحت رجلي من صوت البيس. لم أنتظر طويلاً بعد ضغطي على زر الجرس حتى فتح الباب لتنفجر في وجهي موسيقى "بيونسي" الذي أصبح صوتها الآن أشبه بالزعيق منه إلى الغناء من حدة إرتفاعه،  ومحمود يقف أمامي بلا قميص مع ابتسامة عريضة من الأذن إلى الأذن تكشف طاقم أسنانه اللؤلؤية الناصعة بالكامل.  فصافحني وكأس الشمبانيا يتأرجح بيده الأخرى وطبع قبلة ترحيبية رطبة على خدي،  ثم وضع ذراعه حول كتفي وسحبني إلى الداخل وهو يردد:  " come in, come in, you'll like it Basees, you'll like it" ...

دخلت الصالة ..... وياللهول .... سليم "مصخها" !!!! (مصخها = تمادى فيها).
التزمت بالصمت ولم أتفوه لمحمود بكلمة مما رأيت، لأني أردت أن أوجه السؤال لصاحب الحفلة ... سليم.

أخذني محمود، وذراعه لاتزال حول كتفي، إلى مضيّفي سليم الذي كان متواجداً في الطرف الآخر من الصالة المكتظة بشباب وفتيات كنت أتوقع أن يكونوا من أقاربه ومعارفه من الجنس الآسيوي، كما تجري العادة ضمن المجتمعات المهاجرة، ولكني فوجئت عندما رأيت أن جميع المدعويين هم أوروبيين ماعدا بعض الشباب هنا وهناك الذين يبدو عليهم أنهم من جنسه. من أين جمع هذه الشلة الكبيرة الشابة ياترى؟ تسائل يسهل الإجابة عليه: عندما يُعرف عنك أنك قد ربحت اليانصيب.

وصلنا إلى سعادة الفائز المحظوظ سليم، صاحب هذه الحفلة الماجنة الغراء، بعدما شقينا طريقنا بصعوبة بالغة بين الحشود الراقصة خلال عبورنا القاعة المكتظة، وإذا به جالس وسط كنبة دائرية ضخمة في زاوية من القاعة، تحفه بنتان على يمينه وعلى شماله، عاري الصدر كمحمود وعلى رأسه عمامة فاقعة صفراء يتدلي من أمامها فص أخضر بحجم إنملة الإبهام، ذكرني منظره بشخصية السندباد في الأفلام القديمة. فنهض ليرحب بي وأخذ بيدي وأجلسني بقربه وعرفني على صديقاته وقدم لي كأس من الشمبانيا وأشار لي بالأكل من صحن الكافيار على الطاولة أمامه.

جلست قربه أفصل عنه جاكي، إحدى صديقاته التي احتليت مكانها، وأنا لازلت أحدق في عمامته وأحاول جاهداً كتم ضحكتي التي قنّعتها بابتسامة بريئة وأنا أتسائل عن مغزى إرتدائه لعمامة يتدلى منها فص!! فلاحظ نظراتي الموجهة إلى رأسه وسألني:

سليم: صديقي العزيز بصيص، تريد أن تعرف لماذا أرتدي العمامة؟
أنا: أرجوك بدد عني الحيرة، لماذا ترتدي عمامة ياسليم؟
سليم: بصيص، يسعدني أن أعرّفك بشخصي الجديد .... أنا المهراجا سليم.
أنا: آآآآه مهراجا، كان علي أن أخمن ذلك. أوكي يا مهراجا سليم، سؤال آخر.
سليم: تفضل، إسأل ماشئت.
أنا: لماذا كلكم في الحفلة عراة الصدر؟ ... حتى البنات؟
سليم: آآآه كنت أتسائل لماذا أتيت مرتدياً قميصك، يبدو أن محمود لم يقل لك.
أنا: يقول لي ماذا؟
سليم: أنها حفلة توبلِس Topless party .... يظهر أن محمود لم يذكر لك ذلك خوفاً من عدم حضورك ... الوغد عمل بك مقلب.

وانفجر ضاحكاً حتى فقد منزلته المهراجية لوهلة عندما سقطت عمامته الغراء من على رأسه من شدة ضحكه وتلطخت بالكافيار الموضوع على الطاولة أمامه. أعقبها ضياع تام لما تبقى من وقاره الملكي عندما سارعت إحدى صديقاته بالتقاط عمامته السندبادية ونفضها بسرعة مما علق بها وإعادتها إلى رأسه ملطخة بماء الكافيار الداكن وبعض حبوبه لاتزال ملتصقة عليها. لاشك أن تلك الضحكة قد كلفته بضعة مئات من الجنيهات، أو ربما أكثر لغلائه الفاحش، لأن ذلك الكافيار لن يأكله أحد وسوف يرمى بعد تلوثه بالعمامة وحتى لو كانت مهراجية باركها رأس سليم الملكي.

إذاً هذا ماكان يقصده محمود عندما ذكر لي في النادي بأن حفلات سليم "لابد أن تُرى لتصدق"، فهو مغرم بهذا النوع من النشاطات المسلية، وهذا أيضاً يُفسر لماذا يكررها باستمرار. أوكي لامانع عندي، فبالرغم من صدمتي لمنظر الأستعراض الثديي الذي قابلني عندما دخلت البيت لعدم توقعي له، فأنا متعود على أي حال على رؤية هذه المناظر المسموح بها رسمياً في الكثير من الشواطئ العامة هنا، وليست هي بشيئ غريب أو شاذ بالضرورة هذه الأيام. ولكن كانت هذه أول حفلة أحضرها من هذا النوع.

بعدما استرجع سعادة المهراجا بعض من وقاره المفقود، والعمامة عادت إلى رأسه وهي لاتزال مشبعة بماء الكافيار، تعبق أجواء البيت برائحته أينما ذهب، أخذني إلى البوفيه الممتد على عدة طاولات في قاعة الطعام المجاورة للصالة ليختار لي عينات من أطباقه المفضلة لأجربها. وبالرغم من إعتذاري المتكرر لعدم رغبتي في الأكل بعدما أفقدتني حادثة الكافيار شهيتي، ورائحتها لاتزال تلاحقني، إلتقط صحناً هائل الحجم وأخذ يراكم عليه غرفات من الأطباق المنوعة حتى كوّم عليه خليط من الأكلات المختلفة، سرعان ماامتزجت ببعضها وأصبحت طبق واحد بلا شكل أو هوية ... وأرغمني بكل كياسة وأدب على أكله.

لم أعترض لأني أدركت عدم جدوى الإحتجاج لشخص يترنح من نشوى الشمبانيا، فقبل أن يفقد ماتبقى من وعيه، أردت التعجيل في الجلوس معه حتى أتمكن من إشباع الفضول الذي حثني على حضور الحفلة في المقام الأول وهو معرفة شيئ عن طبيعة التغييرات النفسية التي أحدثها ذلك الإنطلاق المالي الذي انتشله بيوم وليلة من انتكاس كارثي كاد أن ينهيه ورفعه إلى مرتبة ..... هممم ..... مهراجا.

فرجعت معه إلى الكنبة، وجلسنا معاً بصحبة محمود الذي أنهكه الرقص وجاء ليعيد تعبئة خزانه من الوقود التي تمتلأ به الزجاجات المنتشرة على الطاولة. فشرعت أطرح على سليم السؤال تلو السؤال، أدركت بسرعة من أول إجاباته أن الإنطباعة التي تظهرها تصرفاته التبذيرية المتهورة لاتعكس حقيقة الشخصية المتبصرة التي كونتها تلك الأحداث الإنقلابية التي مر بها خلال السنوات الماضية من حياته. فهو بالرغم من أنه لايزال يحتسي الخمور كما تشهد له الزجاجات المنتشرة على الطاولة، إلاّ يبدو من كلامه أنه قد أحسن التصرف بالثروة التي حصل عليها وذلك بقيامه بعدة مشاريع تجارية ناجحة خلال الفترة منذ فوزه باليانصيب.

فقد إشترى مطعمان للأكلات الهندية، أحدهما في منطقة الوست إند المكتظة بالسياح في لندن والآخر في أحد أحيائها الشرقية التي تكثر فيها العائلات الاسيوية المهاجرة. كما أنه أشترى أيضاً مصنع لتعبئة الأغذية الشرقية يقوم حالياً بتوسيع سعة إنتاجه، وينوي فتح مطعم ثالث جديد خارج لندن خلال الأسابيع القادمة. وتوجد لديه مشاريع تجارية كثيرة أخرى يقوم بدراسة إمكانية تنفيذها خلال الشهور والسنوات القادمة.

مايحققه من أرباح حالياً من خلال أملاكه الحالية يتعدى النصف مليون جنيه بالسنة، يهدر منها على تكاليفه المعيشية وحفلاته وسفراته ومشترياته مالايتعدى عن المئتين ألف جنيه ليتبقى منها ثلاثمئة ألف يعيد إستثمارها. ينوي رفع أرباحه السنوية خلال السنة القادمة إلى مليون جنيه على الأقل ومضاعفة ثروته الكلية من سبعة مليون إلى أربعة عشر مليون خلال الخمسة سنوات القادمة.

"مش بطال أبداً" لشخص فقد قبل سنة فقط بيته وزوجته وأملاكه، وحتى أخته رمته في الشارع.

