::
هذه مقالة أخرى من سلسلة مقالات
ضيف، كتبها القاريئ الكريم Apollo، وهو طالب دراسات عليا يحضر
لشهادة الدكتوراه في علم الفلك الفيزيائي Astropysics. ومقالة
اليوم تمثل الجزء الأول من أربعة مقالات علمية لنفس الكاتب، يقيّم فيها صحة الإستدلالات العلمية على وجود الإله. وسوف يتم نشر كل من هذه المقالات على حدة خلال الأسابيع القادمة. المقال الأول:
نقد الدليل الكوسمولوجي
يُقّسم الفيلسوف الألماني
ايمانويل كانت في كتابه نقض العقل الخالص الأدلة المقدمة تاريخيا على
وجود الله الى ثلاثة: الدليل الاونتولوجي (علم الوجود أو الكينونة)، الدليل
الثيولوجي (اللاهوتي، الإلوهي) والدليل الكوسمولوجي (الكوني). هذا الأخير يتشدق
به اليوم العديد من رجال الدين الذين لاعلم لهم بالكوسمولوجيا، بل لاقدرة لهم
على فهمها نظرا لجهلهم بالفيزياء الحديثة، فتجدهم يتفوهون بتفاهات فارغة ظانين
أنهم قد قبضوا على المبادىء الجوهرية للكون وأسس وجوده، ومتجاهلين سخرية وضحك كل
من له دراية بعلم الكون عليهم.
في هذه السلسلة من المقالات، سنتطرق إلى الدليل الكوسمولوجي الذي يستدل به المؤمن على الإله، ونضع هذا الدليل تحت مقصلة الفيزياء الحديثة Modern Physics بمناهجه التفسيرية كـ التضخم العشوائي Chaotic inflation theory والنظرية الخيطية String theory، ونتناوله من مختلف الأوجه التي يُقدم بها:
صلاحية كوكب الأرض للحياة: من
أشهر الحجج وأكثرها سذاجة هو المتعلق بخصائص كوكب الأرض كحجمه وبعده عن الشمس وتركيبة غلافه الجوي التي تبدو مختارة بعناية دقيقة لتسمح للانسان بالعيش عليه.
الثوابت الكونية: من أحدث الصيغ
للدليل الكوسمولوجي هو المسمى بـ Fine-tuned universe والمتعلق بالثوابت الأساسية للكون the fundamental constants التي تتحكم بالكون نفسه كقدرته على الوجود وعلى
إمكانية تشكيله لنجوم ومجرات من عدمها.
الكون: أسباب وجوده وأزليته.
الوجود بحد ذاته، هل نحن موجودين؟
كوكب الأرض
من منا لا يشعر بتميز كوكب الأرض، بجماله وخضرته ومائه، وبهوائه ودفئه
وثرائه؟ وكم منا نظر الى السماء ليلا ليتسائل: هل من غير هذا الكوكب؟ ليـأتيه
الصباح بنعيق شيخ يصيح بالنفي قائلا يا ويله ....
إمكانية تواجد الحياة على كوكبـ، سوف يعتمد على بعده عن الشمس
لا يجادل عالم بأن كوكب الأرض مثالي للحياة، والأمثلة على ذلك كثيرة،
فمسافته عن الشمس تقع في منتصف "المنطقة المعتدلة" Goldilocks zone للنظام
الشمسي حيث أن الحرارة معتدلة فيها، تسمح للمياه السائلة بالوجود، والماء السائل هو
أصل ومصدر الحياة كما نعرفها. ومن المعلوم في البيولوجيا الفضائية Astrobiology أن تتبع
وجود المياه هو القاعدة لايجاد أي حياة خارج الأرض(1). فلو أن ألأرض كانت بعيدة
بمقدار بسيط عن موقعها الحالي لما تبقي عليها من ماء، فاما يتبخر أو يتجمد. ولكم في
المريخ مثال هام، حيث تشير الدراسات الى أنه كان يحتوي على محيطات ضخمة من المياه
التي اختفت بسبب إبتعاده عن المنطقة المعتدلة(2).
بالاضافة الى ذلك، فكوكب الأرض
يتمتع بغلاف جوي يحتوي على العناصر الضرورية للحياة كالاوكسيجين، وعلى غاز الاوزون
الذي يحميها من الأشعة الفوق البنفسجية القادرة على منع تطور الحياة ( والتي
تستعمل مخبريا لقتل البكتيريا )، كما أنه يساهم في الحفاظ على الحرارة الضرورية المعتدلة
لسطح الأرض، ويشكل عامل أساسي لتطور
المناخ.
ولا ننسى أيضاً المجال المغناطيسي
للأرض، والذي تولده نواة الأرض من الحديد والمعادن المنصهرة التي تتحرك في باطنها
لتشكل دينامو يولد هذا الحقل الذي يحمي الأرض من الانفجارات الشمسية التي تبث
إشعاعات قاتلة وقادرة على ابادة كل أشكال الحياة على الأرض. كما يستوجب الذكر أهمية سرعة دوران الأرض، وسمك القشرة الأرضية التي لو قلت لكثرت البراكين، ومساهمة
هاتان الميزتان في امكانية تواجد واستمرار الحياة على هذا الكوكب.
أخيرا، يجب ذكر الشمس التي تتمتع
بخصائص تساعد على وجود الحياة، كمعدل حرارتها المتوسط، وحجمها، وثبات نورانها luminosity stability، وارتفاع
كمية المعادن فيها التي أدت الى تشكل الأرض على الشكل الذي هو عليه. وتجدر الاشارة
الى أنه يطلق اسم نجوم النسق الأساسي main sequence stars على
النجوم المشابهة لها.
