الخميس، 28 أكتوبر، 2010

خواطر من المقبرة

::
::
بعدما انتهيت من العمل يوم الجمعة الماضي، كنت أتطلع بشغف إلى يومين من عطلة الويك إند أقضيهما مابين الطهي والقراءة والإسترخاء وأنهيهما بأمسية موسيقية رومانسية سعيدة. ولكن الأقدار قررت أن تتلف المزاج وتعتم الأجواء بضباب الحزن والكآبة من اللحظات الأولى. فقد أتتني مكالمة هاتفية وأنا على وشك مغادرة المكتب لتخبرني بأن نهلة قد توفت صباح ذلك اليوم.

نهلة بنت أعرفها جيداً، لم تبلغ الرابعة عشر من عمرها حين أغمضت عيناها ذلك الصباح وزفرت آخر نفس لها. كانت قد عانت بلاء المرض منذ ولادتها، ولم يمر أسبوع واحد من حياتها القصيرة بدون آلام أو معانات بشكل أو بآخر. كانت صغيرة الحجم لعمرها بسبب مرضها، بشوشة الوجه باسمة الشفتين بريئة الملامح، ولكن تلك الإبتسامة المرسومة لم تستطع غمر أحزانها التي يفشيها إنسدال إجفانها وإنخفاض نظراتها وسرحانها المتكرر حين تخاطبها. لم أرها فرحة قط إلاّ خلال الأسابيع السابقة لوفاتها عندما كانت تتطلع بسعادة بالغة وأمل كبير إلى شفائها بعد إجراء سلسلة من العمليات الجراحية الرائدة خلال تلك الفترة. فما الذي حدث؟ كيف توفت فجأة؟

بعد سنوات طويلة من المعانات، لم يحتمل قلبها المنهك أعباء تلك السلسلة من العمليات الصعبة، فاستسلم وتوقف.

*****

جلست في سيارتي لأحتمي من برودة الجو ورذاذ المطر بعدما وصلت إلى المقبرة مبكراً وأوقفت السيارة في ساحتها الدائرية الصغيرة أنتظر قدوم الموكب الجنائزي. لم أرى سيارات أخرى في الموقف عند وصولي سوى واحدة أمامي قد خرج منها ركابها الثلاث ووقفوا في المطر بدون غطاء يتحدثون ويدخنون السجائر. فنظرت إلى الساعة التي أشارت إلى الرابعة والثلث مساءً، قبيل موعد الدفن بعشرة دقائق، وعدت بنظري إلى الشباب الثلاثة أراقبهم بلا اهتمام وأتفرس في ذات الوقت بدموع الغيوم الشاحبة وهي تهطل وتنسال على زجاج السيارة أمامي، وأستمع إلى أوتار المطر تعزف برتابة على السقف من فوقي لتخفف عني وطأة الصمت المطبق وتضيف ألحاناً حزينة إلى شعور الإنقباض والترقب.

وصل الموكب بعدها بقليل ودخل من البوابة تتقدمه عربة سوداء تحمل نهلة في تابوتها تتبعها سيارة أهلها وموكب سيارات المعزين من خلفها. وتوالت السيارات في الدخول وتدفقت إلى الساحة الصغيرة لتتزاحم على المواقف الخالية، بينما استمرت عربة التابوت وسيارة الأهل في سيرهما البطيئ تحت مظلة من أشجار البلوط التي تحف الطريق الضيق الطويل المؤدي إلى موقع القبر. فترجلت ومن معي من السيارة لنمشي مسرعين مع جموع المعزين تحت وطأ المطر لننظم إلى أهل نهلة في آخر وداع لها قبل أن توارى تحت التراب.

*****

وقفت عند القبر قريباً من حافته محاطاً بجموع المعزين أنظر إلى قعر الحفرة التي سوف تأوي مثلها كل واحد منا يوماً ما وأحاول تجميع شتات أفكاري التي تبعثرت مابين الإستماع إلى همهمة وترديد المعزين للآيات والأدعية، ومحاولة جمح نفوري من منظر الدفن القادم وتضايقي من قطرات المطر التي لاتكف عن لفج وجهي كلما رفعت رأسي لأشيح بنظري عن الحفرة. ولكن إهتمامي تركز فوراً على صلاح، والد نهلة، عندما لمحته واقفاً على رأس القبر يحدق فيه.

صلاح قد بلغ الستين من العمر وزوجته الخمسين، ونهلة هي الإبنة الوحيدة لهما، فماذا كان يدور بخاطر الأب وهو ينظر إلى المثوى الأخير لإبنته الصغيرة الوحيدة؟ وما سيكون شعورهما حين يتركا ابنتهما راقدة تحت التراب في تلك البقعة القفراء ويرجعا إلى بيت لايزال يمتلأ بآثارها ولكنه يخلو منها؟ 

شعرت في تلك اللحظة بإنقباض واكتآب شديد من تلك الخاطرة كدت أن أجهش معها بالبكاء، ولاأدري كيف ضبطت نفسي، فأشحت برأسي جانباً ومسحت عيناي التي أغرقتهما الدموع.

*****

أتت نهلة الصغيرة محمولة في تابوت خشبي أكبر بكثير من حجمها الطفولي. إذ يبدو أن الإستعجال في الدفن كما تجري العادة في العرف الإسلامي لم يسمح في العثور على الحجم المناسب في الوقت المناسب. ولكن ماأهمية حجم التابوت إذا كان مصيره كمصير قاطنته ... الدفن والنخر والتحلل؟

نظرت إلى صلاح مرة أخرى بعد هذه الخاطرة الشاردة لأراه لايزال مُسمّراً في مكانه يلتفت إلى نعش ابنته التي يحمله عدد من المعزين وهو يدنو من خلفه، ولم أرى على وجهه أي إنفعال أو تأثر، بل صمت ووجوم أشبه بالغيبوبة منه إلى اليقظة. فوصلت نهلة بتابوتها إلى قبرها وأبوها لايزال ثابتاً في مكانه. ظننت أنه سوف يشارك في إنزال ابنته إلى مثواها ولكن الأب بقى واقفاً بلا حراك ويداه في جيبيه يحدق في التابوت بوجه جامد بلا انفعال ملحوظ سوى ماتكشفه عيناه اللتان ترمشان بتسارع واضح بين حين وآخر وتفشيان زوابع العواطف والمشاعر التي لاشك أنها تعصف بكيانه من الداخل بينما ينظر إلى نعش ابنته في تلك اللحظات وهو ينزل إلى مقر إستقراره الأخير.

*****

إستقر النعش في قاع القبر وتطوع نخبة من الشباب الحاضرين ليهيلوا عليه التراب، وصلاح لايزال جامداً في مكانه على رأس القبر، لم ينطق بكلمة أو يرفع بصره عن نعش ابنته طوال تلك المدة وهو يختفي تدريجياً تحت كومات التراب.

