الأربعاء، 31 أكتوبر، 2012

بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا

::
 
 
قبل حوالي سنتين، كنت أمر بشكل روتيني يومي على مجتمع نشط وموهوب وثري الفكر من المدونين العرب. كانت أجوائه أشبه ماتكون بزحام سوق عكاظ الذي نقرأ عنه في التاريخ، تجتمع فيه مواهب صحفية وأدبية وشعرية وفنية وعلمية وسياسية، يقدم كل متواجد فيه طبقه المميز بطعمه ولونه ونكهته المختلفة، وكل طبق تنعكس فيه قدرة ومستوى صاحبه على الإنتاج والإبداع الفكري.
 
كنت أمر على أكثر من مئتي مدونة عربية خلال الأسبوع، وأوزع وقتي المتاح عليها كلها، واحدة واحدة، لأتلذذ بقراءة تلك الأفكار المنطلقة الجريئة الحرة التي لاتحدها سياج قوانين النشر والبث التقليدية.
 
ثم لأسباب عديدة انقطعت عنها تماماً لمدة سنتين. ولكن حين عدت إليها مؤخراً، لم أجد مكانها إلاّ خرائب مهجورة، أشبه ماتكون بأنقاض حضارة سادت لحقبة من التاريخ ثم خمدت وبادت، لم يبقى منها اليوم إلاّ جدران منتصبة، تحيط بساحات تخلو من علامات الحياة، فيما عدا بعض البقاع الحية التي تعد على أصابع اليدين.
 
فما تلك الكارثة التي حلت بذلك المجتمع العربي الثري خلال تلك السنتين؟
وأين ذهب سكان تلك الحضارة المزدهرة؟
 
هاجروا أزرافاً وأفواجا، من غنى معمار التدوين ليستقروا في فقر خيام التويتر. وهذه هجرة غير مبررة ومؤسفة حقاً.
 
قارنوا مايحدث للتدوين العربي مع مايحدث للتدوين الأجنبي. فقد كنت أيضاً لفترة طويلة، ولازلت إلى اليوم، أمر في نفس الوقت على حوالي ثلاثين مدونة أجنبية أيضاً. ولكن من تلك الثلاثون مدونة، لم تتوقف عن التدوين إلاّ مدونتين منها فقط، وظلت الغالبية مستمرة يتزايد عدد قرائها بمرور الوقت، بعكس تماماً ماحدث للمدونات العربية. فما الذي تؤشر عليه هذه الظاهرة؟
 
هذه الظاهرة تكشف الفرق في طبيعة التفكير والإستعداد الذهني بين المواطن العربي والأجنبي. فالتدوين يوفر ساحة واسعة ويجبر المدون إلى حد ما على تبني منهج صحفي منسق يتطلب تفكير وتحضير مسبق للأفكار المعتزم طرحها، وتنظيم وصياغة وتدرج في الطرح، وعناية في اختيار المفردات المناسبة، واتباع أسلوب واضح في المخاطبة، والإلتزام به. أي باختصار، تتطلب جهد ذهني لطرح ما يجول في البال.
 
أما التغريدات على التويتر، فهذه لاتتطلب سوى بعض العبارات والجمل المبعثرة هنا وهناك من تعليقات وردود قصيرة، لاتتعدى في أغلب الأحوال سوى بضعة كلمات، ولايهم إن كانت بالعامية أو بالفصحى. ورغم أن المدونين الأجانب لايقل استخدامهم للتويتر عن قرائنهم العرب، إلاّ أنهم لم يستبدلوا التدوين بالتغريد كما فعل العرب.
 
هو تأكيد آخر على أن المخ العربي كسول يلتمس الراحة، وينفر من المهام التي تتطلب منه جهداً أكبر إذا أتيح له بديل آخر بجهد أقل. وهو الفرق الفاصل بين عقلية المجتمع المنتج النشط والمجتمع الإستهلاكي الخامل.
 
