::
محور هذا الطرح أثاره تعليق أحد الزوار على البوست السابق، أود أن أتناول فيه باقتضاب إحدى المفاهيم الرئيسية للديانة الإسلامية. ورغم أن هذا المحور قد أشبع بحثاً خلال التاريخ، إلاّ أني لا أرى مانع من الإدلاء بدلوي فيه، على الأقل لزيادة معلومات من لم يصادفه من قبل.
من مميزات المفاهيم الدينية التي تكشف ركاكة مصنوعيتها البشرية المعرضة للتلف السريع، هي قابليتها للتفكك والتفتت تحت أقل ضغط من النقد والتمحيص. هذا الضعف المزمن في قوامها، يستلزم صيانة متواصلة لاتنتهي من مراوغات وتملص ولوي وعجن لترقيعه وتضميده. خذوا مثلاً مفهوم اللوح المحفوظ، الذي ذكرته بعبور سريع في البوست السابق.
على حسب فهمي لهذه الفكرة، الله خلق لوح (ربما لأنه لا يثق بذاكرته) وكتب فيه مصائر البشر المستقبلية قبل أن يخلقهم. فبناءً على هذا المفهوم، فلنتخيل هذا السيناريو الإفتراضي المدون في هذا اللوح المحفوظ:
محمود سوف يتخرج من جامعة الكويت في سن الـ 21، ويتعين بعدها بسنة كرئيس لقسم مكافحة الواسطة في وزارة مكافحة الفساد الكويتية (دعونا نحلم شوية)، ثم يتزوج بعد ذلك بسنتين من زميلته الجامعية الجميلة حورية بنت رجل الأعمال المشهور الملياردير كريم بن سخي الهامور، ويعيش حياة قصيرة، إنما هنيئة ورغدة إلى أن تأتي وفاته مبكراً في سن الـ 32 بتأثير مرض فتاك.
فالنفترض الآن، أن محمود يصاب بسرطان في سن الـ 31 لم ينفع معه أي علاج، ويخبره الأخصائيون في أفضل المستشفيات الغربية بأن المرض قد انتشر في جسمه وليس له أي أمل بالعلاج، ولن يتبقى له في الحياة أكثر من سنة. ولنفترض أن محمود قد باشر بالدعاء بعد سماع هذا الخبر الصاعق، متوسلاً إلى الله ومتضرعاً إليه لشفائه عملاً بآية أدعوني أستجب لكم من سورة غافر.
هنا تظهر الركاكة والتناقض واللامعقولية في المفاهيم الدينية. حيث أن الله قد كتب له في اللوح المحفوظ بأنه سوف يتوفى في سن الـ 32، كما هو محدد لجميع البشر في هذا اللوح، أنهم سوف يموتون في وقت ما، وهو الوقت الذي حدده الله لهم، فماذا سوف تكون نتائج الدعاء الذي يطلب الله من خلقه العمل به؟
أحد إحتمالين، إما أن الله سوف يتجاهل الدعاء، وتظل الأحداث تجري كما هي مدونة في اللوح المحفوظ بدون أي تغيير، أي أن محمود سوف يموت في سن الـ 32 مهما بذل من جهد في توسله وتضرعه ودعائه. وإما أن الله سوف يتجاهل مادونه في لوحه المحفوظ، ويشفى محمود، ويناقض بذلك تعريف حفظ اللوح من أي عبث أو تغيير، ويغير بذلك ليس فقط مجرى حياة محمود، إنما مجرى التاريخ بأكمله، فربما لو عاش محمود سنة إضافية، فسوف يأتيه ولد يهاجر بدوره إلى أمريكا ويصبح رئيساً لها، ويؤثر من خلال سياسته في مصائر 7 مليار نسمة، في حين لو مات محمود في السنة المخصصة له في اللوح المحفوظ، لن يحدث ذلك.