وخلال تلك اللحظات العسيرة المؤثرة، يطلب أحد الحضور المسنين من أحد الشباب إعطائه المجرف (الشبل) ليشارك بدوره في عملية الردم. فيبدأ ذلك الشيخ الكبير في إهالة التراب، ويأخذه الحماس لسبب ما في الإسراع بالردم. ولكن المطر الذي لايزال يرش الأرض والواقفين عليها ولم يتوقف منذ وصولي، قد جعل التربة طينية زلقة يتوخى الحذر منها عند الإقتراب من حافة القبر. ولكن يبدو أن حماس ذلك الشيخ قد غيبه عن تلك الخطورة، فتنزلق رجله على الطين المائع ويسقط على الأرض ورجله الأخرى تتدلى في القبر، ويخلق الشيخ الوقور بهذه الزلقة منظر سيريالي مسرحي إمتزجت به التراجيديا مع الهزل، مثّل فيه بعدم حرصه المقولة الشعبية الشائعة: "شيخ كبير رجله مدندلة في القبر" وجعلني ومن فطن لمغزى هذا المنظر نفقد السيطرة على الضحك في تلك المناسبة الحزينة.

*****

عدت بعد الدفن إلى البيت، كان ذلك يوم الأحد الماضي، وكنت قد ألغيت طبعاً برنامج الطهي والموسيقى الذي كنت أنوي تطبيقه في ذلك الويك إند. فجلست أحاول الإسترخاء وتجميع الأفكار بعد أحداث تلك العصرية، ونظرت من خلال النافذة إلى السماء القاتمة التي لاتزال تكتنفها الغيوم السوداء وإلى قطرات المطر التي لاتزال تنهال على زجاج النافذة وإلى عتمة ذلك المساء البارد وخواطري تسرح إلى نهلة الصغيرة وهي ممدة في نعشها تحت التراب، وحيدة في تلك البقعة المقفرة، تكتنفها الظلمة والوحشة والبرودة، بعيدة عن دفئ بيتها وأحضان أمها وأبيها.

خاطرة ليتها لم تمر بذهني فقد أظافت إلى عتمة الليل كآبة .... 

فنشر الحزن عبائته حولي * وأطياف الليل تحتها تنوح
قد أطفأ الموت نور شمسي * وبدت ظلمتي في الأفق تلوح
ليت نهلة تصحو من نومها * فتبهج القلب وتشفي الجروح



You can shed tears that she is gone
Or you can smile because she has lived

You can close your eyes and pray that she will come back
Or you can open your eyes and see all that she has left

Your heart can be empty because you can't see her
Or you can be full of the love that you shared

You can turn your back on tomorrow and live yesterday
Or you can be happy for tomorrow because of yesterday

You can remember her and only that she is gone
Or you can cherish her memory and let it live on

You can cry and close your mind, be empty and turn your back
Or you can do what she would want: smile, open your eyes, love and go on.

By David Harkins

لماذا يدفن الإنسان؟ لماذا يموت الإنسان؟ هل عوجد حياة بعد الموت؟ ماهي أدلة الحياة بعد الموت؟

الخميس، 21 أكتوبر، 2010

إحذر عقلك، فهو مخادع

::
صورة 1


- الجزء الأول -

هذا البوست يتألف من جزئين، سوف أخصص الجزء الأول القصير للتسلية والتساؤل، ولكن هذه التسلية الخفيفة تحمل في نفس الوقت رسالة عميقة وهامة سوف أتطرق لها في الجزء الثاني تتعلق بطريقة عمل المخ ووجوب أخذ الحذر من الإعتماد عليه كلياً في إدراك مايجري حولنا وفهم الأمور واتخاذ القرار، لأن عقلنا مخادع.

لابد أن بعضكم قد رأى الصورة أعلاه ويعرف الهدف منها، ولكني أرجو أن الغالبية لم تراها من قبل حتى لا"يخرب" الموضوع. أنظروا إليها على أي حال وسوف ترون أنها تحتوي على ثلاثة دوائر حلزونية عريضة تتجمع في منتصف الصورة.

ماهو اللون الغالب في كل دائرة؟

ولتسهيل التعرف على الألوان، يمكنكم عرض هذه الصورة على الآخرين من أصدقائكم وأقاربكم لتأكيد أو نفي ماتراه أعينكم . ولاتترددوا في إرسال تعليقاتكم فيما ترونه إذا أردتوا لأن هذا ليس إختبار للفطنة أو الذكاء أو قوة الملاحظة أو أي من تلك الخصائص، بل لإظهار كيفية عمل المخ البشري والذي سوف يتضح فيما بعد.



- الجزء الثاني -

السؤال المطروح في الجزء الأول كان:

ماهو اللون الغالب في كل دائرة؟ (في الصورة أعلاه)

والجواب هو: الأخضر .... فـقـط.

ومن رأى منكم دائرة بأي لون آخر فليعجل بالذهاب إلى طبيب العيون لفحص عينيه، لأن جميع الألوان المستخدمة في تلك الصورة هي: الأخضر والبرتقالي والأرجواني .... فـقـط، ولايوجد في الصورة أي لون آخر.

وكأني أسمع إصرار القراء الأحباب على أني أنا الذي أحتاج إلى طبيب عيون وأن هناك ألوان أخرى وهي الأزرق والأحمر (أو الزهري)، وأأكد لكم مرة أخرى أنه لم يستخدم في تلوين الصورة الأحمر وحتما لم يستخدم الأزرق. وإذا لم تصدقوني، هذه نفس الصورة بعدما أزيل منها اللون البرتقالي والأرجواني:
:: 
هل عقل الإنسان في قلبه؟ هل مركز التفكير القلب؟ هل حجم المخ يدل على الذكاء؟ هل العقل يكذب؟ ماهو العقل؟ هل عقل الإنسان في مخة أم في قلبه؟ هل مركز التفكير في العقل أم في الروح؟ ماذا يحدث للعقل عند النوم؟ هل العقل صادق؟ هل العقل يعتمد عليه؟ هل يعتمد الإنسان على عقله؟ هل العقل يكذب؟ هل يدخل إبليس في عقل الإنسان؟ هل يموت العقل؟ هل العقل خالد؟ هل العقل كافي؟ هل العقل مركز الإحساس؟ هل العقل مركز الحب؟ هل العقل يضر صاحبه؟
صورة 2

أي لون ترونه؟
أين الأحمر وأين الأزرق؟
لم يتبقى إلاّ الأخضر ... صدقتوني الآن؟

اللون الأزرق في الدائرة الزرقاء في الصورة هو في الحقيقة نفس اللون الأخضر في الدائرة الخضراء (أنظروا إلى الصورة الثالثة)! أي اللون الأزرق الذي ترونه ليس أزرق بتاتاً بل هو في الحقيقة أخضر، كما هو واضح من الصورة الثانية والثالثة.


