الثلاثاء، 26 يناير، 2010

الغويداك ... وفكاهة الحكمة السماوية

الموضوع :
قبل أن تشطح مخيلتكم بعيداً ، أود أن أوضح بأن هذا الشــــيئ الذي يمسكه الرجل في الصورة ليس كما قد يعتقد البعض منكم ، إنما هو حيوان بحري من فصيلة المحّار يُسمى غويداك Geoduck يصل طوله أحياناً ، عند التمدد ، إلى مايقارب المتر !!


تساؤلات عابرة :

حيث أن التشابه ماببن هذا الحيوان والعضو الجسدي الذي يتوجب إخفائه ، على الأقل في الأماكن العامة ، كبير إلى هذا الحد ، هل يجوز الإمساك به أو حتى النظر إليه من المنظور الشرعي؟ وما الحكمة في خلق حيوان يشبه إلى حد كبير عورة يستلزم إخفائها؟
::
* * * * * * * * * *



الثلاثاء، 19 يناير، 2010

زلزال هايتي - التبريرات الموهومة للحكمة المزعومة

الموضـــوع :


لم يكد يمر نصف عقد من الزمن وهانحن نواجه ، مرة أخرى ، كارثة قد تساوي في هولها وروعها ، وأعداد الضحايا لاتزال تتصاعد عند كتابة هذا البوست ، كارثة التسونامي التي ضربت البشرية الغافلة بعشوائية وشراسة بشعة سنة 2004 غير مكترثة بطفل أو شيخ أو غني أو فقير أو مؤمن أو كافر. فالشر الذي يسود العالم بأقبح وجوهه ، وماهاتان إلاً نموذجان يمتلأ التاريخ بما هو أشد وأقسى منهما ، كان ولايزال يمثل أشواكاً حادة تقض مضجع المتدين المؤمن بوجود إله كامل العلم والقدرة والرحمة ، لايتمكن من تفادي وجعها بتورية رأسه تحت لحاف التبريرات المهلهل الذي لايمنع ضوء الحقيقة من تخلله. فكما تسائل الفيلسوف دافيد هيوم في القرن الثامن عشر مكرراً تساؤلات أبيقور قبله والتي دوى صداها في أطروحات المفكرين والفلاسفة عبر القرون ولاتزال تدوي إلى اليوم دون أي رد شافي :

"إن كان الله يريد أن يمنع الشر ولكنه غير قادر ، فهو ناقص القدرة
وإن كان قادر ولكنه لايريد ، فهو شرير
أما إن كان قادر ويريد ، فمن أين أتى الشر إذاً ؟"

عندما وجهت هذه التساؤلات إلى جايل فريزر ، قسيس كاتدرائية سينت بوول في لندن ، في سياق أحداث زلزال هايتي ، لم ينحرف رده عن أسلوب المراوغة والتهرب الذي شحذته قرون من الممارسة حتى وصل إلى درجة الإبداع عند شيوخ الدين حين قال أنه ...

"يفضل الإجابة على التساؤلات بدعاء وليس بنقاش"

فهم معذورون في موقفهم هذا حيث أن الله لم يمدهم بحجة مقنعة في أي من كتبهم المقدسة لتبرر هذه الوحشية الربانية الصارخة وتباينها السافر بين رحمته المزعومة. أنظر مثلاً كيف استجاب الله لنبيه أيوب في الإنجيل الأبوكرافي عندما أشتكى الأخير لربه من المعاناة التي أنزلها عليه ، ومن عدم الإستطاعة في التحاور معه بالرغم من أنه كامل القدرة ، ولعدم إمكانية رؤيته أو محاسبته حتى وصلت شكوى مضرب الأمثال النبي الصبور إلى إتهامه لربه بغياب عدله مخاطباً إياه يقوله :

"لقد خُدِع من أمِن (إليك)"

كان رد الله على هذه الشكوى والتهم الموجه إليه من نبيه هو إلتزام الـصـمـت ! هل نسمي هذه حكمة ، أم هي ياترى إشارة بأن حتى الله قد عجز عن تبرير سلوكه ؟ فإن كان هذا موقف الخالق ، فماذا نتوقع من المخلوق غير المراوغة ؟

ولكن المبشر الأمريكي الشهير بات روبرتسون لم يراوغ ولم يلتزم بالصمت ، بل قدم لنا ماهو أسوء حين كشف بكل أمانة (وصفاقة) فهمه الصحيح للنصوص المقدسة وأعلن على الملأ ، غير مكترث بنوبة السخرية الممزوجة بالغثيان التي أصابت كل من حمل في وجدانه ذرة من الإنسانية : "أن زلزال هايتي هو نتيجة حتمية للّعنة (الإلهية) التي حلت على شعبها بعد أن أبرم عقداً مع الشيطان لتحريره" من هوان الرق والإستعباد الفرنسي في القرن التاسع عشر. وهكذا يعاقب الله كل من تحالف مع أعدائه ، مهما كان بؤس الحالة ونبل الغاية ، عقاب جماعي شامل يصيب المذنب والبريئ ولا تفلت منه حتى البهيمة ، والتطابق السافر في المنطق الأعوج مابين شيوخ الغرب وشيوخ العرب واضح ، وإن بعدت المسافة ، فالعقلية الفارغة واحدة.