أما عن نفسيته وشخصيته، فلم ألمس من خلال جلستي معه ومن خلال ماأكده محمود الجالس بقربه، أي سلبيات في نفسيته أو أعماله نتجت عن المراحل الدرامية العسيرة التي مر بها والتقلبات التي عانى منها، بل العكس هو الملحوظ. فالرجل يمتلك تحكم كامل في أموره على مايبدو ويديرها على أحسن وجه، تجارياً على أي حال، وليس هناك مايشير إلى أن تركه لعاداته السابقة وتبني بدلها هذا النمط الجديد أدى إلى أي نتائج أخرى غير الأمان المادي والراحة النفسية والسعادة والنجاح.

قمت منه بعد حوار ممتع ومثير دام بيننا أكثر من ثلاث ساعات لأستمتع بدوري بما تبقى من الحفلة والتي استمرت إلى ساعات مبكرة من الفجر، رجع خلالها نصف المدعويين إلى بيوتهم، وتبقى النصف الآخر مبعثراً في جميع أرجاء البيت. أما أنا فذهبت إلى أحدى غرف النوم في ساعة متأخرة بعد إستئذانه لأنال قسطاً هنيئاً من النوم على ديباج سرائر فخامة المهراجا.
كيف تربح اليانصيب؟ ماهي أفضل طريقة للفوز باليانصيب؟ كيف تفوز باليانصيب؟ ماهي أسهل طريقة للفوز باليانصيب؟ هل توجد طريقة للفوز باليانصيب؟ هل اليانصيب حرام؟ لماذا يحرم اليانصيب؟ ماهي جوائز اليانصيب؟ ماهي أكير جوائز اليانصيب؟ كيف أربح اليانصيب؟ كيف تربح اليانصيب؟ ماهي أفضل طريقة لربح اليانصيب؟ كيف تضمن ربح اليانصيب؟ كيف تضمن الفوز باليانصيب؟ كيف تضمن اليانصيب؟ هل اليانصيب مضمون؟

الأحد، 19 سبتمبر 2010

لاتزور مدوناتنا

::

وصلني تعليق من أحد الأخوات الكريمات تستنكر فيه زيارتي للمدونات الأخرى ومشاركتي في التعليقات على المواضيع المطروحة فيها. وجدت أن هذا الطلب من الغرابة بمكان، وخصوصاً أن صاحبة التعليق يبدو أنها إنسانة على مستوى عالي من الثقافة والوعي ولو ظننت غير ذلك لتجاهلته، قررت بعد إفاقتي من ذهول قرائتي له (وذهول حفلة سليم) أن أطرح ردي عليها في بوست جديد بدون نشر التعليق تفادياً لكشف إسم أو مدونة الأخت. وسوف يستنبط القراء الأعزاء مضمون تعليقها من محتوى ردي عليه.

الأخت الغالية صاحبة التعليق المشار إليه ،،

أولاً ياأختي الكريمة توجهاتي الفكرية واضحة وجلية تجدينها في أول صفحة من المدونة، بدون الحاجة حتى إلى قراءة البوستات. أنظري إلى ماهو مكتوب في العمود الأيمن من الصفحة الرئيسية في المدونة.

ثانياً، أجد في غاية الغرابة أنك تستنكرين علي دخول "مدوناتكم" والتعليق فيها !!!!!
لماذا تستنكرين علي هذا الحق؟ ماهي الجريمة التي اقترفتها والتي تتطلب هذا النفي والإبعاد ؟
لأن أفكاري وقناعاتي تخالف أفكارك وقناعاتك ... لاأكثر ولاأقل !!!!!
ومن "أنتم" أصحاب المدونات التي تستنكرين علي دخولها والتعليق فيها ؟
أصحاب هذه المدونات التي تستنكرين عل دخولها والتعليق فيها هم أخواني وأخواتي وأحبائي وحبيباتي من الكويت ومن البحرين ومن الإمارات ومن السعودية ومن مصر ومن سوريا ومن جميع أقطار الكرة الأرضية التي تحتضنا كلنا. أي أنك تريدين عزل وإقصاء كل من خالف أفكارك ومعتقداتك أنت من مشاركته لأحزان وأفراح أخوانه وأخواته من البشر، حتى في مدوناتهم التي تسبح في فضاء مفتوح لايمتلكه أحد !!!!
ومن الذي نصبك ياأختي العزيزة حارساً، بل حاجراً، على أفكار البشر؟
أنت، لقد نصبت أنت نفسك، بدون أن يطلب منك أحد ذلك !!!!
ومالذي تخافين منه حتى نصبت نفسك حارساً على أفكار البشر ضده ؟
الأفكار المغايرة لأفكارك ومعتقداتك أنت، وكأن أفكار الناس لاتحمل إلاّ أفكارك أنت فقط. أما الحوار المتحضر وتبادل الآراء والتعددية الفكرية فهي كلها في نظرك ماهي إلاّ "دس للسموم"، إذا شملت أفكار خارج دائرة الثقافة الموروثة. 

خلال السنتين الماضيتين من بداية فتحي لهذه المدونة والكتابة الصريحة لأفكاري فيها، وزياراتي وتعليقاتي التي لابد أنها تعد إلى الآن بالآلاف في المدونات الأخرى، لم يطلب مني أحد قط عدم زيارتى لمدونته/ها والتعليق فيها غيرك !!!

والأغرب من ذلك أنك لم تطلبي مني عدم زيارة مدونتك أنت فقط، بل تريدين مني عدم زيارة المدونات الأخرى أيضاً !!!!
لماذا هذا الموقف العدائي يااختي العزيزة ؟؟؟؟
أنا بشر مثلي مثلك، أفرح لأفراحك وأحزن لأحزانك، لماذا تريدين إقصائي ؟؟؟؟
لمجرد أني أحمل أفكار تخالف أفكارك، فإما أني أتفق معك في معتقداتك الموروثة أو أني لاأستحق حتى زيارة المدونات الأخرى. ألا تعتقدين أن هذا الموقف لايخدم إلاّ التفرقة والتشقق والتمزق مابين أفراد البشر؟ وليس هذا فحسب بل الأسوء ألا ترين أنه يمزق التلاحم والترابط بين نفس أفراد العائلة المقيمين في نفس البيت ؟
أتمنى ياعزيزتي منك ومن كل من يحمل مثل هذا الموقف العدائي المفرق أن تعيدي النظر في هذه الإنعزالية الفكرية والرؤية الأحادية، والسعي بدلاً عنها إلى جمع الشمل والتسامح والتعايش السلمي مع الآخرين وتقبل أفكارهم، لا النبذ والعداء الذي لاتصدر عنه إلاّ التفرقة والتشتت.

لن أزور مدونتك لأن هذا ماتريدينه، ولكنك لاتملكين الحق في منعي أو منع أي إنسان آخر من زيارة أي مكان عام في الدنيا، مدونة كانت أو غيرها. أما من طرفي فأنا لازلت أرحب بك هنا في هذه المدونة المتواضعة والتعليق فيها في أي وقت، ولاتعنيني أفكارك أو قناعاتك ... أياً كانت.

ومن الواضح أن موقفك الغريب هذا سوف يخلق عنك وعن مدونتك إنطباع سلبي وسيئ بين القراء لو كشفت إسمك، وهذا ماأردت تفاديه بعدم نشري لتعليقك.

ودمت سالمة

السبت، 18 سبتمبر 2010

ستربتيز تحت الماء

::


لم أرى محمود في النادي (لاتنسوا أنه أحد الشابين المذكورين في قصة البوست السابق) منذ حضوره يوم الأحد الماضي إلاّ يوم الخميس أمس، بالرغم من أنه كان يأتي إلى النادي على شكل يومي، وذلك بسبب إختلاف أوقات حضورنا للتمرين. وقد سعدت جداً بأنه "كمشني" في الوقت المناسب قبل يوم السبت غداً لينقل لي دعوة شفهية من سليم لحضور حفلة سوف يقيمها في بيته مساء الغد، إذ بعدما أبلغه محمود أنه قد رآني في النادي عزم بلطفه المعهود أن يدعوني. ولو لم أرى محمود يوم أمس لفاتتني الحفلة، لأني لم أذهب إلى النادي اليوم الجمعة ولاأذهب في العادة يوم السبت إلتماساً للراحة.

الحفلة بدون أي مناسبة، لأن الظاهر أن سليم يعتزم على تبديد ثروته بنفس السرعة التي حصل عليها، وإقامة الحفلات المكلفة ودعوة العشرات إليها كلما "راق" المزاج، ورياقة المزاج أصبحت حالة مزمنة عنده هذه الأيام، هي أحد الأساليب الفعالة في تبديد الثروة.

مايثير حماسي في الذهاب إلى حفلة سليم سببان: الأول لإشباع الفضول الذي يمتلكني لمعرفة نمط ودرجة التغير الذي طرأ على أفكار وسلوكيات هذا الإنسان بعد خروجه من خندق البؤس والتعاسة وارتقائه إلى أرفع درجات العز والسعادة خلال تلك الوثبة السريعة. أريد أن أرى ماذا فعلت بشخصيته تلك الأعاصير النفسية التي عصفت به، وكيف يتصرف الآن؟

السبب الثاني هو الإغراء الذي أوقعني في شباكه وصف محمود لنوعية الحفلات التي يقيمها سليم، والتي لايستطيع التعبير عنها إلاّ بأنها:

"You must see it to believe it"
"لابد أن تراها لتصدقها"

أريد أن أعرف مالذي يتحتم علي رؤيته بنفسي في تلك الحفلات حتى أصدقه. أستعدوا لتقرير كامل عن مقابلتي لسليم وانطباعي عن حفلته - التي لاتصدق - بعد ليلة السبت (هذا إذا أفقت منها).