صورة 3
الألوان الحقيقية للدائرة الخضراء (المربع الأيمن) والدائرة الزرقاء (المربع الأيسر)

فلماذا ترونه أزرق إذاً وهو في الحقيقة أخضر؟ هل يتطلب الأمر إلى فحص عيون؟ لا، الأمر لايتطلب فحص عيون، لأن الأمر لايتعلق بالعين بحد ذاتها، فوظيفة العين هي تسجيل ونقل المعلومات الفوضوية "النيئة" إلى المخ، والمخ هو الذي "يطبخ" تلك المعلومات بواسطة ترتيبها وتفكيك رموزها وتحديد ألوانها قبل أن يقدمها لكم على طبق بالشكل الذي يراه هــو مناسب. فأصبع الإتهام لهذا الخطأ الجسيم في التعرف على الألوان الصحيحة يجب أن يوجه إلى الرأس حيث يقبع داخله ذلك الدماغ .... المخادع. وهذا مايفعله ليخدعكم عندما تصله المعلومات من الصورة:

عندما يريد المخ أن يحدد لون شيئ ما، فهو يقارن لون ذاك الشيئ بألوان الأشياء الأخرى التي تحيط به. ولكن الدوائر الحلزونية في الصور ليست ملونة بألوان واحدة، إنما تتكون من خطوط ضيقة ملونة بالأخضر والبرتقالي والأرجواني، وكل دائرة عريضة تحتوي على خطين: إما أخضر وبرتقالي أو أخضر وأرجواني أو برتقالي وأرجواني.

والآن، كيف يرى المخ ألوان غير موجودة في الصورة؟

دعونا من الدائرة الحمراء (الزهرية) فهي ليست من محور الموضوع وتأثيرها ليس دراماتيكي كالدائرة الزرقاء، ولنصب التركيز على الدائرتين الخضراء والزرقاء. أنظروا إلى الدائرة العريضة الخضراء، ترون أن الخط البرتقالي الضيق قد رُسم ليخترقها ولكن الخط الأرجواني رُسم إلى حدودها فقط وصًبغ داخلها باللون الأخضر. ونفس الأسلوب طُبق على الدائرة التي تبدو زرقاء، ففي هذه الدائرة، الخط الأرجواني رُسم ليخترقها وصُبغ داخلها الخط البرتقالي بالأخضر. فعندما يحاول المخ مقارنة الوان الدوائر العريضة، هذا التداخل في الوان الخطوط الضيقة يجعله يُخطأ في تحديد الألوان الحقيقية فيضيف إليها ألوان غير موجودة ... يُحوّل اللون الأخضر إلى أزرق في هذه الصورة.

فالمخ إذاً جهاز معرض للخطأ ... الفادح ... في إدراك الصورة الحقيقية لما يجري حولنا، فهو يحاول دائماً أن يملي الفراغات ويعيد الترتيب ويضيف ويُنقص من المعلومات التي تصله لكي يُقدم لنفسه - أي لنا - معلومات متكاملة عن محيطه ... وحتى لو كان ذلك على حساب الصحة والدقة لما يجري في عالمنا، فقدراته على إدراك مايدور حولنا محدودة بايلوجياً ، وما يزودنا به من فهم، نتيجة لتلك المحدودية، لايعكس دائماً الحقيقة. فهل يُمكن ألإعتماد عليه وحده 100% لفهم العالم وتقييم الأمور واتخاذ القرار الذي يمس في الكثير من الحالات مصير مجتمعات بأكملها؟

قطعاً لا، كما أوضحت هذه التجربة. والمخ لايخطأ في الرؤية العينية فقط، بل في جميع الحواس الأخرى، وتنعكس إنزلاقاته هذه على مفاهيمه الفكرية أيضاً، إذ من الخطورة الإعتماد على "العقلانية" أو "المنطق" فقط في تقييم الأمور وقبولها والسير عليها، إذ لابد أن يكون هناك معيار آخر يؤكد أو ينفي ماتُمليه علينا حواسنا وما تستنجه عقولنا لوحدها. فماهو ذلك المعيار الآخر؟

هي المعطيات المدعمة بالمنهج العلمي التجريبي المحايد، الذي لايمكن خداعه بسهولة. فكلما كان هناك تعارض وخيار بين معتقداتنا ومفاهيمنا وقناعاتنا وبين مايكشفه لنا العلم ويؤكده، فالخيار يذهب إلى ماينص عليه المنهج العلمي ..... دائماً.

ومن يعتمد على عقله فقط، يعرض نفسه إلى أخطائه ... والتي قد تكون لها تداعيات جسيمة. 

الاثنين، 18 أكتوبر، 2010

حلمة أبونا آدم

::

ماسبب وجود حلمتين في صدر الرجل؟

ثدي الرجل ليس مجرد عضلات مسطحة فقط، بل يوجد فيه، بحجم صغير جداً، نفس الأنسجة المنتجة للحليب الموجودة في ثدي المرأة، وفي الواقع ينتج منه، في حالات قليلة جداً، الحليب، كما أنه معرض لسرطان ثدي المرأة أيضاً.

وظيفة ثدي المرأة واضحة، لإرضاع الطفل، ولكن بالرغم من أن ثدي الرجل من الممكن أن يفرز كمية بسيطة من الحليب في بعض الحالات النادرة إلاّ أنه غير مهيئ لإنتاج حليب وافر بشكل متواصل كثدي المرأة. فما وظيفته إذاً؟

لماذا يملك الرجل ثدي وحلمة أصلاً إن كانت وظيفة الثدي، والحلمة بالخصوص، للإرضاع، وثدي الرجل ليس مهيأ للإرضاع ولايفرز إي حليب في الحالات العادية؟

لاتوجد هناك أي وظيفة إطلاقاً لثدي، وحلمة الرجل بالذات، ولايمكن تعليل هذه الظاهرة، كما في ظاهرة العصب الحنجري المذكور في البوست السابق، إلاّ من خلال نظرية التطور. فحتى نفهم سبب وجود تلك الأعضاء التي لاجدوى لها في الرجل، تعالوا معي في جولة خفيفة لطيفة في عالم الأحياء الحديث الذي يوفر لنا، كالعادة، شرح وافي ومقنع لسبب وجودها يرتكز على أعمدة التطور.

عند تلقيح بويضة المرأة بنطفة الرجل، يرث الجنين نسخة كاملة من جينات الأم ونسخة كاملة من جينات الأب، ففي بداية الحمل لايتحدد جنس الجنين إذ أنه يحمل الإمكانية الجينية على تحوله إلى أحدهما لأنه يحمل خصائص الأم والأب معاً. ولكن مسار تطور الجنين وتكوينه يستهدف إبقاء خصائص الوالدين المشتركة، ومنها الثدي والحلمة، في الطفل. وما يحدد جنس الجنين خلال مراحل تطوره في فترة الحمل هو تأثير كروموسوم الـ Y والهرمونات التي تغير الجنس إلى ذكر أو تبقيه إنثى، فتتحول الأجهزة التناسلية إلى ذكر أو تبقى أنثى مع تطور مراحل نمو الجنين، ولكن يبقى الثدي والحلمات في الذكر إلى الولادة.

ولكن لماذا يبقى في الذكر؟ لماذا ظلت الحلمة موجودة في الرجل ولم تختفي خلال فترة الحمل وخلال أيضاً تلك المرحلة الطويلة التي استغرقت ملايين السنين من التطور إذا لم تكن لها أي فائدة؟ النظرية تجيب على هذا التساؤل.

