الجمعة، 2 يناير، 2015

خواطر أول يوم من السنة

::
أجد بعض الصعوبة في تقبل أن هذا الصباح هو اليوم الثاني من السنة الجديدة! مر من الوقت على تنزيل المعايدة في البوست السابق أكثر من يوم كامل، ولكني أشعر أني قد أنزلتها منذ بضعة لحظات. وهذه حالتي مع الوقت، لدي إحساس مرهف بمروره.

لا أستسيغ في الحقيقة هذه الإشارات الزمنية التي تنبهني بشكل متواصل بمرور الزمن: نهاية اليوم وبداية يوم جديد، نهاية الأسبوع وبداية أسبوع جديد، نهاية الشهر وبداية شهر جديد، وهكذا تتابع الحقبات بشكل مستمر لتذكرني في كل نقطة إنتقال بين يوم ويوم وأسبوع وأسبوع بما انقضى من عمري. والأسوء، بما تبقى منه.

هذا الإدراك المرهف بمرور الوقت، أتى كنتيجة مباشرة لاكتشافي بحقيقة الحياة وحقيقة الوجود، وحقيقة الوجود مادية بحتة - بالمفهوم الفيزيائي - مجردة تماماً من الغيبيات. فمن المنظور العلمي، لا يوجد في الحياة أو الوجود بأكمله أي حيز أو إشارة أو حتى حاجة للرجوع إلى التفاسير الميتافيزيقية في محاولات فهمنا للطبيعة وظواهرها. بل بالعكس، جميع المشاهدات والتجارب التي أجريت خلال مئات السنين، لم تسفر أو تشير إلى أي تدخل أو خرق ميتافيزقي لظواهر الطبيعة. ففكرة وجود مخلوقات وعوالم لامرئية ولا محسوسة كالجن والعفاريت والملائكة، بل فكرة الربوبية بأكملها، تظل مجرد أفكار وقناعات ليس لها أي سند على أرض الواقع التجريبي الموثق. 

فعندما تنتهي السنة وتقبل سنة جديدة، أنظر لما مضى من وقتي في تلك السنة وأتطلع إلى السنة القادمة من قمة تلة الواقع الذي تضيئه لي أنوار العلوم التجريبية الصلبة، وليس من خلال أفكار ومفاهيم بدائية مهلهلة موروثة من جدتي.

فحين أنظر إلى ماسلف، أتسائل ماذا حققت وماذا أنجزت من أعمال تفيدني في حياتي المحسوسة الملموسة هذه، وحين أتطلع إلى السنة الجديدة أفكر كيف أستفيد مما تبقى من وقت لي في هذا الوجود، الوحيد. ولكن عندما تدخل السنة الجديدة على المؤمن، يفكر هذا العابد الصادق الخالي من الرتوش والنفاق، كيف قضى وقته في تلك السنة؟ هل أدى صلاته على الوجه الأكمل؟ هل أغواه ابليس؟ هل عصى ربه في شيئ؟ وعندما يتطلع إلى السنة الجديدة، فجميع أولوياته محصورة في دائرة كيف يرضي ربه، وجميع المهام الأخرى تندرج خارجها.

بالإضافة إلى جانب العنف الوحشي المقيت الذي يتسم به الدين الإسلامي بالذات، فأبشع وجه آخر لهذا الدين هو الحث والتحريض، بل التهديد، على تكريس هذه الحياة الوحيدة التي لا تقدر بثمن على قضائها في تبني أفكار أبعد ماتكون عن الواقع، وممارسات وطقوس خالية عقيمة لا تفيد المسلم بشيئ سوى ربما تخفيف وطئة مشاكل الحياة عليه. ولكن حتى هذه الفائدة، إن قبلنا بأنها فائدة، ليست سوى عملية تزويد بآمال كاذبة وزائفة.

فهانحن اليوم قد شطبنا سنة كاملة من روزنامة أعمارنا، وماتبقى منها قد تقلص قليلاً للشباب منا وكثيراَ لشيوخنا، والمدرك منا قد وعى الحقيقة المجردة للحياة وبنى ما تبقى من مستقبله على هذا الوعي.

وكل عام وأنتم بخير

* * * * * * * * * *