::
في ساعة ما، في أحد أيام الخريف الباردة من أوائل شهر نوفمبر الحالي، حين تطرح الأشجار ردائها الأخضر الزاهي وتتعرى للشتاء، وتنفش الطيور ريشها لتحتمي من قسوة البرد بين غصونها الجرداء، وتقصر ساعات النهار وتطول ظلمة المساء، سوف يتزاحم جمع من أنبغ العلماء، حول شاشات كمبيوتراتهم في غرفة المراقبة الدافئة في سيرن CERN ليحدّقوا فيها بعيون جاحظة وأفواه مفتوحة وهم يتطلعون بلهف وترقب مُلِحْ إلى أمل النيل بلمحة خاطفة تومض على شاشاتهم وتكشف لهم أسرار اللحظات الأولية من خلق الكون.
وكيف سيتمكن هؤلاء العلماء من رؤية عملية الخلق الغيبية كما كانت تجري على قدم وساق؟
هل سوف تأتيتهم مخلوقات نورانية مجنحة بفيديو كليب عن تلك اللحظات الإبتدائية للخلق؟
وكيف سيتمكن هؤلاء العلماء من رؤية عملية الخلق الغيبية كما كانت تجري على قدم وساق؟
هل سوف تأتيتهم مخلوقات نورانية مجنحة بفيديو كليب عن تلك اللحظات الإبتدائية للخلق؟
لو تفضلت تلك المخلوقات الماورائية، ولو سُمح لها بإحضار نسخة مرئية، تكشف خطوات تلك العملية الغيبية، لسهُلت مهمة العلماء في معرفة ماحدث في تلك اللحظات الخلقية، ولكن علماء الإنسانية الأجلاء لم يعتمدوا ولن يعتمدوا قط على الماورائيات في حل معضلات الوجود وكشف أسرار الكون، فقد صنعوا بأيديهم مايُمكنهم من سبر أغوار الوجود وفك رموزه، إذ تجري التحضيرات هذه الأيام في غرف عمليات المصادم الهدروني الكبير التابع لسيرن - المنظمة الأوربية للأبحاث النووية - لإطلاق حزم إشعاعية من أيونات عنصر الرصاص لترتطم ببعضها في المصادم وتعيد بشكل مصغر لحظة الإنفجار العظيم الذي خلق الكون.
هذه الخطوة من مراحل عمل المصادم الهدروني سوف تُمكّن العلماء من معرفة الحالة التي كانت المادة عليها في تلك اللحظات القصيرة التي أعقبت الإنفجار الكبير Big Bang. وكما وعدتكم في بوستات سابقة، سوف أتابع التطورات الهامة لهذه التجارب الجلل التي يقوم بها العلماء في المصادم الهدروني الكبير وأنشرها لكم هنا.
هذه الخطوة من مراحل عمل المصادم الهدروني سوف تُمكّن العلماء من معرفة الحالة التي كانت المادة عليها في تلك اللحظات القصيرة التي أعقبت الإنفجار الكبير Big Bang. وكما وعدتكم في بوستات سابقة، سوف أتابع التطورات الهامة لهذه التجارب الجلل التي يقوم بها العلماء في المصادم الهدروني الكبير وأنشرها لكم هنا.
منذ أن بدأ العمل في المصادم الهدروني، كانت الإرتطامات الإبتدائية فيه تنحصر على البروتونات فقط (وهي إحدى مكونات نواة الذرة)، ولكن التجارب قد وصلت الآن إلى مراحل متقدمة تخول العلماء فيها من إنجاز أحد أهم أهدافه وهو الإطلال على تلك اللحظات التي أعقبت الإنفجار الكبير، ولتحقيق هذا الهدف يتحتم إستخدام ذرات الرصاص الثقيلة في التصادم بدلاً من البروتونات. وسوف تستمر هذه التجارب لأربعة أسابيع إبتداءً من أوائل شهر نوفمبر القادم.
ولمن لايعرف الكثير عن المصادم الهدروني الكبير فهو باختصار عبارة عن أنبوبة دائرية ضخمة مبنية في نفق تحت الأرض بين حدود فرنسا وسويسرا يبغ طولها 27 كيلومتر تطلق فيها أشعاعات نووية في إتجاهات معاكسة لتصطم ببعضها وتُدرس بعد ذلك نتائجها. ويحتوي ذلك النفق الطويل على أربعة غرف للتجارب وتصوير الإرتطامات، وتلك الغرف موزعة على طول النفق وكل غرفة منها لها دور محدد لدراسة جانب مختلف من طبيعة الإرتطامات. وأحد تلك الغرف وأسمها أليس ALICE قد صُممت خصيصاً لدراسة إرتطامات أيونات الرصاص (والأيونات هي ذرات تحمل شحنة كهربائية) والتي سوف تكشف لنا أحد أسرار الإنفجار الكبير.
يقول جيمس جيليس، الناطق الرسمي لسيرن، أن تلك التجربة المرتقبة سوف تزودهم بعلومات عن الحالة التي كان عليها الكون في اللحظات القصيرة المباشرة بعد ظهوره قبل 13.7 بليون سنة، إذ أنها سوف تمكنهم من النظر إلى الكون خلال تلك البرهة التي أعقبت ظهوره كنقطة من الطاقة متناهية في الصغر، والتي أدى تضخمها فيما بعد إلى تشكّل الكون الهائل الذي نراه الآن. إذ يعتقد العلماء أن في تلك اللحظة المبكرة في تشكيل الكون، كانت تتواجد حالة خاصة للمادة تختلف عن جميع حالاتها التي نعرفها اليوم عنها يطلق عليها أسم: كوارك غلوون بلازما Quark-Gluon Plasma وهي الحالة التي يمكن الوصول إليها من خلال التجربة إذا تمكن العلماء من صهر أيونات الرصاص، وهو ماسوف يحدث عند التصادم.
فإذا استطاع العلماء أن يخلقوا هذه الحالة من المادة في المصادم، سوف يتمكنوا من دراستها وبالتالي معرفة كيف تطورت وكيف أدى تطورها إلى وجود المادة التي يتكون الكون والبشر وباقي الكائنات الحية منها. أو بعبارة أخرى، سوف يتمكن العلماء من دراسة الخلق ذاته بأدق تفاصيله.
ولتحقيق هذا الإنصهار، سوف ترفع الإصطدامات درجة حرارة أيونات الرصاص المتراطمة إلى عشرة تريليون درجة مئوية، تحدث في غضون واحد من ترليون ترليون جزء من الثانية ...
بذمتكم ... أليس هذا إنجاز بشري حضاري مذهل؟
يضاهي حتى إكتشاف فوائد بول البعير في حضارتنا؟
توجد بوستات كثيرة سابقة تتناول تطورات التجارب في المصادم الهدروني الكبير تجدونها هنا وهنا وهنا وهنا وهنا وهنا
توجد بوستات كثيرة سابقة تتناول تطورات التجارب في المصادم الهدروني الكبير تجدونها هنا وهنا وهنا وهنا وهنا وهنا
والصورة أعلاه تمثل سيميوليشن على الكمبيوتر لارتطام أيونات الرصاص في المصادم الهدروني.