عندما تظهر خاصية ما في الكائنات، كالثدي والحلمة، فسوف يعتمد بقائها أو إختفائها من الكائن على فائدتها أو ضررها له. فإن كانت ذات فائدة تساهم في بقاء الكائن فسوف تبقى وإن كان لها ضرر عليه فسوف تختفي مع الوقت. وهناك مجرى ثالث لها أيضاً وهو:

إن كانت الخاصية عديمة الفائدة للكائن ولكنها في نفس الوقت ليست ذات ضرر عليه فسوف تبقى أيضاً لعدم وجود الدافع لإزالتها، لأن آلية التطور إعتباطية ولا تسير حسب تصميم مسبق مرتب بل تجري وتتكيف حسب مايقتضيه المحيط، وتتجاوز في مجراها الكثير من الأخطاء وتترك الكثير من الأعضاء بدون أي فائدة إذا لم يكن هناك ضرر منها على بقاء الكائن طالما أنه يتمكن من العيش في محيطه بالأعضاء التي يتركب منها بصرف النظر عن ترتيبها أو فوضويتها في جسده، إذ لو كان الكائن مركب بتصميم متعمد لأزيل ثدي وحلمة الرجل لعدم جدواهما ولأعيد ترتيب الكائن بشكل أضبط.

وثدي وحلمة الرجل لانفع منهما ولاضرر أيضاً، ولذلك أبقاهما التطور كمخلفات قديمة ظلت فيه منذ بداية ظهورها.

هاقد شرحت لكم، من وجهة نظر نظرية التطور، أسباب وجود عضوين من الجسد ليس لهما أي وظيفة. هل ممن الممكن أن يتفضل الآن أحد ممن يرفض قبول هذه النظرية ليشرح لنا بدوره لماذا خُلق آدم بثدي وحلمة؟ وياحبذا لو زودنا ببعض المصادر العلمية لدعم تفسيره.
لماذا توجد حلمة للرجل؟ لماذا توجد حلمات للرجل؟ ماوظيفة حلمة الرجل؟ ماوظيفة حلمات الرجل؟ هل يوجد في ثدي الرجل حليب؟ هل تفرز حلمة الرجل حليب؟ هل يفرز ثدي الرجل حليب؟ ماحكمة وجود حلمة للرجل؟ ماحكمة وجود حلمات للرجل؟ ماهي مشاكل الثدي عند الرجال؟ هل يصاب ثدي الرجل بالسرطان؟ ماهي أمراض الثدي عند الرجال؟ ماهو علاج تضخم الثدي عند الرجل؟ ماهو علاج تضخم الثدي عند الرجال؟

الخميس، 14 أكتوبر، 2010

لماذا لم تأكل السمكة

::

عندما وصل الطبق الشهي بعد ساعة من الإنتظار، لم تستطع كارول أكل السمكة التي عليه ....

كارول، وهي إحدى السكرتيرات عندنا في العمل، لم تعد تأكل السمك أو لحوم الماشية أو لحوم الطيور أو أي من أنواع اللحوم الأخرى أو من مشتقاتها، لأن كارول أصبحت نباتية تماماً بعد رؤية ذلك الطبق. ومالذي رأته على ذلك الطبق الذي سبب تحولها الفجائي من آكلة لحوم إلى آكلة نباتات؟

ذلك الطبق كان يحتوي على سمكة صغيرة كاملة مطهية بالفرن، ولم تكن السمكة نفسها سبب إمتناع كارول عن أكلها وتخليها نهائياً عن جميع اللحوم، إنما كانت طريقة تقديمها. تقول أنها ذهبت مع زوجها خلال عطلة لهما في تايلاند منذ عدة سنوات إلى مطعم إشتهر في تحضير الأطباق البحرية، من أسماك وقواقع وأعشاب وغيرها من الأحياء المائية، واختارت من لائحة الطعام طبقاً بسيطاً يتألف من سمكة كاملة وبعض الخضار. ولكن عندما وصل الطبق ونظرت إلى السمكة الممدة عليه، تحفها الكوسة والبزاليا والبطاطس، رأت أن فن ذلك الطباخ التايلندي في التحضير قد تجاوز علوم المطبخ واقترب من علوم مختبرات كريغ فنتر لإحياء الموتى.

إذ قد زيّن الطباخ بمهارة فنية فائقة تلك السمكة المشوية بألوان أنعشتها وأظهرتها كأنها لاتزال حية، واستبدل عينها المطبوخة بعين صناعية (تؤكل) فيها من الدقة والواقعية والجمال ماأكمل بها إحياء تلك السمكة المطبوخة في عين الزبون. تقول كارول:

"عندما نظرت إلى الطبق، لم أرى عليه سمكة مطبوخة أبداً، بل رأيت سمكة طازجة حية تحدق بي بعينها الزرقاء الباكية وفمها الملتوي الحزين وكأنها تستنجدني لأنقاذها من غرز الشوكة وتقطيع السكين. فتقطع قلبي بدوره من ذلك المنظر التراجيدي ولم أستطع أكلها، وودت لو ألقيتها في البحر عسى أن تدب فيها الحياة مرة أخرى. ومنذ تلك المواجهة الصادمة، إمتنعت عن أكل كل ما كان حياً".

ومنذ تلك المواجهة أيضاً، تبنت كارول هواية جديدة وهي مطالعة مايمكنها من كتب لفهم طبيعة علاقة الكائنات الحية ببعضها وتطورها وأسباب تشابهها واختلافها بالشكل والطباع، والأهم هو مدى علاقتها هي كبشر بالحيوانات الأخرى. تلك المطالعة والبحث أدخل كارول في عالم نظرية التطور التي كانت تسمع بها ولاكن لاتعرف عنها شيئاً سوى أنها تزعم بأن البشر ينحدرون من القرود. تقول أن خلال مطالعتها تلك، واجهت سلسلة من المفاجئات المذهلة لاتزال تترنح من أثرها. وإحدى تلك المفاجئات التي كان لها تأثير بالغ عليها هو إكتشافها بأن المملكة الحيوانية بأكملها، وتشمل البشر، تنحدر من كائنات سمكية قديمة لاتختلف كثيراً عن السمكة التي أدى إستنجادها وهي مطبوخة إلى قلب منهج كارول الغذائي وعزفها عن أكل اللحوم.

هذه الحقيقة، أي إنتساب البشر إلى كائنات سمكية، أصعب تصديقاً للكثير من الناس من حقيقة إنتمائنا إلى أسلاف قردية، لوجود تشابه كبير في الشكل والتصرف بين البشر والقرود. ولكن، على الظاهر، التشابه معدوم بيننا وبين السمك. ولهذا السبب أود أن أخصص الجزء التالي من هذا البوست لأتطرق إلى أحد أهم الدلائل التي تشير إلى هذا النسب السمكي:

العصب الحنجري Larnyngeal nerve.