وإلى ذلك الحين، أترككم مع هذا الفيديو لستربتيز تحت الماء كتحضير للمقالة القادمة:



* * * * * * * * * *
لماذا يحب الرجل ستريبتيز؟ لماذا يحب الرجال ستريبتيز؟ ماهي أنواع ستريبتيز؟ لماذا تقوم بعض البنات بـ ستريبتيز؟ هل تكره المرأة ستريبتيز؟ هل ستريبتيز مثير للرجل؟ لماذا يثير ستريبتيز الرجل؟ أين تتواجد نوادي ستريبتيز؟ أين تكثر نوادي ستريبتيز؟ لماذا يثير ستريبتيز الشهوة الجنسية عند الرجل؟ هل يثير ستريبتيز الشهوة الجنسية عند المرأة؟ ماهي نسبة الرجال الذين يشاهدون ستريبتيز؟ كم عدد نوادي ستريبتيز؟ هل توجد نوادي ستريبتيز في البلاد الإسلامية؟ هل ستريبتيز حرام؟  

الأربعاء، 15 سبتمبر 2010

سليم انقلب حظه

::

محمود وسليم شابان أقارب من اًصول باكستانية تعرفت عليهما في نادي رياضي قبل سنتين تقريباً. محمود في منتصف العقد الثالث من عمره ويعمل في بنك، وسليم في أوائل الأربعينات من عمره وكان في ذلك الوقت يعمل طباخاً في أحد المطاعم الهندية الذي كان يمتلك فيه أيضاً حصة صغيرة.

محمود كان يواضب على الحضور إلى النادي بشكل منتظم، أما سليم فكان حضوره متقطع ثم توقف نهائياً قبل سنة تقريباً لأسباب شخصية.

بعد غياب سليم عن النادي بعدة شهور، وخلال جلسة لي مع محمود لتناول بعض المرطبات في كانتين النادي بعد التمرين، عبّرت له عن أسفي لغياب سليم وتوقفه عن التمرين وسألته ما إذا كانت له نية في العودة إلى النادي لأنه كان يملك جسداً رياضياً عضلياً مبهراً رأيت أنه من المؤسف أن يتركه يرتهل أو يضمحل مالم يواضب على تمرينه. فأجابني بسرد مطول لقصة سليم المؤثرة وأسباب انقطاعه عن التمرين، هذا ملخصها:

سليم كان يعاني من ضائقة مادية شديدة منذ أن توفى والده وترك خلفه ديون ضخمة تراكمت نتيجة لعدة محاولات تجارية لم يحالفه التوفيق فيها، أخذ سليم على عاتقه أن يسددها كلها إلى أصحابها من أقاربه نيابة عن والده المتوفي كحسنة يلتمس منها أجراً وثواباً وكتقدير منه على ماعاناه والده من كدح في حياته سعياً لتوفير حياة أفضل لأولاده.

ولكن مدخول سليم المالي من عمله كطباخ وحصته من أرباح المطعم لم يكفيا لسداد أقساط تلك الديون وتغطية حاجات أسرته المعيشية بحيث يمكنه التخلص من كل المديونيات خلال حياته، فقرر أن يرهن بيته رغم إحتجاجات زوجته حتى يبرأ ذمته من ديون أقربائه قبل موته، أي أنه حوّل ديون والده إلى البنوك ليسدد مستحقات أقربائه.

لفتة في غاية النبل والشهامة عائلياً واجتماعياً، إنما كقرار مالي محظ فهو كارثة سببت له أزمة مادية وشخصية أسقطته في هوة سحيقة من البؤس والشقاء يصعب تسلقها، إذ أنه لسوء الحظ فقد وظيفته كطباخ وحصته من المطعم بعدها بفترة قصيرة نتيجة لاختلاف مع شركائه، ووجد نفسه بعدها عاجز عن تسديد أقساط البيت للبنك.

لو كانت الديون لاتزال ملك أقربائه لصبروا عليه، ولكن البنك كيان تجاري تحد صبره شروط القرض الذي ينص بالنهاية على طلب بسيط:
"سلّم القسط أو سلّم المفتاح". لم يستطع سليم تسليم القسط فسلم المفتاح وفقد البيت. وأعقب فقده لبيته فقد زوجته وأولاده الذين رجعوا مع أمهم إلى أهلها في باكستان لعدم وجود مسكن لهم أو مدخول. وتوالى الفقد والضياع والخسائر إلى أن وجد نفسه وحيداً بلا زوجة أو أولاد، أو دخل أو ملجأ، أو عزة أو كرامة، لاتأويه غير شفقة أخته التي أسكنته عندها في غرفة في بيتها الصغير يتقاسمها مع إبنها ذو الثامنة.

تدهورت نفسية سليم بعدها وانحدرت إلى حالة من اليأس والإكتآب الشديد والعزلة دفعته إلى ترك فروضه الدينية من صلاة وصيام وغيرها واللجوء إلى شرب الخمور في محاولة لإغراق همومه فيها أدت إلى إدمانه عليها وتسببت في طرده من بيت أخته المتدينة بعدما اكتشفت أنه كان يُحضر الخمور إلى غرفة ولدها الصغير ويشربها هناك. وانقطعت بعدها أخباره تماماً عن محمود.

آلمتني قصة سليم في الحقيقة لأنه كان إنساناً بشوشاً مؤدباً هادئاً في كلامه متواضعاً في سلوكه تستميل إلى شخصيته حال معرفتك به، ليس من الغريب أن تعكس شهامة تصرفاته تجاه مديونيات والده تلك الأخلاق السامية التي تحيط به كالهالة المنيرة. ولكن الحياة لاتفرق في عشاوئية قسوتها بين الشهم والنذل، فالإثنان عندها سواء.

إنقطعت أنا بدوري عن الذهاب إلى ذلك النادي بعد أن أنهيت إشتراكي فيه لأنظم إلى نادي آخر جديد أكبر وأقرب إلى سكني، ولم أرى بعدها لامحمود ولاسليم لفترة طويلة إنتهت بمصادفة أثارت فضولي حدثت قبل شهرين.

كنت جالس مع زميلة لي حول طاولة خارج مقهى على زاوية رصيف شارع ويغمور ستريت (لمن يعرفه منكم) في سنترال لندن نشرب القهوة ونتبادل الآراء حول موضوع عمل، فمرغت أمامي سيارة أستن مارتن فضية كشف يقودها شاب ظننت أنه يشبه سليم.

أثارت تلك المصادفة إستغرابي وفضولي، ولكني سرعان ماأزحتها عن ذهني لعدم تأكدي من شخصية السائق إذ قد مر بسرعة لم تتح لي الفرصة خلالها في التمعن في وجهه لأتأكد من هويته، ولكن ظلت الصورة تراود مخيلتي بين حين وآخر لتحثني على التساؤل ماإذا كان ذلك السائق سليم أم شخصاً آخر يشبهه.

القصة إلى هنا قطعاً لاتستحق النشر في المدونة، ولكن ماجعلها مثيرة تستحق الذكر هو ماحدث يوم الأحد الماضي في النادي.

ذهبت كالعادة صباح يوم الأحد الماضي إلى النادي لقضاء بعض الوقت في التمرين، ولدهشتي وجدت هناك محمود، قريب سليم، كان قد انظم إلى هذا النادي الجديد بعد أن أغرته الأجهزة الحديثة والتسهيلات الإضافية الأخرى التي لم تتواجد في النادي القديم. وبعد السلام والتحية والمقدمات الروتينية، سألته عن سليم وماآلت إليه أموره، وذكرت بأني قد رأيت شخصاً يشبهه يقود سيارة سبورت قبل شهرين. فنظر إلي بابتسامة ودار بيننا هذا الحديث القصير:

محمود: ماذا كانت ماركة تلك السيارة؟
أنا: أستن مارتن دي بي ناين فضية كشف.
محمود: نعم، الأرجح أنه كان سليم.
أنا: آآآآآه ... حقاً؟ .. وهل هي سيارته؟
محمود: أوووه نعم، نعم ... هي سيارته ... مشاكله المادية كلها انتهت وأصبح غنياً جداً.
أنا: مبروك، مبروك ... إنقل له تبريكاتي وفرحتي على تحسن حالته، وتمنياتي له بحياة سعيدة يتمتع بها في غناه الجديد .... ولكن قل لي: كيف أستطاع الخروج من مأزقه المادي وتحقيق تلك المكاسب بهذه السرعة؟
محمود: بسيطة، إشترى ورقة يانصيب بخمسة جنيهات (حوالي ثمان دولارات) وفاز بجائزة أربع مليون ونصف جنيه (حوالي سبعة مليون دولار).
كيف تفوز باليانصيب؟ كيف تربح اليانصيب؟ كيف تضمن اليانصيب؟ ماهي أفضل طريقة لربح اليانصيب؟ ماهي أضمن طريقة لربح اليانصيب؟ هل توجد طريقة مضمونة لربح اليانصيب؟ ماهي أفضل طريقة للفوز باليانصيب؟ هل توجد طريقة مضمونة للفوز باليانصيب؟ ماهي أكبر جائزة في اليانصيب؟

السبت، 11 سبتمبر 2010

بلاتي بنت ديومَري .. خالتنا القديمة

::

خالتنا القديمة بلاتي .. أهدافها في الحياة بسيطة ومحدودة، فلا هناك زيارات لديها ولاتسوق ولاطبخ ولاغسال ولاحتى تربية أطفال، إذ أن كل همها في حياتها القصيرة الرتيبة القاسية المحفوفة بالأخطار ينصب على البحث عن قوتها اليومي، وهو شاغلها الأكبر، وتجنب الأخطار .. فقط. وهذا كل ماتفعله طوال يومها، طوال حياتها، مضاف إليه سعيها للأنجاب والذي تقوم به بشكل موسمي بين حين وآخر وتترك، بقسوة فطرتها، أطفالها بعد تحقيقه يصارعون الحياة بمفردهم.