ولكن حتى لو كان مزعم بات روبرتسون صحيحاً فلنا الحق أن نتسائل :

لماذا رفع إله يفترض فيه الرحمة يده عن شعب بأكمله ليضطرهم إلى التحالف مع عدوه ؟
لماذا لم يحرر هو بنفسه الشعب الهايتي من هوان الرق والإستعباد ؟
لماذا لم يمنع إستعباد الشعب الهايتي أصلاً ؟
ولماذا يعاقب الشعب الهايتي الآن على ذنب اقترفه أجدادهم منذ مئتي سنة ؟

سوف أطرح بعض النماذج لمحاولات كبار الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ للإجابة على مثل هذه التساؤلات ، ولكن حتى نتقدم بالحوار يجب أن نتعرف على نوعين من الشر :

النوع الأول هو الشر الذي ينتج عن أفعال البشر كالقتل والسرقة مثلاً
أما النوع الثاني فهو مايصدر عن الطبيعة كالزلازل والفيضانات

فمن جملة التبريرات التي طرحها المفكرون بمختلف توجهاتهم العقائدية عبر القرون عن النوع الأول من الشرور هي ماقدمه الفيلسوف الروماني القديس أوغاستين في القرن الرابع الميلادي والأديب والعالم الثيولوجي سي أس لويس في القرن المنصرم ، أن الله يسمح بحدوث الشر الذي ينتج عن البشر لأن منعه يزيل حرية الإختيار التي منحها لهم مما يقوّض حكمة التخيير والتسيير.

ولكن هناك رأي يفند هذا التبرير وهو وجود إناس لاترتكب الشرور ، أي لاتقتل ولا تسرق ولاتعتدي ولاتؤذي بالرغم من إتاحة خيار الخير والشر وفي غياب التوجيه العقائدي لهم ، فلماذا لم يخلق الله البشر من هذه النوعية ؟ فهم لايزالون مخيرون ، ولكنهم بالرغم من ذلك يفضلون الخير على الشر. حصر الخلق في هذا النوع من البشر لايمنع المعاناة الدنيوية التي تنتج عن شرورهم فحسب بل يمنع تعذيبهم الأزلي أيضاً رحمة ورفقاً بهم في دنياهم وآخرتهم.

وحتى لوسلمنا بهذه التبريرات ، فهي لاتنطبق على النوع الثاني ، ويظل الشر قائماً بمعزل عن أي تأثيرات بشرية ، مباشرة كانت أو غير مباشرة له. فانجراف القارات أو مايسمى بــ Plate Tectonics والمسبب لأشد الكوارث الطبيعية فتكاً بالإنسان كالزلازل والبراكين والتسونامي موجود قبل ظهور الإنسان بملايين السنين ولاعلاقة له بفجورهم أو تقواهم ، فتظل أصابع الإتهام موجه إلى مصمم الإنجراف القاري المؤدي إلى هذه الكوارث أصلاً.

للإلتفاف حول هذه المعضلة ، تبنى بعض الفلاسفة المتدينون ، مثل القديس أرينياس في القرن الثاني الميلادي والفيلسوف جون هيك في القرن الماضي ، خط آخر في تفسير وجود الشر بقولهم أن الخير لاينتج إلاّ من معاناة البشر !

حتى يوضح للقارئ معنى هذا الخط من التفكير ، دعنا نفترض عدم وجود أي نوع من الشر في الدنيا ، أي لاتوجد زلازل أو براكين أو أوبئة أو قتل أو نهب أو أي معاناة ، وحتى لوسقطت صخرة على رأس أحد فأنها لن تؤذيه ، فعند التساؤل : لماذا لم يخلق الله هذا النوع من الدنيا ؟ يُجاب عليه ، حسب هذا التبرير ، بأن الخير لن يظهر في مثل هذه الدنيا كونه ، أي الخير ، نتاج سلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان وقت معاناته. فإن لم تكن هناك معاناة فلن تكون هناك حاجة لظهور الخير. فالشجاعة مثلاً لاتظهر إلاّ عند الخطر ، فإن لم يكن هناك خطر فكيف تظهر الشجاعة ؟ وبالمثل ، أن الشفقة وحب المساعدة لاتظهرا إلاّ عند المأساة ، فأن لم تكن في الدنيا مآسي فلن تظهر الشفقة.

ولكن حتى هذه التبريرات تتهاوى حين نتسائل : مالذي يمنع من وجود الشجاعة والشفقة وحب المساعد وجميع الصفات الحميدة في البشر حتى ولولم يكن هناك حاجة لها بأن تظهر ؟ وحتى لو افترضنا أن هذه الخصال الحميدة التي لاتظهر إلاّ بوجود الشر ، ألا تكفي الشرور الموجودة في الدنيا بين البشر حتى يكدس الله شرور إضافية عليهم مثل الزلازل والبراكين والفيضانات والعواصف والأوبئة والعاهات والتشوهات الخلقية ؟

ولعل أسوأ مافي هذا الخط من التبريرات هو مضمونها كما أظهرته معارضة الفيلسوف الألماني إيمانيول كانت لها في محور كتاباته حين قال "أننا نحن البشر نستهجن إستغلال بعضنا لبعض كوسيلة لتحقيق مآربنا ، ولكن الظاهر ، حسب هذا التبرير ، أن الله بنفسه يستخدم هذا الأسلوب في إستغلال بعض البشر بإنزال الكوارث عليهم ليعانوا حتى يُظهر الخير في الباقي منهم وهو المفترض بأنه الرحيم والعادل". وماالفائدة من ظهور الخير إن لم تكن هناك حاجة له أصلاً ، وخصوصاً إن كان ظهوره متوقفاً على المعاناة ؟

ونعيد ، لماذا ينزل الله الكوارث على البشر ؟
يبقى السؤال معلق على شماعة الحكمة الإلهية.


مبني على ترجمة لمقالة الفيلسوف دافيد بَين بتصرف وإضافات