إذا اختار الله الإحتمال الأول، أي تجاهل الدعاء، بسبب أنه قد قرر مصير محمود مسبقاً ودونه في كتابه "المحفوظ"، فذلك يعني أن حثه لخلقه على دعائه والإبتهال له هو كذبة فاحشة. وإن اختار الإحتمال الثاني وغير تاريخ وفاة محمود، كمسح الطباشير من اللوح، فمفهوم تدوين مصائر البشر المستقبلية تفقد أي معنى، فكيف تكون مصائر البشر محددة ومدونة، إذا كانت تلك المصائر في نفس الوقت خاضعة للتغيير حسب متغيرات سلوكياتهم في المستقبل. هذه مفارقة منطقية صارخة.
مفهوم حرية الخيار التي تستند عليها مفاهيم قاعدية هامة كالدعاء، والكفر والإيمان، والثواب والعقاب، تتعارض مع فكرة تحديد المصير مسبقاً. فإما أن الإنسان حر في اختياره، أي في وقت من حياته يستطيع أن يحدد مصيره بنفسه، وبذلك ينطبق عليه مفهوم الثواب والعقاب، لأنه سيختار هذا الطريق أو ذاك، أو أن مصيره محدد ومقفول مسبقاً، كما يعكسه مفهوم اللوح المحفوظ. فمفهوم الجنة والنار في هذه الحالة، كغيره من المفاهيم والأفكار الدينية الكثيرة الأخرى، لا يستحق إلا الرمي في الزبالة، مكانها المناسب.
إنما لاشك بأن قرون من النبش والتنقيب عن تبريرات وترقيعات من قبل المعتذرين للدين، سوف يزود بعض القراء المتدينين ببعض الذخيرة للرد على هذا الإشكال. وتحسباً لذلك، أود أن أطرح إشكال آخر مرتبط بالموضوع، لأرى كيف يرد عليه هؤلاء القراء:
فكرة تدوين مصائر البشر، لا تناقض مفهوم حرية الخيار فحسب، بل الأهم من ذلك أنها تناقض مفهوم العلم الكامل، أحد الصفات الربوبية. فمعرفة الرب لماسوف يحدث في المستقبل، يعني بالضرورة أن الرب لا يستطيع تغييره (لأنه سوف يحدث) وهذا يطعن في قدرة الرب. أي أن مفهوم القدرة الكاملة يتعارض مع مفهوم العلم الكامل. فكروا ملياً في هذا التناقض قبل التسرع بالرد.
من مميزات المفاهيم الدينية التي تكشف ركاكة مصنوعيتها البشرية المعرضة للتلف السريع، هي قابليتها للتفكك والتفتت تحت أقل ضغط من النقد والتمحيص. هذا الضعف المزمن في قوامها، يستلزم صيانة متواصلة لاتنتهي من مراوغات وتملص ولوي وعجن لترقيعه وتضميده. خذوا مثلاً مفهوم اللوح المحفوظ، الذي ذكرته بعبور سريع في البوست السابق.
على حسب فهمي لهذه الفكرة، الله خلق لوح (ربما لأنه لا يثق بذاكرته) وكتب فيه مصائر البشر المستقبلية قبل أن يخلقهم. فبناءً على هذا المفهوم، فلنتخيل هذا السيناريو الإفتراضي المدون في هذا اللوح المحفوظ:
محمود سوف يتخرج من جامعة الكويت في سن الـ 21، ويتعين بعدها بسنة كرئيس لقسم مكافحة الواسطة في وزارة مكافحة الفساد الكويتية (دعونا نحلم شوية)، ثم يتزوج بعد ذلك بسنتين من زميلته الجامعية الجميلة حورية بنت رجل الأعمال المشهور الملياردير كريم بن سخي الهامور، ويعيش حياة قصيرة، إنما هنيئة ورغدة إلى أن تأتي وفاته مبكراً في سن الـ 32 بتأثير مرض فتاك.
فالنفترض الآن، أن محمود يصاب بسرطان في سن الـ 31 لم ينفع معه أي علاج، ويخبره الأخصائيون في أفضل المستشفيات الغربية بأن المرض قد انتشر في جسمه وليس له أي أمل بالعلاج، ولن يتبقى له في الحياة أكثر من سنة. ولنفترض أن محمود قد باشر بالدعاء بعد سماع هذا الخبر الصاعق، متوسلاً إلى الله ومتضرعاً إليه لشفائه عملاً بآية أدعوني أستجب لكم من سورة غافر.