ما قرأتموه أعلاه هو ما تجدونه
في معظم الأدبيات الدينية كدليل على تميز الأرض وكونها قد خُلِقت بتلك الخصائص
ليتمكن الانسان من العيش عليها. وللوهلة لأولى يبدو أن الدليل قوي ومقنع لجاهل لا
يعرف من علوم الفضاء الا القشور، إنما للعلماء الحقيقيين رأي آخر.
نجم في طور التشكل، والصورة من تلسكوب لاستقبال أشعة ماتحت الحمراء
والسؤال الهام هو: كم عدد
الكواكب في الكون المنظور؟ للاجابة يجب أن نعطي نبذة
مختصرة عن كيفية تشكل الكواكب.
باختصار الكواكب تتشكل سوية مع النجم الأم من بقايا السحابة الجزيئية Molecular
cloud التي يتشكل منها النجم، فالنجوم
تنشأ عند تكتل سحابة ضخمة من الهيدروجين بواسطة الجاذبية، مما يؤدي تجمع جزيئاتها
بفعل الضغط الى ارتفاع الحرارة داخلها وتحول قلبها الى نجم(3-4). أما بقية المواد
المتبقية من السحابة فمعظمها يتلاشى، باستثناء القليل الذي يتحول الى كواكب. فلا
توجد كواكب وحيدة في الكون، لأن جميعها تُخلق وتقضي حياتها الى جانب النجم الأم.
من هنا نستنتج بأنه لتقدير عدد الكواكب في الكون يكفي تقدير عدد الأنظمة
الشمسية التي تحتوي على كواكب، وذلك عبر تقدير عدد النجوم مع الأخذ في الحسبان
بأنه ليس جميع النجوم تحوي نظام شمسي. فاذا علمنا بأن عدد المجرات في الكون
المنظور يبلغ حوالي ثلاث مئة مليار، يحتوي كل منها على مئة مليار نجم، فيمكن أن
نحصل على عدد النجوم في الكون(5-6)، ولابأس اذا قلنا بأن واحد في المئة منها فقط يوجد
معها كواكب ( بالرغم من أن التقديرات الحديثة تشير إلى وجود مامعدله 1.3 كوكب لكل نجم ) فسنحصل على عدد
الكواكب الخيالي الموجودة.
ومن المعلوم كما ذكرنا، بأنه
ليس كل الكواكب قادرة على استضافة حياة، بل عليها أن تكون شبيهة بكوكب الأرض من
حيث المواصفات التي سبق ذكرها والتي يمكن أن نعزي معظمها الى ثلاثة عوامل: حجمها،
وموقعها، بالاضافة الى نوع النجم الأم. فهذه الخصائص هي ما سيحدد وجود المياه والغلاف الجوي وغيره من عدمه، و لذلك علينا أن نقدر اعتمادا على الكواكب التي تم
رصدها نسبة الكواكب ذات الصفات المناسبة لنتوصل بعد الحسابات المحافظة جدا بأن مانسبته
واحد في المئة من الكواكب الموجودة هي فقط التي تتمتع بالخصائص المطلوبة، لنتوصل
أخيرا الى رقم نهائي يفوق المئة ألف كوكب قابل للحياة في مجرتنا وحدها.
المرحلة الأخيرة من تشكل الكواكب. والصورة للتوضيح فقط وليست حقيقية، فلا قدرة للتلسكوبات على الوصول إلى هذا المستوى من الوضوح حالياً
طبعاً لن تتشكل الحياة على جميع
هذه الكواكب، وإن تشكلت فلن تتطور بالضرورة لتصبح عاقلة، ولكن هذا الرقم الضخم
لعدد الكواكب يؤكد بما لا يحتمل الشك بأن كوكب الأرض غير مميز بأي شكل من الأشكال،
بل هناك كواكب كثيرة أخرى تشابهه بالخصائص والمميزات الصالحة للحياة يقدر عددها بمئات
الآلاف، بل بالملايين. ومنذ بضعة أسابيع فقط، أعلن الفريق العلمي المسؤول عن
تليسكوب كابلر اكتشافهم لست كواكب جديدة بعضها مشابه للأرض لتضاف الى التي تم
الاعلان عنها سابقا، مما يؤكد بأن الكواكب الشبيهة بالأرض هي القاعدة و ليس
الاستثناء.
References
1- Habitable Zones in Extrasolar Planetary Systems, S. Franck
et al
2- Ancient oceans, ice
sheets and the hydrological cycle on Mars, V.R Baker et al: Nature 1991
3- Star formation in molecular clouds
- Observation and theory, F.H Shu et al: Annual review of astronomy and
astrophysics. Volume 25
4- The Formation of Planetesimals,
P. Goldreich et al: APJ 1973
5- A substantial population of low-mass stars
in luminous elliptical galaxies, Van Dokkum & Conroy : Nature 2010
6-
Astronomers count the stars, BBC News. July 22, 2003.
7-
Marcy, G.; Butler, R.; Fischer, D.; Vogt,
Steven et al (2005). "Observed Properties of Exoplanets: Masses, Orbits
and Metallicities". Progress of Theoretical Physics Supplement 158:
24–42
الكاتب: أبولو Apollo
يتبع ...
* * * * * * * * * *