خالتنا بلاتي تعيش في بيئة مائية ليست محفوفة بالأخطار فحسب بل غنية بالغذاء أيضاً، فلأجل الإستفادة من هذه الخيرات التي يمتلأ بها محيطها وتجنب أخطاره في ذات الوقت، وجب عليها أن تحتمي بملجأ يقيها من تلك الشرور ويمكنها من تأدية وظائفها الحياتية اليومية الرتيبة. خالتنا بلاتي وجدت أن أفضل ملجأ يناسبها هو السكن في أنبوبة ..

أنبوبة ؟؟؟

نعم، أنبوبة، فهي أنسب شكل معماري لها، لأن خالتنا بلاتي هي في الحقيقة دودة.

هي دودة بحرية من فصيلة بلاتينيريس ديوميريلياي Platynereis dumerilii التي تنتمي إلى نفس الفصائل التي يبحث عنها صيادون السمك تحت الصخور البحرية وينقبون عنها في الطين عند انحسار المياه ليستخدمونها طعماً لصيد الأسماك ... مسكينة الخالة بلاتي، ألم أقل لكم أن الأخطار تحدق بها من كل صوب؟

آآه مهلاً ... كأني أسمع أصواتاً تصيح :

بلاتي دودة ونحن بشر، فكيف أصبحت خالتنا؟
ألا يكفيكم أيها التطوريون نسبنا إلى القرود؟ .. أتريدون زيادة تحقيرنا بنسبنا الآن إلى الدود؟
شهالإهانة؟
شوهالإهاني؟
إيه الإهانة دي؟
بابا .. ليش إنت كله يسوي إهانة هَق إهنا؟

وتتصاعد أصوات الإستنكار بجميع اللهجات ضد هذا النسب المنكر، وأقول لهم رداً على إحتجاجهم:

ياسيادتي وآنساتي وسادتي من البشر المستنكرين الأذكياء الحلوين، الذين هم قطعاً ليسوا مجرد أكياس من التفاعلات الكيمائية الواعية التي تمشي على رجلين، والذين قطعاً لاترجع أصولهم إلى خلايا بكتيرية مجهرية، لاتلوموني .. بل لوموا علماء "مختبرات الأحياء الجزيئية الأوروبية" European Molecular Biology Laboratory الذين أجروا دراسة على تلك الفصيلة من الدود وتوصلوا إلى إكتشاف جديد يربط نَسَب الدودة بلاتي إلى نَسَبنا. إنقلوا لهم إحتجاجاتكم بواسطة رسائل إعتراض تندد بإحرازاتهم العلمية التي تساند النظرية الداروينية.

إذ أن هذا ماقاموا به:

أراد العلماء في تلك المختبرات العلمية أن يبحثوا ليعرفوا ما إذا كانت هناك مراكز دماغية عليا، كالـ "القشرة الدماغية" Cerebral Cortex في مخ الحيوانات اللافقارية (أي التي ليس لها عمود فقري. مثال: الحشرات والديدان) لمقارنتها، إن وجدت، مع نظيرتها الدماغية في الحيوانات الفقارية (أي ذات العمود الفقري. مثال: البشر) والنظر فيما إذا كانت هناك علاقة تكوينية بينهما. فاختاروا فصيلة دود الـ بلاتينيريس المذكورة أعلاه لما تتمتع به أدمغة هذه الديدان من خصائص تمكنها من قدرة عالية في الأداء، كبناء أنابيبها التي تعيش بداخلها، والبحث عن غذائها بشكل حيوي نشط، وتمنحها أيضاً قابلية على التعلم، وهذه كلها تصرفات تتطلب مراكز دماغية عليا لأدائها، مما يؤهل تلك الديدان أن تكون مرشحة لإمتلاك المراكز الدماغية محل البحث.

إستخدم راجو تومر وزملائه في ذلك المركز العلمي أساليب جينية جديدة لفحص الخلايا الدماغية في الحيوانات الرخوية (الديدان) والتعرف على أنواعها، إستطاعوا من خلالها التمييز بين أنواع الخلايا المختلفة في تلك الحيوانات. هذه القدرة الجديدة على تمييز الخلايا والتعرف علي أنواعها مكّنتهم من معرفة الخلايا التي تُكّون الأجزاء العليا في أدمغة الحيوانات اللافقارية، ومنها قاموا بمقارنتها مع نظيرتها في أدمغة الحيوانات الفقارية، وبالخصوص دماغ الإنسان.

وجد طاقم العلماء أن وجه التشابه في نمط وآلية الخلايا المكونة للأجزاء المسماة بـ "الأجسام الفطرية" (وهي أجزاء تشبه في شكلها فطر الـ  Mushroom وتُمثل المراكز الدماغية العليا في تلك الدودة) مع نظائرها في الحيوانات الفقارية، هذا التشابه هو أشد عمقاً مما يمكن تعزيته إلى تطور - أو خلق - منفصل لكل من تلك النوعيتين من الخلايا. أي بعبارة أخرى:

لابد أن تكون الخلايا في تلك المراكز العليا في الحيوانات الفقارية كالإنسان ونظيراتها في الحيوانات اللافقارية كتلك الدودة، قد تفرعا من أصل واحد.
::
هذا الإكتشاف في التشابه لايمثل أي مفاجأة ضمن المفاهيم التطورية لنشأة الكائنات، لأن هذا ماتتنبأ به نظرية التطور، ومثل هذه الإكتشافات تتكرر بشكل متواصل لتدعم النظرية، إنما هو اكتشاف علمي هام جديد يضيف إلى معلوماتنا عن سلسلة تطور الدماغ البشري ويزودنا بحلقة هامة تنقلنا عبر تاريخ تطور مخ الإنسان وترجعنا إلى مرحلة كان فيها أصل واحد عاش قبل 600 مليون سنة، يحمل خصائص مشتركة بين الدماغ البشري ودماغ تلك الدودة، تفرعنا نحن والدودة منه.

وهذا سبب كون الدودة المكافحة بلاتي التي تكلمت عنها في أول المقالة هي خالة قديمة لنا.

عيدكم مبارك
وكل عام وأنتم طيبين
هل توجد جينات مشتركة بين الإنسان والدود؟ هل توجد جينات مشتركة بين البشر والدود؟ هل يوجد تشابه بين مخ الإنسان ومخ الحيوان؟ ماهو وجه التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الحيوان؟ ماهو وجه الشبه بين جينات الإنسان وجينات الحيوان؟ ماهي نسبة الشبه بين جينات الإنسان والحيوان؟ ماهو الفرق بين جينات الإنسان والحيوان؟ ماهو الفرق بين جينوم الإنسان والحيوان؟ ماهو الفرق بين الجينوم البشري والحيواني؟

الاثنين، 6 سبتمبر 2010

مايك .. ديك بلا رأس

::

في العاشر من شهر سبتمبر عام 1945، كان مايك، وهو إسم الديك الأبيض الوسيم، الذي لايزال يتمتع بفتوته الغضة اليانعة وهو لم يتعدى الشهر السادس من عمره بعد، يتجول في سلام وأمان مع أقربائه وأقرانه من الدجاج، وينبش في نهم وحماس تراب الحضيرة التابعة لبيت لويد وزوجته كلارا أولسن الواقع في أرياف مدينة فروتا الزراعية في الولايات المتحدة بحثاً عن قوته من الحبوب والدود والفتات، غير مدرك بالخطة الدموية المصيرية التي تحاك ضده في مطبخ البيت الذي حماه وأطعمه ورعاه منذ أن كان كتكوتاً صغيراً كقطعة قطن صفراء فقست من بيضة. تلك الخطة التي سوف تصيبه بكارثة تسجله في التاريخ وتدخله في كتاب غينيس وتطلقه في سماء المجد والشهرة ليتمرغل بريشه الحريري الناعم على ديباج سحبها فيما تبقى من عمره القصير.

وبينما مايك، ذاك الديك الباهر، يستعرض فتنته وجماله بكبرياء وتمخطر بين الدجاجات خارج البيت، كانت سيدته كلارا أولسون في تلك الأثناء في المطبخ داخل البيت تستعد لاستضافة أمها بتحضير وجبة شهية لها، إختارت أن يكون الطبق الرئيسي فيها ديك أبيض وسيم يانع لايتعدى الشهر السادس من عمره يسمى بـ مايك. فتطلب كلارا من زوجها لويد أن يذهب إلى حضيرة الدجاج ليصطاد ذاك الديك الفتى ويذبحه. فيستجيب لويد لرغبة زوجته ويحمل الفأس، وهو الأداة المفضلة للذبح عند المزارعين الأمريكيين، ويخرج ويختطف مايك من بين عشاقه وأحبائه، غير عابئ بنظرات دجاجاته المستنكرة وصيحاتهن المتكدرة، ويأخذه إلى مصطبة الذبح.

ماحدث في الدقائق التالية خلد إسم ذلك الديك في الفوكلور الريفي الأمريكي.

كان لويد يعرف أن الجزء الذي تفضله حماته من طبق الدجاج هو العنق، فلهدف التقرب إليها وإرضائها، كما جرت العادة، ولاتزال تركض، في المجتمعات البشرية عبر الأزمان تجاه الحموات، سدد فأسه بدقة ليقطع رأس الضحية مايك من أعلى الرقبة ليترك أطول جزء ممكن منها لحماته لتتلذذ به. ولكنه حين أسقط الفأس على رقبته أخطأ الهدف قليلاً، فقطع رأس مايك ولكنه أبقى جزء من أسفل المخ سالماً لايزال متصل بنخاعه الشوكي.