هنا تظهر الركاكة والتناقض واللامعقولية في المفاهيم الدينية. حيث أن الله قد كتب له في اللوح المحفوظ بأنه سوف يتوفى في سن الـ 32، كما هو محدد لجميع البشر في هذا اللوح، أنهم سوف يموتون في وقت ما، وهو الوقت الذي حدده الله لهم، فماذا سوف تكون نتائج الدعاء الذي يطلب الله من خلقه العمل به؟
أحد إحتمالين، إما أن الله سوف يتجاهل الدعاء، وتظل الأحداث تجري كما هي مدونة في اللوح المحفوظ بدون أي تغيير، أي أن محمود سوف يموت في سن الـ 32 مهما بذل من جهد في توسله وتضرعه ودعائه. وإما أن الله سوف يتجاهل مادونه في لوحه المحفوظ، ويشفى محمود، ويناقض بذلك تعريف حفظ اللوح من أي عبث أو تغيير، ويغير بذلك ليس فقط مجرى حياة محمود، إنما مجرى التاريخ بأكمله، فربما لو عاش محمود سنة إضافية، فسوف يأتيه ولد يهاجر بدوره إلى أمريكا ويصبح رئيساً لها، ويؤثر من خلال سياسته في مصائر 7 مليار نسمة، في حين لو مات محمود في السنة المخصصة له في اللوح المحفوظ، لن يحدث ذلك.
إذا اختار الله الإحتمال الأول، أي تجاهل الدعاء، بسبب أنه قد قرر مصير محمود مسبقاً ودونه في كتابه "المحفوظ"، فذلك يعني أن حثه لخلقه على دعائه والإبتهال له هو كذبة فاحشة. وإن اختار الإحتمال الثاني وغير تاريخ وفاة محمود، كمسح الطباشير من اللوح، فمفهوم تدوين مصائر البشر المستقبلية تفقد أي معنى، فكيف تكون مصائر البشر محددة ومدونة، إذا كانت تلك المصائر في نفس الوقت خاضعة للتغيير حسب متغيرات سلوكياتهم في المستقبل. هذه مفارقة منطقية صارخة.
مفهوم حرية الخيار التي تستند عليها مفاهيم قاعدية هامة كالدعاء، والكفر والإيمان، والثواب والعقاب، تتعارض مع فكرة تحديد المصير مسبقاً. فإما أن الإنسان حر في اختياره، أي في وقت من حياته يستطيع أن يحدد مصيره بنفسه، وبذلك ينطبق عليه مفهوم الثواب والعقاب، لأنه سيختار هذا الطريق أو ذاك، أو أن مصيره محدد ومقفول مسبقاً، كما يعكسه مفهوم اللوح المحفوظ. فمفهوم الجنة والنار في هذه الحالة، كغيره من المفاهيم والأفكار الدينية الكثيرة الأخرى، لا يستحق إلا الرمي في الزبالة، مكانها المناسب.
إنما لاشك بأن قرون من النبش والتنقيب عن تبريرات وترقيعات من قبل المعتذرين للدين، سوف يزود بعض القراء المتدينين ببعض الذخيرة للرد على هذا الإشكال. وتحسباً لذلك، أود أن أطرح إشكال آخر مرتبط بالموضوع، لأرى كيف يرد عليه هؤلاء القراء:
فكرة تدوين مصائر البشر، لا تناقض مفهوم حرية الخيار فحسب، بل الأهم من ذلك أنها تناقض مفهوم العلم الكامل، أحد الصفات الربوبية. فمعرفة الرب لماسوف يحدث في المستقبل، يعني بالضرورة أن الرب لا يستطيع تغييره (لأنه سوف يحدث) وهذا يطعن في قدرة الرب. أي أن مفهوم القدرة الكاملة يتعارض مع مفهوم العلم الكامل. فكروا ملياً في هذا التناقض قبل التسرع بالرد.
* * * * * * * * * *