العصب الحنجري هو العصب الذي يوصل مابين الحنجرة والمخ، واللذان لاتتعدى المسافة بينهما أكثر من بضعة سنتمترات، ولكن بدل أن يقطع هذا العصب تلك المسافة القصيرة بطريق مباشر من المخ إلى الحنجرة، يأخذ بدلاً عنها طريق طويل ملتوي يمتد من المخ وينزل إلى الصدر ثم يرجع من وراء الشريان الأورطي للقلب ليصعد مرة أخرى إلى العنق ويتصل بالحنجرة.

هذا العصب موجود في جميع الحيوانات الثديية ويأخذ نفس الطريق الملتوي الطويل. ففي الزرافة مثلاً، وهي أفضل مثال لإبراز هذا الظاهرة، بدلاً من أن يمتد بضعة سنتيمترات فقط ليوصل مخ الزرافة بحنجرتها، يخرج من مخها وينزل أولاً على طول رقبتها الذي يقارب طوله المترين، ثم يلتف حول الشريان الأورطي قرب قلبها ليعود صاعداً مترين آخرين ويتصل بحنجرتها!!!

فكيف يمكن تفسير هذه الظاهرة المحيرة؟

البعض سوف يعزيها إلى حكمة إلهية لانعرفها، واللجوء إلى مثل هذه الردود عديم الفائدة لأنها لاتضيف إلى معارفنا بشيئ إطلاقاً ولاتساعدنا على الفهم، وماهي سوى ضرب من التهرب عن محاولة البحث عن الأسباب ورفض الأسباب إن وجدت إذا لم تناسب المعتقد، مما يجرنا إلى نظرية التطور والتي تُفسر هذه الظاهرة بكل منطق وعقلانية وبساطة وتدعمه بالكثير من الملاحظات والدلائل الأخرى. وإليكم التفسير العلمي البسيط لها:

هذا العصب موجود في السمك أيضاً، ولكن حيث أن جسد السمك لايوجد به عنق يذكر، فهذا العصب يتصل مباشرة في السمك بين المخ والخياشيم ماراً حول شرايين القلب. ولكن مع تطور تلك الأسماك القديمة على مدى ملايين السنين إلى حيوانات بحرية وبرية أخرى، وظهور العنق تدريجياً لهذه الحيوانات، لم يعاد تصميم ذلك العصب ليأخذ طريقاً أقصر ويتجنب تطويله بدون أي فائدة، لأن محرك التطور عشوائي وليس من تصميم دقيق متعمد، إنما أمتد العصب مع إمتداد العنق والصدر وأخذ ذلك الطريق الملتوي الطويل.

يقال أن الصورة خير من ألف كلمة، وهذا ما هو أفضل حتى من الصورة: فيديو كليب لتوضيح هذه الظاهرة. هذا الفيديو يحتوي على مقاطع لتشريح رقبة الزرافة وإظهار العصب الحنجري وطريقه الملتوي الطويل في عنقها. ركّزوا على آخر دقائق من الفيديو والتي تشرح بواسطة الرسوم الكارتونية التوضيحية تطور هذا العصب مع تطور الزرافة من السمك.

أتمنى لكم مشاهدة مفيدة :



ماهي دلائل إنحدارنا من القرود؟ هل ينحدر الإنسان من السمك؟ هل ينحدر البشر من السمك؟ هل هناك جينات مشتركة بين الإنسان والسمك؟ مافائدة أكل السمك؟ ماهي فوائد أكل السمك؟ ماهي مضار أكل طريقة لصيد السمك؟ هل توجد علاقة جينية بين الإنسان والسمك؟ هل ينالسمك؟ ماهي أفضل طريقة لطهي السمك؟ ماهي أفضل تسب الإنسان إلى السمك؟

الأحد، 10 أكتوبر، 2010

إنتهت المباراة ... ننتظر النتيجة

::

لم أكد أنتهي من كتابة ونشر موضوع "دولة بلا دين"، والذي أقارن فيه مستوى التحضر والأمان والسلام الذي يتمتع به مواطن الدول العلمانية المتثل في الدول الإسكندنافية، مع عدم الإستقرار والتهيج والتناحر الذي يبتلي به مواطن مجتمعاتنا المتدينة، حتى يأتي مثال ساطع وهّاج بثت فضيحته على القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتنية حتى يراها الكل ليكشف لنا منبع ذلك الوضع المزري وأساس البلاء ويؤكد ماكنت أقوله ويقوله الكثيرون غيري.

ماأرمي إليه في هذا الموضوع هو مباراة الكراهية التي جرت بين شيخين مسلمين على قناة وصال الفضائية، وهما محمد الكوس السني وياسر الحبيب الشيعي، لحسم من هو على حق ومن هو على باطل.

لايوجد هناك على وجه الكرة الأرضية عبر التاريخ البشري مجتمع يتميز أفراده بأحادية وتوافق تام بينهم في التفكير أو في المعتقد أو في السلوك أو في المأكل أو في المشرب أو في أي نمط من الحياة، بل يختلف كل فرد منّا ويخضع لعوامل شتى في تبنيه لتلك الأنماط المختلفة من الحياة ليكتسب شخصية مميزة عن غيرها في التفكير والطباع والسلوك. هذا التباين في الشخصيات بكل ماتحمل من خصائص لابد أن يخلق بين حين وآخر تخاصم ومشادات وحزازات قد تتفاقم بسهولة وتتصاعد إلى صراعات وقتال وتناحر بينهم. فكيف يمكننا إذاً أن نحقق أي قدر من الإنسجام والتناغم يكفل لنا مناخ تسوده الطمئنينة والأمان والتعايش السلمي؟

سوف تعتمد هذه الغاية على المنظومات الإجتماعية والسياسية والفكرية التي يتبناها المجتمع ويقيمها كالمظلة التي يتجمع تحتها أفراد ذلك المجتمع سعياً لتحقيق التآخي والسلام والوئام فيما بينهم. ففي الكثير من الدول المتحضرة، كالدول الإسكندنافية، تلك المظلة تتكون من عدة منظومات متشابكة أبرزها هو الديموقراطية والعلمانية والمساواة وقدر وافر من الحريات، أما في الدول المتدينة، الشرق أوسطية بالذات، فتلك المظلة يهيمن عليها عنصر واحد فقط وهو الدين.

والآن، ماهو الأسلوب المتبع في تلك الدول المتحضرة لحل مشاكلها إذا ثارت؟

تحلها بالأساليب العقلانية، بالمنطق، بالحوار بالتفاهم وبالتعاطف ... دعوني أكرر تلك الكلمة الأخيرة للأهمية: بالتـعاطــف.

وماهو الأسلوب المتبع في الدول الدينية الإسلامية؟

إليكم هذا النموذج لأحد أساليبها التي تبعد عن العقلانية والمنطق والتــعاطــف بعد السماء السابعة عن الأرض (باستخدام التشبيه الديني). تحلها ياأعزائي بالمباهلة، وهي المباراة التي جرت بين محمد الكوس وياسر الحبيب المشار إليها أعلاه!! ومامعنى المباهلة؟ المباهلة تعني:

المــلاعــنة

أي أن تلك الجلسة التلفزيونية التي جرت بين الطرفين المختصمين لحل المشكلة، تمثلت في الحقيقة بمباراة بينهما بالتلاعن. فبدل أن يتبنى كل طرف منهما أسلوب عقلاني متفهم متعاطف تجاه موقف الآخر، ويتم حل الخلاف بينهما على هذا الأساس، كما هو متبع في المجتمعات المتحضرة، مالجأ إليه الخصمان وفقاً للمنظومة الإسلامية هو التوسل إلى الله بإنزال اللعنة والعذاب والبؤس والشقاء على الخصم إن كان اللاعن على حق أو على نفسه إن كان على باطل !!!!