ظن لويد أن مايك قد فارق الحياة بعد أن بتر رأسه تماماً وفصله عن جسده، ولكنه جمد مذهولاً في مكانه يحدق فيه حين انتفض الديك من تلك الصدمة المهولة التي أصابته ووقف على رجليه يترنح بدون رأس، ومالبث بعد لحظات أن استعاد مايك توازنه ورجع إلى عادته الديكية، وكأن شيئاً لم يحدث، في محاولة فطرية لتهذيب ريشه والصياح، بدون نجاح طبعاً لعدم وجود منقار له، إذ كل ماتبقى من رأسه كان جزء صغير من مخه وأذن واحدة فقط، وظلت القصبة الهوائية وقصبة المريئ مفتوحتان فيما تبقى من عنقه، أما باقي الرأس بمنقاره وعينيه والأذن الأخرى والجزء الأكبر من المخ فكان مرمي على مصطبة الذبح تحت رجليه.

رق قلب لويد لحالة مايك الكارثية المؤلمة وأعجب بعزمه وإصراره على البقاء حياً، فقرر أن يبقيه على قيد الحياة ويُغذّيه بإسقاط الطعام والماء مباشرة في مريئه بواسطة قطارة العين. ولدهشة الجميع، أخذ مايك المسكين بالتأقلم مع وضعه المأساوي الجديد خلال أيام قصيرة، وعاد إلى روتينه اليومي الدجاجي المعهود مع بعض التعديلات في تصرفاته لتناسب ضياع رأسه، وانتشر خبره سريعاً بين الناس الذين لم يصدقوا القصة وظنوا أنها خدعة.

لتأكيد هذه الحالة العجيبة وتصديق الحادثة، أخذ لويد مايك بعدها بأسبوع إلى جامعة أوتاه ليتسنى للعلماء فحصه ويتم تسجيل الحالة رسمياً. وتوصل العلماء هناك بعد فحصه ومعاينته إلى تعزية قدرته على البقاء حياً بدون رأس إلى ماتبقى من مخه المتصل بنخاعه الشوكي، والذي بدى لهم أن ذلك الجزء المتبقي من دماغه كان كافياً لأن يُمكّن مايك من الإستمرار في الحياة والرجوع إلى عاداته المألوفة من محاولة النقر وتشذيب الريش والمشي والجلوس وأداء باقي الواظائف الحيوية التي يتحكم بها في الطيور ذلك الجزء من الجهاز العصبي.

عاش مايك، الديك الأعجوبة، بعد تلك الحادثة لسنة ونصف برقبة بدون رأس، يتناول طعامه وشرابه بواسطة القطارة برعاية سيده - وجزّاره .. لاننسى - لويد. وزاد وزنه من حوالي كيلوغرام واحد قبل الذبح إلى أكثر من ثلاثة كيلواغرامات ونصف أحرزها خلال تلك الفترة. وكان ديكاً نشيطاً متعافياً بالرغم من عدم وجود رأس له حسب أقوال صاحبه لويد الذي كان يجول به في شتى أنحاء الولايات المتحدة في عروض حققت له مايقارب من الـ 4500 دولار ذاك الوقت أو مايعادل 50000 دولار بقيمة اليوم، وامتطى لويد وزوجته به سلم المجد والشهرة حتى نشرت مجلة لايف-تايمز الأمريكية صور للمعجزة مايك حين أصدرت فيه مقالة قصيرة في أحد نسخها تجدونها هـنـا.

وفي أحد أيام شهر مارس عام 1947، خلال عودة لويد وزوجته من إحدى تلك الرحلات الإستعراضية، قررا التوقف في موتيل في الطريق لقضاء ليلة فيه للراحة قبل مواصلة العودة. وفي منتصف الليل، إستيقضا من النوم على صوت مايك وهو يختنق بشيئ دخل في قصبته لم يتمكن لويد وزوجته لسوء الحظ من إخراجه منها وإنقاذه، لأنهما نسيا إحضار الأدوات المستخدمة في تنظيف مريئ الديك وقصبته الهوائية من الشوائب. ففارق مايك الحياة تلك الليلة مختنقاً عن عمر يناهز السنتان وانتهت إحدى أغرب حالآت البقاء المسجلة تاريخياً.

هل من الممكن أن يعيش الحوان بعد قطع رأسه؟ هل قصة الديك الذي عاش بعد أن قطع رأسه حقيقية؟ ماأسم الديك الذي عاش بعد أن قطع رأسه؟ أماهو الحيوان الذي يستطيع أن يعيش بعد قطع رأسه؟

الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

ليست غلطة حمّود

::

أرزح حالياً تحت ثقل احتلال حمّود وعبّود وسلّوم وجسّوم لبيتي (ليست أسمائهم الحقيقية).

بدأ ذلك الغزو بعدما حزمت جدتهم ، التي شائت الأقدار أن تكون هي أيضاً أمي، أربعة من خلاصة شباب العائلة، مع متاعهم الذي يتكون أغلبه من مواد غذائية تكفي لرحلة شعب كامل إلى المريخ والعيش عليه، ووضعتهم على الخط الجوي السريع برفقة مربيتهم، التي هي طباختهم أيضاً، مع أوامر ماترياركية صارمة لها بالإعتناء بي وبهم لكي يسبقوا حلول رمضان ويحلوا عندي قبله. هؤلاء هم نخبة من أولاد أخي وأختي منتقين بعناية دقيقة من جدتهم لإضغاء جو رمضاني عائلي بهيج في بيتي الإنجليزي ... تلك كانت النية.

جرت العادة في السنوات السابقة أن أهجر محل إقامتي في المملكة المتحدة لمدة ثلاثون يوماً من كل سنة خلال شهر رمضان لأقضيه مع الأهل في الكويت. ولكن حيث أنني اعتذرت هذه السنة بكل لطف وأدب - والكثير من الحزم والإصرار - عن عدم رغبتي في شوي نفسي مرة أخرى في باربيكيو صيف الكويت الذي تزامن حلول رمضان مع ذروة حرارته هذه السنة، فقد قررت الأم العطوف الحنون - بدافع شعورها بالتأسف على قضائي رمضان في الغربة وحيداً - وارتأت، لحكمة أمومية عاطفية بالغة لازال عقلي يصارع لفهمها، أن ترسل لي هنا لفحات من ذلك الباربيكيو الملتهب، متخفي على هيئة أربعة من المراهقين العتاة الذين تستعر في عقولهم وأجسادهم نيران النمو، تغذيها هرمونات البلوغ وأكسجين الحاجة إلى الخروج من شرنقة الطفولة إلى عالم الرجولة الذي لايتجسد بنظرهم إلاّ بإثبات الذات وذلك بالإستقالالية في التصرف واتخاذ القرار مما يدفعهم إلى العصيان والتمرد على براثن التحكم والتوجيه الأبوي الذي يشملني أيضاً، لتنسف بهم تماماً أحلام الهدوء والحرية وراحة البال التي كنت أأمل أن أحققها خلال هذا الشهر بعيداً عن صخب الأطفال وضغوط الأهل.

ماشي، مقلب الأم مقبول.

حمود وعبود، إثنان من أعضاء تلك الشلة الغازية، هما اخوان شقيقان بينهما سنة ونصف، حمود تجاوز الثامنة عشر وعبود دخل سن السابعة عشر للتو، وهما أولاد أخي. والإثنان الآخران هما شقيقان أيضاً، سلوم 16 وجسوم 15 تقريباً وهما أولاد أختي.

لم أكتب هذا البوست لنية تعريفكم بمراهقين العائلة ومغامراتهم، إنما الهدف هو خلق خلفية، ولو أنها أتت مسترسلة شيئاً ما، لأصل إلى فكرة أخرى تتعلق بالإختلاف الكبير المحيّر بين تصرف كل من الأخوين الكبيرين حمود وعبود وإلقاء بعض الضوء على أسباب ذلك الإختلاف. ولاحاجة لإدخال الأخوين الصغيرين في الموضوع.

عبّود شاب متدين ملتحي - ببعض الشعيرات - وملتزم بفروضه، يؤديها كلها بوقتها حسب الإستطاعة. يقرأ القرآن بشكل منتظم ويقضي وقتاً طويلاً في الصلاة والدعاء، ويمتنع عن تناول أي مأكولات أو مشروبات يشك في حرمتها، ويمتعض من الدخول إلى أماكن اللهو أو الذهاب إلى الشاطئ تفادياً للنظر إلى العراة، ولايسمع الموسيقى أو يشاهد أي برامج يعتبرها حيائية أو إباحية على التلفزيون.

حمّود، أخاه الأكبر، عكسه تماماً. فالبرغم من أنه يؤدي الفروض من صلاة وصيام - على الظاهر - ولكن يلاحظ أن صلاته لاتستغرق دقيقتان بينما صلاة أخيه تتجاوز النصف ساعة مع قراءة الأدعية والقرآن، وصيامه تعتريه الشكوك لعدم تجنبه للمفطرات. حمود يستمع إلى الأغاني ويفضل الهارد روك ويتهزهز رقصاً عليه. كما أنه يتعلم العزف على الغيتار، ويذهب إلى الشاطئ، ويحادث البنات - العاريات - هناك ويغازلهن، ولايهتم ماإذا كانت المؤكولات التي يتناولها محرمة أم لا، ولم أره قط يقرأ القرآن ولم أسمعه يستشهد بآية أو حديث في حواراته.

تناقض بارز في التوجه الفكري والسلوكيات الناتجة عنه بين شقيقين يسكنان في نفس البيت ويذهبان إلى نفس المدرسة وينتميان إلى نفس الصحبة ويخضعان لنفس التوجيهات والإرشادات التربوية المنزلية والبيئية، فمالذي يجعل تصرف أحدهما مغاير تماماً للآخر؟

هذه دراسة أخرى مشابهة للبحث الذي ذكرته في البوست السابق، قد قرأتها منذ عدة شهور ووجدتها مثيرة وجديرة بالإهتمام ولكني لم أربطها بظاهرة حمود وعبود إلاّ الآن بعد أن جائا للإقامة معي وتسنى لي ملاحظة الفرق الشاسع في سلوكياتهما عن كثب.

في بحث أجراه الدكتور كوسيموا أرغَسي وزملائه في جامعة أردين الإيطالية، وجد تغيير ملحوظ في التوجه الروحي الديني للمرضى الذين أجريت عليهم عمليات في الدماغ لإزالة أجزاء من المخ نتيجة لأورام أو لأسباب أخرى، إذا قورنت ميولهم الروحية لماقبل العملية مع ميولهم لما بعد العملية. إذ قد أثبت البحث أن إزالة أجزاء من مناطق معينة في المخ تؤدي إلى زيادة في التوجه الروحاني الديني عند المرضى بعد إجراء العملية.

نتائح هذه الدراسة تحمل أبعاد هامة تشير إلى أن الروحانية والميول الديني له جذور بايولوجية عصبية. فإذا كان من الممكن تغيير التوجه الروحاني الديني بواسطة الجراحة ليزداد أو ينخفض، فهذا يعني أن أي اختلاف جيني أو خلقي في تلك المراكز الدماغية سوف يؤثر، إرتفاعاً أو هبوطاً، على الإستعدادات الفطرية لتقبل الدين عند كل فرد. مما يفسر إلى حد ما الإختلاف الملحوظ في التوجه الروحاني بين حمود وعبود.

مما يعني أيضاً، وهذا الإستنتاج في غاية الأهمية، أن الكفر والإلحاد أو الإيمان والتدين ليس خياران متاحان للأنسان ليعتنق أحدهما بكامل الحرية كما تريد أن توهمنا الأدبيات الدينية، إنما الفرد مقاد بخلقته العصبية التكوينية التي تفرض عليه إما بالإكتساب العشوائي خلال مراحل تطوره في الحمل أو بالوراثة الجينية من أبويه. ولكن في كلتا الحالتين المسؤولية في قوة توجهه الديني أو في ضعفه أو حتى غيابه لاتقع حصراً على إختياره الشخصي الحر أو على العوامل البيئية أو التبربوية، إنما على بنية خلاياه الدماغية أيضاً التي لايملك فيها أي خيار.

هذه البحث العلمي مع أبحاث كثيرة أخرى، ذكرت أحدها في البوست السابق، تجتمع في إستنتاجاتها على أن الإنسان ليس كائن بسيط التكوين في أفكاره وسلوكياته، تُعرض عليه مفاهيم هو ليس مقتنع بها ويُتوقع منه أن يقبلها هكذا بالأسلوب البلطجي الإرهابي "أسلم تسلم" بدون أي اعتبار للعوامل التربوية والثقافية والنفسية والخلقية التي تمتزج خلال نشأته لتكوّن شخصيته الفريدة وبنيته الفكرية وتحدد مدى قابليته لاعتناق أفكار معينة أو رفضها. 

فالتقدم العلمي المعرفي إذاً يكشف لنا عوامل كثيرة معقدة تتفاعل مع بعضها في تكوين شخصية الإنسان وبناء كيانه الفكري من الواضح والجلي أنها لم تنل حقها من الإعتبار في تشريع الأحكام التي تشير بدورها إلى جهل واضح بالطبيعة البشرية. إذ كان ولايزال من العدل وجوب مراعاة تلك العوامل قبل أن يُخيّر الإنسان مابين هذا أو ذاك ويُخضَع إذا تردد أو رفض لشتى أنواع الضغوط حتى ينصاع قسراً أو خبثاً لما يريد منه الآخرون .... أو إذا لم ينصاع، أن يُهدر دمه ويقتل. 
هل الإيمان بالله موجود في الدماغ؟ هل يوجد مركز في الدماغ للإيمان بالله؟ أين مركز الإيمان بالله في الدماغ؟ هل يوجد مركز للتدين في الدماغ؟ من اكتشف مركز الإيمان بالله في المخ؟ هل الإيمان بالله موجود في المخ؟ هل يوجد مركز في المخ للإيمان؟ أين مركز الإيمان بالله في المخ؟ هل يوجد مركز للتدين في المخ؟ أين مركز الدين في المخ؟ هل اكتشف مركز للتدين في المخ؟ ماهي مشاكل المراهقة؟ ماهي مشاكل المراهقين؟ ماهي أكبر مشاكل المراهقين؟ ماهي أكبر مشاكل المراهقة؟ كيف تحل مشكلة المراهقين؟ لماذا لايتدين المراهقين؟ لماذا يتدين المراهقين؟ لماذا ينفر المراهقين من الدين؟ كيف تقنع المراهقين على التدين؟

الجمعة، 27 أغسطس 2010

ساتيا ساي

::

هذه صورة لـ ساتيا ساي بابا ...

ولمن لايعرفه، ساتيا ساي بابا ليس كما قد يبدو من الصورة أنه شخصية من مخلفات هيبيز الستينيات أو امتداد لسايكوداليك السبعينيات، أو أن له علاقة بعالم الأفروأمريكي الموسيقي، فهو ليس بمطرب أو ملحن أوعازف، ولاهو بطبيب أو مهندس أو محامي، وقطعاً ليس بسمكري أو سائق أو طباخ ... إذ ليس لشخصيته أي علاقة بأي وظيفة دنيوية ... ولاهو بقسيس أو راهب أو كاهن ..... فمن هو إذاً؟

ساتيا ساي بابا هو في الحقيقة ... إله.

واستخدامي لعبارة " في الحقيقة" لم يكن إعتباطي عابر، بل متعمد. لأن ساتيا ساي بابا هو رب حقيقي، بكل ماتحمل الكلمة من معنى ... هو وبكل جدية .. إله 100%. وإذا وجدتوا أن تصريحي هذا صعب التصديق، فهذه نبذة موجزة عن سيرته لتروا بأنفسكم، وسوف تقتنعوا حتماً بعد أن تقرأوها:

ولد ساتيا عام 1926 في أحدى قرى جنوب الهند من حَمْلٍ حدث بمعجزة سبقته معجزات أخرى تشير إلى قدومه. وعندما كان طفلاً أظهر ذكاءً متوقداً ومهارات فوق العادة ميزته عن أقرانه في الكتابة والشعر ومجالات متعددة أخرى، ولكن مالفت إنتباه من حوله إلى كونه شخصاً خارق للطبيعة هو قدرته الميتافيزيقية على خلق الأشياء، كالطعام، من لاشئ.

وعندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، لدغته يوماُ ما عقرب فقد على أثرها الوعي، ولكن بعد شفائه منها خلال الأيام التالية، لوحظ عليه بعد تلك الحادثة تغير عميق في سلوكياته، فقد كان يتأرجح مابين الضحك والبكاء بدون أي سبب، وأبدى قدرة على الغناء بلغة هندية أخرى مختلفة بالرغم من أنه لم يتعلمها من قبل.

وبعد مرور أسبوعين من تلك الأحداث العجيبة، جمع ساثيا أهله حوله وأباح لهم بألوهيته، ثم أثبتها لهم بخلق السكر والحلويات من الهواء، وأبلغهم أنه تجسيد لروح قديس شهير كان قد توفى قبل ولادته بثمانية أعوام، وقد كان ذلك القديس نفسه تجسيد للرب الهندوسي العظيم شيفا، مما يعني أن ساثيا هو بدوره تجسيد لذلك الرب العظيم. وبعد ذلك التصريح الذي أذهل الحضور، أعلن ساثيا على الملأ بعدم وجود أي علاقة تربطه مع أي كائن آخر من البشر، مؤكداً بذلك الإعلان إختلاف ذاته الربانية عن الطبيعة البشرية.

هل صدقتوا الآن بأنه حقاً إله ... بدون ذرة من الشك؟
لا ؟؟؟ .... كيف لا؟ ... ألم تقتنعوا؟

أوكي .. لاألوكم ... فنظرة واحدة إلى وجهه تُثبت فوراً أنه من الإستحالة أن يكون هذا الشخص إله. لأنه لو كان فعلاً إله لاختار لنفسه وجهاً أجمل قليلاً من هذه البطاطس المزروعة على رقبته، إلاّ إذا كان إله بذوق عكر لايعرف الجمال .. أو أنه يحب التشبس! ولَحلَق كِشّته أيضاً لتفادي هوان تشبيه ذاته المقدسة بالجاكسون فايف، أو على الأقل مشطها .. لتخفيف الضحك عليها -  ولألا يحط الطير عليها ظناً منه بأنها شجرة (بذمتكم .. أحد منكم سمع بإله شعره كشة؟ ... يعني هل نفهم من ذلك جواز تسبيح أتباعه له بقولهم: "سبحان ربي بوكشه وبحمده؟ ... موضابطه) (الكِشّة = الشعر الأشعث).