وهل هذا أسلوب منطقي متفهم ودي متعــاطــف لحل مشاكل البشر؟
لماذا يتوسل الطرفان إلى الله بإنزال المرض والفقر والجوع والألم والمعاناة؟
أين شعور الإنسانية في هذا الحل؟
لماذا لايتوسل الطرفان إلى الله في تلك المواجهة بإنزال الهداية والمحبة والتآخي والإحترام بينهما ويتسابقان في من يحصل على أكبر قدر من تلك الصفات الحسنة؟ 

إنما هذا الأسلوب العدائي يستهدف إرهاب الخصم وإخضاعه لأفكار الطرف الاخر باستخدام سلاح التهديد والترعيب، ولن يؤدي تبني هذه النهج في حل النزاعات إلاّ إلى تغذية نيران الحقد والكراهية وتوسيع الفتوق والشقوق في نسيج المجتمع. وإن كان لهذا الأسلوب في حسم الخلافات دور محدد وقع في ظرف تاريخي محدد وفي وقت سابق محدد، فهذا لايبرر إستخدامه في كل الحالات وفي كل الأوقات.

وعلى أي حال، هناك إشكال آخر براغماتي ضد إستخدام هذه الطريقة في حسم الخلافات، وهو طبيعتها الإعتباطية الخالية من أي منهجية. وهذه بعض الإستفسارات البسيطة لكشفه:

كيف يعرف المتلاعنان بأن الله قد استجاب لأحدهما؟
ماهو المعيار المستخدم في التحقق من حلول اللعنة؟ ومن هو الحكم؟
هل إصابة أحدهما بصداع مثلاً يعتبر بلاء كافي تحققت بحلوله اللعنة؟
أو لو زلق أحدهما بقشرة موزة وسقط وتعورت مؤخرته، فهل هذا كافي؟

ننتظر النتيجة التي لايوجد فيها حكم غير اللاعبين أنفسهم ... ولمن لم يشاهد المباراة، هذا تسجيل لها:



مباهلة محمد الكوس وياسر الحبيب. ماهي المباهلة؟ هل المباهلة هي الملاعنة؟ مامعنى المباهلة؟ المباهلة التي جرت بين محمد الكوس وياسر الحبيب.

الأربعاء، 6 أكتوبر، 2010

فائدة نعال الأستاذ جمال

::

لاأدري متى حصل الأستاذ جمال على لقب: "الأستاذ جمال أبو النعال"، لأنه، على مايبدو، كان يعاني من ذلك المسمى الإزدرائي قبل أن أدخل سنتي الأولى في مدرستي المتوسطة(1)، إنما أعرف كيف حصل عليه. فالأستاذ جمال المسكين كان في ذلك الوقت مدرس اللغة العربية الأول في المدرسة، وأكسب قدميه تلك الشهرة ليس بسبب إرتدائه النعال طوال السنة فحسب، بل استخدامه أيضاً لنفس موضة ولون ذلك النعال البني الذي رأيته فيه لأول مرة، حتى عندما يجدده.

ويبدو أن إختيار الأستاذ الفاضل لتلك الموضة وتشبثه بها قد لفتت انتباه الكثير من التلاميذ الذين آثروا صب اهتمامهم على موضات الأحذية والنعل التي تغطي أرجل أساتذتهم بدلاً من تركيزه على محتويات الكتب التي تغطي طاولاتهم.

إهتمام طفولي سخيف ولكنه كان كافي لفتح القريحة الأدبية عند البعض منهم تمخض منها ذلك اللقب الساخر الشهير. والأستاذ جمال كان يدرك وجود هذا الإهتمام الغير مرغوب بنعله بين تلاميذه ويعرف أنه قد حظى منهم على ذلك اللقب المهين، مما خلق جواً مشحوناً عدائي بينه وبين تلاميذه دفعه إلى اكتساب نزعة أنتقامية ضدهم نفذها عليهم بلا رحمة أو هوادة وذلك بإعيائهم بتدريسه الجاد ومعاقبتهم بأصعب أنواع الواجبات المنزلية، وياويل من يجرأ على الحضور إلى صفه بدون الواجب محلول بالكامل.

إنتقام الأستاذ جمال الدراسي المتواصل القاسي خلق جيل من التلاميذ الحانقين، إنما أيضاً ... المتفوقين في اللغة العربية.

وهذا من حسن حظ هؤلاء التلاميذ بالرغم من معاناتهم المتواصلة لأسلوب أستاذهم التعليمي المتشدد، لأن اللغة العربية من أصعب اللغات لتعليم الأطفال كيفية قرائتها. واكتساب مستوى كافي من المهارة اللغوية أمر في غاية الضرورة للتواصل اللفظي الفعال بين الناس في أي مجتمع، تزداد أهميتها في المجتمعات المتحضرة بالذات لأن التقدم الثقافي ومنه الحضاري يعتمد في المقام الأول على اكتساب مهارات لغوية مرتفعة في سن مبكر تليها براعة عالية في استخداماتها في السنوات اللاحقة. وأي صعوبة في تعلم أي لغة لابد أنها تسبب بطء في اكتساب المهارة اللغوية المطلوبة للتقدم الثقافي مما سوف يعيق بدوره التقدم الحضاري لذلك المجتمع.

ولكن كيف تم تقييم اللغة العربية بأنها من اللغات التي يصعب على الأطفال تعلمها؟

عندما يتعلم الأطفال قراءة اللغة في المراحل الأولى، أو يتعلم البالغين لغة جديدة، فالمخ في كلا الحالتين يستخدم كلا الفصين في الدماغ لتعلم القراءة. ولكن في دراسة أجراها طاقم من العلماء في جامعة حيفا في إسرائيل، أكتشفوا أن عند محاولة تعلم القراءة العربية، عملية التعلم تصبح مجهود ضائع. لأن المخ عندما يحاول تعلم اللغة العربية يستخدم النصف الأيسر فقط في قراءة كلماتها بدون مشاركة النصف الأيمن، مما يسبب صعوبة في تعلم هذه اللغة.