وقصة نشأته المعجزة تلك، هي سيرة سخيفة لاتنطلي إلاّ على الأطفال والسذج وربما ذووا الثقافة المتواضعة، إذ لايمكن أن يصدقها الدكتور أو المهندس أو المحامي أو الأستاذ أو أي إنسان ناضج مفكر وعلى قدر كافي من الثقافة والذكاء .... صح؟

لأ ... غــلــط

إذ يقدر عدد أتباع ساثيا ساي بابا بستة ملايين مؤمن، أو مايقارب نصف عدد اليهود في العالم، تنتمي الغالبية العظمى منها في الهند إلى الطبقة الوسطى العليا التي تتمتع بأوفر حظ من الثقافة والغنى والنفوذ، وهؤلاء هم الطبقة المثقفة التي تُنتج الدكتور والمحامي والمهندس والأستاذ، ولاتقتصر مراتب أتباعه على الفئة الإحترافية بل تمتد لتشمل العديد من أصحاب القرارات السياسية والإقتصادية من الوزراء والرؤساء ورجال الأعمال!!!

فمالذي يحدث ؟؟؟
ماهو السبب، أو الأسباب التي تجعل هذه الشريحة المثقفة الواعية المدركة من البشر تخضع لمثل هؤلاء الدجالين المشعوذين؟

الإجابة على هذه التساؤلات لها أبعاد هامة للغاية ومزعجة نفسياً للكثير من الناس، لأنها تزعزع قناعات نشأ عليها الكثير منا حتى غدت مسلمات ثابتة لاتقبل الشك أو النقد. وقبل أن نتوغل في الطرح إليكم هذه الدراسة أولاً:

لمعرفة مايحدث في المخ قام أحد الباحثين في جامعة آرثوس الدنماركية بإجراء تجربة علمية على مجموعتين من المتطوعين، أحدها تتكون من أفراد متدينين والأخرى أفراد لادينيين، حيث أسمعهم ثلاث تسجيلات لأدعية دينية قيل للمتطوعين في كلتا المجموعتين أن التسجيل الأول يقرأه شخص لاديني والتسجيل الثاني لشخص متدين عادي والتسجيل الثالث لشخص متدين له قدرة على شفاء المرضى. ووضع المجموعتين من هؤلاء المتطوعين تحت آلة fMRI لتصوير العمليات التي تجري في أدمغتهم خلال إستماعهم لتلك الأدعية من الثلاث قُرّاء.

أظهرت صور الـ fMRI أن النشاطات الدماغية في المجموعة المتدينة فقط من المتطوعين هي التي حدث لها تغييرات تجاوباً مع الأدعية المقروءة عليها، ولم يطرأ أي تغيير على أدمغة المجموعة اللادينية عند الإستماع لنفس الأدعية. وأن أقصى تغيير حدث في الدماغ بعد الإستماع إلى الأدعية المقروءة نتج من قراءة المتدين الذي له قدرة على الشفاء، ولم يحدث أي تغيير من قراءة اللاديني. كما اكتشف الباحث أن هذه التغييرات التي طرأت على مخ المتدين المستمع، أدت إلى إغلاق الجزء الأمامي من دماغه، وهو مركز هام يلعب دوراً ضرورياً في توليد الشك والحذر عند تقييم المخ لما يقوله الناس. مما يعني أن هؤلاء الأفراد المتدينون معرضون فزيولوجياً لسهولة الوقوع تحت تأثير من يتمتع بثقتهم وله نفوذ عليهم، وهذا هو الإستنتاج الذي توصل إليه الباحث من تلك التجربة.

فاللإجابة على تساؤلاتنا السابقة: لماذا تخضع طبقة مثقفة واعية من الناس على مشعوذ مثل ساتيا ساي بابا وتصدق إدعائه الفاضح الشنيع بأنه إله، هو أن هؤلاء الناس معرضون فزيولوجياً لتصديقه بحكم التكييف الإجتماعي الديني المسبق لأفكارهم لتقبل مثل هذه المعتقدات. وقد يطرح بعض القراء تعقيباً على هذه الإجابة سؤالاً آخر مشروع وهو: لماذا يتأثر هؤلاء الأتباع هناك بذلك الدجال ولانتأثر نحن به هنا مثلاً؟ والجواب هو لأنه لاتوجد عندنا هنا قناعات مسبقة لمثل هذه المعتقدات بحكم نشأتنا على مفاهيم وأفكار مختلفة عن تلك التي نشأ عليها أتباعه، فلاتوجد في ثقافاتنا التي تدرس لنا منذ الصغر، في البيت أو المدرسة أو في المجتمع بشكل عام، أي مفهوم يدعم مبدأ تجسد الإله في البشر، إنما تلك المبادئ تنتشر بشكل كبير في المجتمعات الهندوسية ويتجرعها الناس منذ الصغر مما يهيأهم لتصديق مثل تلك المزاعم في كبرهم بالرغم من إرتفاع المستوى الثقافي وعمق الإدراك لديهم.

وهذه الخاصية الدماغية في تعطيل عملية توليد الشك والحذر عند تقييم أقوال الغير بالطبع موجودة عند جميع البشر، وتعرض أي إنسان للوقوع تحت تأثير أي شخص آخر يعتبر محل ثقة وسلطة، بصرف النظر عن أي دلائل ظاهرية كانت أو ضمنية تناقض مزاعمه (ككونه "جيكر" وعنده "كشة") ..... مما يجلب الطرح إلى مجتمعاتنا.

في مجتمعاتنا، هؤلاء الأفراد الذين هم أكثر عرضة للوقوع تحت تأثير الغير، وفقاً لتلك الدراسة، هم الفئة المتدينة التي تُبجل شيوخ الدين وتوقرهم، وتعتبر أقوالهم وخطبهم وفتاويهم مصدر يتحتم عليها الإلتزام به. فهذه الفئة سوف تتبع أي طلب أو فتوى أو أمر يفرضه عليها شيوخها بصرف النظر عن لامعقوليته أو سخفه أو حتى خطورته، بدون القدرة على تقييم ووزن مايطلب منها، ليس لنقص في ثقافتها أو ذكائها، ولكن لأسباب فسيولوجية دماغية طبيعية أثارها منهج الحث على طاعة وتبجيل كل من تقلد منصب سلطة واكتسب الثقة، ذلك المنهج الذي يتجرعه المتدين في الصغر وينمو معه عبر السنوات.

عندما يتفاعل المخ مع محيطه بتعطيل مراكز الحرص والتقييم لما يقوله الناس لالسبب سوى أن القائل يتمتع بمركز سلطة وثقة عند المستمع، فمحتوى رسالة القائل لن تحتاج إلى دليل أو منطق لتوصيلها، لأن المستمع سوف يتقبل أي معتقد يُصب في أذنه طالما أن مراكز تقييم المعتقدات معطل عنده.

فهل تستغربون الآن أن ساتيا ساي بابا هو إله حقيقي 100% عند الملايين من البشر؟
طبعاً ماقصدته في مقدمة الموضوع هو أنه إله حقيقي، ليس عندنا بالطبع ولكن عند الكثير غيرنا. أما نحن، فعندنا معتقدات أخرى كثيرة لاتقل سخافة عن معتقدات الآخرين ولانعرف مدى سخافتها ولاندرك لامعقوليتها لأن مركز التقييم في أدمغتنا معطل.


يوجد تحديث لهذا الموضوع تجدوه هـنـا

::
ساثيا ساي متربع على عرشه
(إضغط على الصورة لتكبيرها)
من هو إله الهندوس؟ من هم آلهة الهندوس؟ كم عدد آلهة الهندوس؟ من هو أكبر آلهة الهندوس؟ كم يبلغ عدد الهندوس؟ ماهو تعداد الهندوس؟ ماأسم آلهة الهندوس؟ ماأسم كبير آلهة الهندوس؟ هل هناك إله بشري؟ هل يوجد إله بشري؟ هل يوجد رب بشري؟ هل للهندوس آلهة بشرية؟ هل للهندوس رب بشري؟ ماأسم رب الهندوس البشري؟ هل ساثيا ساي بابا رب حقيقي؟ هل ساثيا ساي بابا مشعوذ؟ هل ساثيا ساي بابا رب أو بشر؟ هل ساثيا ساي بابا رب أو إنسان؟ من نصب ساثيا ساي بابا كرب؟ كم عدد أتباع ساثيا ساي بابا؟ أين يعيش ساثيا ساي بابا؟

الاثنين، 23 أغسطس 2010

زيارتي إلى معرض غونثر

::
غونثر فون هاغن

(تنبيه: هذا الموضوع قد يسبب نكدر لبعض القراء)

كنت متردد في البداية فيما إذا كان باستطاعتي مواجهة معروضات غونثر فون هاغن التي لن أصفها في مستهل هذا البوست إلاّ بالـ "غير تقليدية"، ولكن فضولي الشديد تغلب على ترددي وغمر مخاوفي من المجهول برغبة تحولت إلى إلحاح يحثني على الإستعجال في الزيارة قبل أن يمتثل المعرض إلى الحكم الصادر ضده بالتوقف عن العرض ويغلق على أثره أبوابه في آخر يوم له في لندن ليغادرها بلا رجعة.

كنت قد سمعت قبلها عن الألماني غونثر فون هاغن ومعروضاته الغريبة من خلال الضجة الإعلامية والجدل الذي كان يلاحق معرضه المتنقل أينما نزل بسبب إستياء بعض الناس من طبيعة المعروضات التي تنقسم الآراء في واقع الحال في تحديد ماإذا كانت تنافي كرامة الإنسان أم تساهم في توسيع أفقه المعرفي. وبالرغم من تلك المعارضة والجدل الذي يثار حوله فقد نجح المعرض في زيارة الكثير من عواصم دول العالم وحاز على استحسان أغلب زواره. فعندما أتي إلى لندن في مارس عام 2002، لم أستطع مقاومة الرغبة في مشاهدة هذه المعروضات، فأخذت قطار الأندرغراوند وذهبت لوحدي بعدما اعتذر جميع الأصدقاء الذين اقترحت عليهم المرافقة عن الذهاب إليه.