وسبب عدم إستخدام المخ لكلا الفصين لتعلم قراءة اللغة العربية يكمن في شكل الأحرف العربية وتشابهها مع بعضها وتفاصليها الدقيقة بنقاطها. فعندما يبدأ الإنسان في تعلم قراءة اللغات الأخرى، يستخدم المخ كما ذكرت كلا النصفين في تلك العملية ولكن بسبب التفاصيل الدقيقة للحروف العربية وتشابهها مع بعضها، فالجيم والحاء والخاء مثلاً يميزهم عن بعضهم التنقيط فقط والعين والغين تشبها إلى حد كبير الخاء والحاء، وكذلك الطاء والظاء تشبها الصاد والضاد والتاء المربوطة تشبه النون وهكذا، مما يتعذر على النصف الأيمن من المخ المشاركة في تلك العملية لإختصاصه في رؤية الأشياء بشكل عام وعدم قدرته على تمييز التفاصيل الدقيقة للحروف العربية كالإختلاف في التنقيط وتشابه الحروف، فتظل المهمة محصورة على النصف الأيسر لإمكانيته العالية في التمييز على دقائق الأشياء. وإقصاء النصف الأيمن من المشاركة يسبب صعوبة وبطء في تعلم قراءة الكلمات العربية.

نحن في الواقع لاندرك مدى تلك الصعوبة لأننا نشأنا في مجتمعات عربية، واللغة العربية هي لغتنا الأم. ولم يتستى لنا إمكانية مقارنة سرعة أو صعوبة تعلمنا لها مع أطفال مجتمعات اللغات الأخرى، فلا نعرف إن كانت صعبة التعلم أم لا. وقد كنت أعرف بعض الأصدقاء الأجانب الذين حاولوا في السابق تعلم اللغة العربية ووجدوها أصعب بكثير من اللغات الأخرى مما أثار حيرتي ذاك الوقت، إذ لم أدرك مدى صعوبتها حينذاك، ولكن هذه الدراسة أتت الآن لتفسر سبب تلك الصعوبة التي واجهوها .

هذه الدراسة تطرح في ذهني بعض التساؤلات عن سلبيات صعوبة تعلم اللغة العربية، أهمها هي:

أولاً، حيث أن تعلم اللغة هو شرط ضروري وأساسي لتثقيف الأجيال واكتساب من خلالها العلم والمعرفة ومنها النهوض الحضاري، فهل تسبب صعوبة إكتساب المهارة اللغوية والبطء في تعلمها قدر من التخلف لذلك المجتمع وحتى لو كان ذلك القدر ضئيلاً لايلاحظ؟ مع العلم أن أي تخلف أو بطء في الإستخدامات اللغوية قد لايكون تأثيره ملحوظاً بشلك مباشر ولكن تراكماته مع مرور الوقت وعلى المجتمع بشكل عام قد تكون أعمق بكثير مما هو ظاهر. فهل اللغة العربية، بسبب صعوبة تعلمها وبالإضافة إلى أنها لغة يتهمها بعض الأكاديميين بأنها لغة جامدة لاتستطيع التكيف مع المستجدات العصرية والحداثة، عائق للشعوب العربية، وربما حتى سبب يساهم في تخلفها؟

وثانياً، حيث أن اللغة العربية هي لغة القرآن أيضاً، فالتساؤل الذي يطرح نفسه هو: لماذا اختار الله لغة صعبة التعلم لينشر بها رسالته الهادفة لكافة البشر على اختلاف ألستنهم؟ إن كنا نحن بلغتنا العربية الأم نختلف في فهم القرآن وتفسيره، فكل مفسر يأتي بتفسير وتأويل يختلف عن الاخر، فكيف بالذي لايتكلم العربية ويحاول فهم النصوص ومعناها بتعلم اللغة الأصلية التي كتبت فيها؟

هذه كلها تساؤلات مشروعة و Food for thought (غذاء للتفكير) كما يقول المثل، وبالرغم من أن أسلوب الأستاذ جمال التعليمي، محرضاً بعقدة نعاله، قد حقق هدف دراسي هام لم يبدو لنا أنه كان مقصوداً، إنما ساهم بلاشك في اكتسابنا لمهارة لغوية يحتاجها كل مجتمع لنهوضه وتقدمه. وليت هذه اللغة التي أعيانا تعلمها كانت أسهل مما هي عليه حتى يتسنى لنا استخدام الوقت والجهد الإضافي الذي بذلناه عليها لنتعلم فيه علوم أخرى ربما أكثر فائدة منها.

(1)  يعادل السنة الخامسة من بداية دخول الطفل في المدرسة 

ملحوظة:  للإجابة على تسائل بعض القراء الأعزاء عن مغزى الصورة أعلاه وعلاقتها بالموضوع، أقول وددت لو أستطعت نشر صورة للأستاذ جمال، ولكني أرتأيت أن صورة هذين الساقين بديل أجمل بكثير من ساقي الأستاذ جمال الموقر الذي لم أستطع الحصول على صورة له. ولاأظن أنه سيوافق على نشري لصورة رجليه ونعليه حتى لو تواجدت صورة لهما.
لماذا اللغة العربية صعبة؟ ماهي أسباب صعوبة اللغة العربية؟ هل اللغة العربية سهلة؟ هل اللغة العربية صعبة؟ ماهو أصل اللغة العربية؟ هل اللغة العربية لغة ميتة؟ لماذا اللغة العربية لغة ميتة؟ كيف تتعلم اللغة العربية؟ ماهي أسهل طريقة لتعلم اللغة العربية؟ كم عدد الذين يتكلمون اللغة العربية؟ ماهي أفضل طريقة لتعلم اللغة العربية؟ كيف ماتت اللغة العربية؟ كيف تموت اللغة العربية؟ هل تموت اللغة العربية؟ هل سوف تموت اللغة العربية؟

السبت، 2 أكتوبر، 2010

دولة بلا دين

::


تخيلوا أن هناك قوم يعيشون في مجتمع بلا أي دين أو ملة ..

تخيلوا أن هؤلاء القوم قد عرفوا الأديان الأخرى، السماوية منها والوثنية، وعرفوا رسالاتها وفلسفاتها وكتبها ورسلها وماتأمر به وما تنهى عنه، ولكن رغم ذلك فضلوا بكامل إختيارهم نبذها كلها، وانتهجوا عوضاً عنها حياة تخلوا من أي حكم ديني يلزمهم بأي شيئ. فهم أحرار في معاملاتهم وفي سلوكياتهم وفي علاقاتهم وفي أخلاقياتهم وفي مآكلهم ومشاربهم وفي كل تصرف آخر لهم في الحياة. لايحدهم أي دين أو مذهب، ولايغريهم منه أي فوز أم مكسب. لاتضبطهم إلاّ أنفسهم، ولاتلزمهم إلاّ قوانين وضعية تطبقها سلطات علمانية لادينية لاتستند في تشريعاتها إلاّ على ماتمليه عليهم ضمائرهم ومااكتسبوه في الحياة من خبرة وحنكة وتجارب.

ماذا سيؤول إليه مصير هذا المجتمع ياترى في غياب الواعز الديني والرادع الرباني؟
ماذا ستكون نتيجة غياب الخوف من الحساب وعدم الإكتراث بالثواب أوالعقاب؟

إنعدام العفة والفضيلة وتفشي الفساد والرذيلة؟
إنعدام الضمير والأخلاق وإرتفاع في العنف والقتل والنهب والسلب والخداع؟
إنحلال وتفتت أسري يؤدي إلى تفتق وتمزق في النسيج الإجتماعي؟
تزعزع وانحدار ينتهي بخراب ودمار؟

لأن هذا هو المصير الذي يروجه الأطباء الكواكس(1) الذين أقدموا على تحصين الناس من تلك الشرور بلقاحات تكبيل الحريات والحجر على التفكير وفرض الأحكام والتهليع والترويع. فهل هناك نموذج من واقعنا الحاضر لمثل هذا المجتمع العلماني اللاديني "الفاسق" لكي نرى بأعيننا ذاك المصير الكارثي الذي سوف يحل به؟

نعم توجد عدة نماذج والمجتمعات الإسكندنافية بعضها، ولنأخذ الدنمارك كمثال.

الدنمارك هو ذلك المجتمع الذي بدأت به هذا البوست لاعتباره من أشد المجتمعات علمانية وأقلها تديناً في وقتنا الحاضر، وربما في تاريخ البشرية أيضاً. ولنقرأ بعض الإنطباعات البسيطة لأحد المقيمين الأجانب فيه من خلال تجربته السابقة هناك ومن خلال إقامته الحالية فيه. يقول الكاتب واسمه فِل زوكرمان في مقالة أقتبس منها بعض الملاحظات هنا مع بعض التصرف في الترجمة:

لقد رجعت مرة أخرى لأسكن في مدينة آرثوس، ثاني أكبر مدينة في الدنمارك، وكما لمست من تجربتي السابقة هنا، أشعر بالدوار من إرتفاع مستوى العقلانية والإنسانية والتحضر والأمان والهدوء الذي يسود كل شيئ. دعوني أمدكم ببعض الأمثلة:

أصيبت أبنتي الكبيرة بنوبة من الكحة فأخذتها إلى الطبيب. ولما وصلت هناك رأيت أن العيادة كانت نظيفة وممتعة للنظر، ولم أضطر إلى الإنتظار فدخلنا على الدكتور الذي كان لطيفاً معنا وأظهر دراية واحترافاً بالتشخيص. لم يكلفنا العلاج شيئاً عندما انتهينا لأن الخدمات الطبية هنا مجانية تماماً توفرها الدولة للجميع وتسندها بالضرائب. ولاأعتقد أن من الممكن أن تكون الرعاية الصحية عندهم أفضل مستوى من ذلك.

إنظمت إبنتي الصغيرة إلى مدرسة بعيدة عنا، ولم يكن لدينا سيارة لأخذها هناك. ولكن عدم وجود السيارة لم يسبب مشكلة، فقد وفرت الدولة لها تاكسي مجاناً. ولأن سائقين التاكسيات هنا ينتمون إلى رابطة عمالية، فمستوى أجورهم عالية ولهم منح ممتازة وإجازات كثيرة مما ينعكس على طباعهم الهادئة السعيدة ولباسهم المهندم وسيارتهم النظيفة.

توجد هنا شوارع خاصة واسعة وآمنة للدراجات، أشعر فيها بنوبات من السعادة كل يوم حين أركب دراجتي ذهاباً وإياباً من العمل عندما أرى كيف تعطي السيارات أولوية تامة لركاب الدراجات بدلاً من رفع قبضات اليد غضباً والصراخ عليهم. 

ولكن دعنا عن تلك الملاحظات الشخصية ولننظر إلى بعض الحقائق عن حالتهم الإجتماعية. فحسب جميع المقاييس والمؤشرات الدولية، نجد أن جميع الأوضاع في هذه الدولة على أفضل المستويات، من الرخاء الإقتصادي إلى الإنجاز التعليمي، ومن إنخفاض معدل الجرائم ومستوى البطالة إلى إرتفاع مستوى المعيشة ودرجة الرضا والسعادة. هذا المجتمع هو الأفضل على وجه الكرة الأرضية.

ولكن هل توجد عندهم مشاكل؟ طبعاً توجد، لايمكن تفادي المشاكل في أي مكان لأنها تنبع من الطبيعة البشرية. ولكن هنا في الدنمارك، تحل المشاكل بالأساليب العقلانية: بالمنطق، بالحوار، بالنقاش، بالمراقبة وبالتعاطف.

أنا زرت الدنمارك بنفسي عدة مرات في السابق، ولاأعتقد أن هذا الكاتب أعطاها حقها بتلك الملاحظات العابرة، فهي أرقى وأرفع من ذلك الوصف بكثير. ولايحتاج القارئ الكريم أن يصدقني أو يصدق الكاتب. بل أقول إحمل حقائبك إذا تمكنت وزر إحدى تلك الدول ولن يخب ظنك، أعدك بذلك.

فهل صحيح أن المجتمعات العلمانية الغير متدينة تنغمس في الفساد والرذيلة والإنحلال الخلقي والتفتت الأسري والتفتق الإجتماعي الذي سوف تنعكس تداعياته على الحالة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية متمثلاً بإرتفاع مستوى البطالة والجريمة، وكثرة التسول في الشوارع، وتدهور الخدمات التعليمية والصحية والمدنية، وتزعزع البنية التحتية، وأنتشار الفوضى والفساد والمحسوبية في أجهزة الدولة، وسرقات المال العام وتبديده، والشلل الإدراي، وسيطرة الأقلية الأيليت على الأقلبية المسكينة، واستياء الناس من تلك الأوضاع المزرية وسخطهم عليها .....

لحظة .. لحظة ... تلك التداعيات المهولة ذكرتني بالبلاء الذي تعاني منه دول أخرى، قطعاً ليست علمانية، إنما دينية محافظة .... آآآآه نسيت أسمائها .. أي دول؟ .. أي دول؟ .... هممم راحت عن بالي .. هي دول صغيرة جغرافياً على ماأتذكر، إنما ضخمة مادياً وملتزمة دينياً، تُنبذ فيها العلمانية وتحارَب بضراوة، ولكن بالرغم من تغلغل الدين في جميع شؤون الحياة فيها، فهي تعاني من أغلب تلك المصائب التي تُنسب كذباً وبهتاناً إلى العلمانية ...

ماأسم تلك الدول؟ نسيتها ... ذكروني فيها.
ماهو تعريف العلمانية؟ ماهي العلمانية؟ مامعنى العلمانية؟ كيف تأسست العلمانية؟ من أسس العلمانية؟ متى تأسست العلمانية؟ ماهي فوائد العلمانية؟ ماهي مضار العلمانية؟ كيف تأسست العلمانية؟ هل العلمانية ناجحة؟ هل المنهج العلماني ناجح؟ هل الحكم العلماني ناجح؟ ماهو مدى نجاح العلمانية؟ هل فشلت العلمانية؟ لماذا فشلت العلمانية؟ لماذا العلمانية فاشلة؟ ماأسباب فشل العلمانية؟ أين تطبق العلمانية؟ من هو العلماني؟ ماهو تعريف العلماني؟ هل الدول العلمانية ناجحة؟ هل الديموقراطية تعني العلمانية؟ هل الديموقراطية تتطلب العلمانية؟ ماهو الفرق بين الديموقراطية والعلمانية؟ هل تختلف الديموقراطية عن العلمانية؟

(1)  كواكس  Quack = طبيب مشعوذ