صادف ذلك اليوم عطلة الأحد الذي أجد فيه دائماً رتابة مملة وهدوئاً كئيباً مالم أشغل نفسي فيه بنشاط ما، يكون رياضي في العادة لأنه أكثر النشاطات فعالية في تبديد الرتابة والكآبة معاً لقدرته على إلهاء العقل وتشغيل الجسد في آن واحد. ولكن عزمي على زيارة المعرض في ذلك اليوم سلبني من هذا النشاط وحرر مخيلتي لتنطلق طوال رحلة القطار في أجواء متقلبة من الترقبات للمشاهد المسيئة التي سوف أجدها هناك، أضاف إلى تلك التخيلات التي كانت تدور في ذهني شيئاً من الغموض منظر الرجل المسن الشاحب الجالس أمامي في المقطورة وهو فاتح فمه، يحدق بعيناه الغائرتان في نقطة ما على زاوية السقف من فوقي، لم يزح النظر عنها طوال الرحلة. ربما كان يحلق في أجواء ذكربات الصبا، أم هل هو الخوف من مجهول الغد قد سَمّر نظرته؟

ترجلت من القطار بعد رحلة استغرقت قرابة الثلاثين دقيقة وخرجت من المحطة ليستقبلني رذاذ المطر وعتمة الجو الغائم وخلاء الشارع على مايبدو من أي حركة تشير إلى وجود حياة فيه، فقد كان الموقع الذي أختير لإقامة المعرض مقفراَ كالمقبرة، مما لايترك مجال للشك في أن الخيار كان متعمداً. ولكن قاعة العرض على الأقل لم تكن بعيدة عن المحطة، ففتحت مظلتي لاحتمي تحتها من رذاذ المطر وبدأت بالمشي إليها.

وعندما وصلت إلى صالة العرض التي يحتويها مبنى أشبه بمخزن متهاوٍ منه بمعرض دولي، دخلت من البوابة الزجاجية الحديثة التي تتنافر بدورها مع الطابع الفيكتوري القديم للواجهة الكلاسيكية لتزيد من حدة الشعور السلبي المتضارب الذي كان يكتنفني، وصعدت الدرج الخشبي الذي يؤدي إلى صالة العرض على الطابق الأول وأنا أتسائل عن طبيعة الرائحة البلاستيكية الغريبة التي تعبق البهو والتي لاأستطيع وصفها إلاّ بأنها تشبه رائحة الأجهزة الإلكترونية عندما تسخن. فدفعت رسم الدخول ودخلت القاعة.

بالرغم من أنني كنت على معرفة تامة مسبقة بطبيعة المعروضات التي جئت لأشاهدها، وبالرغم من أنني قد هيأت نفسي معنوياً، كما ظننت، للمشاهد العجيبة التي كانت تنتظرني، إلاّ أني لم أتحسب هول الصدمة التي انتابتني عندما وقفت وسط القاعة الصغيرة، على مقربة لاتتعدى المتر أحدق في الرجل الجالس يلعب الشطرنج وقد سلخ جلده وأزيل تماماً عن جسده، لتظهر أنسجة عظلاته المفصّلة حمراء كلحم الذبيحة مع أوعيته الدموية ظاهرة بكامل أنبوبيتها وأربطته الغضروفية مفصلة خيطاً خيطاً وهامة رأسه مزالة ليظهر مخه بكامل تعاريجه وأخاديده. ثم ألتفت لجانبي لأنظر إلى شخص آخر يقف منتصباً مسلوخ الجلد تماماً وقد فُتح صدره كالباب لتُكشف أحشاءه، وشُرّحت عضلات صدره وبطنه لتبدوا وكأنها أدراج خزانة مفتوحة. وإلى جانبي الآخر منظر هائل لحصان كامل مسلوخ الجلد يمتطيه راكباً مسلوخاً أيضاً ومفلوق الجمجمة، يحمل سوطاً بيد ومخه باليد الأخرى. وألتفت ورائي لأرى شخص آخر مفصول نصفين، من قمة رأسه إلى فرجه، يبعد كل نصف عن نظيره بفجوة قدم، في منظر يجهد العقل في استيعابه كونه قد تعود على رؤية الإنسان قطعة واحدة وليس شقين منفصلين.  

وقد يكون أصعب المشاهد تحملاً وأقساها على النفس في تلك القاعة الجنائزية هو منظر إمرأة مسلوخة حامل، مفتوحة البطن، يُرى داخلها جنينها الكامل البنية نائماً في سباته الأبدي، وقد سلبته المنية، كيفما أتت، الفرصة في تذوق رشفة من طعم الحياة.

وتصطف تشكيلة منوعة من تلك الأجساد التمثالية المسلوخة المهولة، بأدق تفاصيلها التشريحية المروعة على جانبي الممر الطويل الذي يقطع القاعة. إلاّ أن هذه الأجسام ليست بتماثيل صناعية، إنما هي جثث حقيقية لناس قد ماتت مؤخراً ووهبت من قبلها أجسادها هدية للعلم - والإستعراض - تتناولها يد غونثر فون هاغن  لتُظهر من خلالها مهارته التشريحية وموهبته الفنية.

غونثر هو دكتور أخصائي في التشريح، طور خلال السبعينيات طريقة في التحنيط تسمى بـ "البلستكة" Plastination (المصطلح العربي من عندي) تمنع الجسم من الذبول أو التحلل وتحتفظ بشكله الطبيعي كما لو كان الجسد حياً. وهذه الطريقة المتقدمة في حفظ الجسد حققت نجاحاً كبيراً في الاستخدامات العلمية وانتشر تطبيقها في الكثير من المؤسسات الطبية والتعليمية في كافة أنحاء العالم، كما أنها حققت نجاحاً كبيراً وشهرة دولية لغونثر شخصياً مكنته من إقامة تلك العروض الجنازية المتنقلة والتي استقطبت إلى الآن عشرات الملايين من الزوار ودرت عليه دخلاً مادياً وصل إلى 75 مليون دولار في عام زيارتي لمعرضه في 2002 منذ بدأ عروضه، ولاأدري كم وصلت الأرباح اليوم.

لم أمكث طويلاً في المعرض، بعد أن تشبع أنفي وحلقي وملابسي من رائحة الفورمالديهايد الكيميائية الحافظة، أو ربما الأنسب أن أسميها رائحة الموت، والتي ظلت عالقة في ملابسي والأسوء من ذلك في فمي لعدة أيام بعدها، ولم أعد أحتمل مناظر تلك اللحوم البشرية المحنطة بأوضاع طبيعية حية يصعب على العقل أن يتقبل أنها جثث لاتغدوا عن كونها الآن مجرد أشكال من الخلايا الميتة أوقفت الكيميائيات إنحدارها إلى هاوية التحلل والفناء، وليست بشر أحياء جُمّدوا في مسار التاريخ وخلعت عنهم جلوهم كما تخلع الملابس ووُضِعوا لنا على مسرح التسلية والتعليم كممثلين عرات مجردين من أغطيتهم الحضارية الخادعة لكي نرى فيهم حقيقتنا مكشوفة، ونشبع فضولنا المكتوم عما سوف يؤول إليه في النهاية مصيرنا.

فخرجت من المعرض وقد تلاشى عني الذهول الذي انتابني في اللحظات الأولى من تلك الزيارة الصادمة وبدأ يتكون محله مزيج غريب من التساؤلات والإستفسارات والإستنتاجات التي لابد أنها كانت محاولة لاشعورية مني لاستيعاب تلك التجربة السيريالية.

فمشيت أجر رجلي راجعاً إلى محطة القطار ومحتمياً تحت المظلة من رذاذ المطر الذي كان يمتطي كل لفحة هواء ليرش وجهي ويوقظني من غفوة تخيالتي لتلك الأجساد الحمراء الساكنة، وأنا أتمتم لنفسي:

بعض تلك الجثث هي لناس قد وهبت أجسادها لحاجتها في البقاء حتى لو ذهبت الذات، وبعضهم حباً للإستعراض حتى بعد الموت، والبعض الآخر لأهداف علمية وتعليمية نبيلة، وهكذا، كل من هؤلاء المتطوعين كان يحمل هدفاً خاصاً به يعكس تجاربه من الحياة ويساعده على تقبل حتمية إنتهائه. وربما بعضهم قد سمع عن عذاب القبر فاختار التحنيط حتى يتجنبه، كان بإمكانهم أيضاً إختيار الحرق بدلاً الدفن فهذا سوف يجنبهم محنة القبر أيضاً.

 
غونثر يشارك بعض الشخصيات المعروضة جلستها
(إضغط على الصورة لتكبيرها)
أين يوجد معرض غونثر فون هاغن؟ هل غونثر فون هاغن دكتور؟ من منكم زار معرض غونثر فون هاغن؟ ماجنسية غونثر فون هاغن؟ من يريد زيارة غونثر فون هاغن؟ هل يحتوي معرض غونثر فون هاغن على جثث بشرية؟ هل الجثث في معرض غونثر فون هاغن حقيقية؟ كيف يحنط غونثر فون هاغن الجثث؟ ماهي طريقة تحنيط الجثث؟ ماهي أفضل طريقة لتحنيط الجثث؟ كيف تحنط الجثث؟ ماهي المواد المستعملة في تحنيط الجثث؟

*  موقع المعرض (الهومبيج)  هـنـا
*  للمزيد من الصور  هـنـا