* * * * * * * * * *
 


الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

الفم مكمم والفائدة محدودة

::
مشاهدة مقابلات نقاد الفكرالديني العرب على القنوات العربية، من لاأدريين ولادينيين وملحدين متسترين تحت غطاء الليبرالية، أجدها بالنسبة لي تجربة صعبة تعصر القلب.
 
فهناك دوافع تقدمية وإنسانية قاهرة تحث الكثير منا على النضال المتواصل لمكافحة الظلم والتمييز والعنصرية والطغيان والفاشية التي تستمد وقودها من التراث الديني ونصوصه، ولكن لأسباب أمنية في الغالب، يرتدي أعلام هذا النضال أثواب الليبرالية ويتبنوا مبادئها في سبيل تحقيق تلك الأهداف.

إنما المشكلة في الخطاب الليبرالي/العلماني المفتوح، والذي يبث عبر القنوات الإعلامية المرئية كالفضائيات واليوتيوب، أنه يكشف هوية الناقد، وبالتالي يعرض حياته للخطر إذا حاول بدوره دعم رأيه بكشف هشاشة الأساس الذي ترتكز عليه الفاشية التي تسود الفكر السائد وهو القاعدة الدينية بأحكامها وشرائعها، مما يجعل الناقد أو الناقدة الناطق باسم الليبرالية والعلمانية يتلوى ويلتف ويدور في خطابه وردوده بدون القدرة على تقديم حجج دامغة وصلبة لدعم موقفه المناهض.
 
فعندما يظهر ريتشارد دوكنز أو سام هاريس على سبيل المثال في مقابلة أو مناظرة على إحدى القنوات، يستطيع كلاهما دحض الفكر الديني وإخراجاته بسهولة بالغة بواسطة كشف حجم الأخطاء ودرجة التناقض واللامعقولية التي تملأه. ولكن حين تظهر مثلاً الناشطة الليبرالية السعودية سعاد الشمري (في الفيديوكليب أدناه)، أو الدكتورة الكويتية ابتهال الخطيب (على هذا الرابط) أو سيد القمني أو أي شخصية عربية أخرى على قناة مرئية لترويج مفهوم الليبرالية أو العلمانية ونقد الفكر الديني، أجد شخصياً أن حججهم المقدمة، التي تتفادى في الغالب المساس بربوبية الرسالة، وبالتالي تبدو كاعتراف ضمني منهم بصحتها، تعاني من قصور وضعف وتذبذب أمام تروس قدسية وعصمة النص.
 
كيف يمكن تقديم منظومة إجتماعية أو سياسية أو اقتصادية مغايرة للعرف الديني، مهما بلغت فعاليتها في التطبيق وبلاغة وفصاحة مؤيديها، إذا كانت تتعارض بشكل سافر مع مايمليه النص والسنة؟ كيف يمكن منح أبسط الحريات الإنسانية، كحرية اختيار الملبس للنساء مثلاً، إذا كان النص يفرض عليهن التحجب؟ وكيف يمكن مكافحة زواج القاصرات إذا كان نبي العقيدة قد مارسها بنفسه؟ وكيف يمكن الإرتقاء بالمناهج التربوية والتعليمية إذا كانت تخضع تحت فرز ونخل تخريبي، يزال منها ويضاف إليها حسب مزاج وأهواء المرجعية، لكي تتكيف مع العقيدة السائدة؟ وكيف يمكن توعية الناس وانتشالهم من عادات القرون الوسطى إذا كانت بركات النص والسنة تحث على شرب بول البعير وغمس الذباب في الماء واستخدام الحجامة والرقية الشرعية اليوم في القرن الواحد والعشرين؟
 
مجرد نقد العوائق الدينية لنشر وتطبيق المنظومات الإنسانية الحديثة لوحده لايكفي للإقناع، بل يتحتم تعرية حقيقة المصدر الذي تستند عليه المعارضة وإبراز زيف قدسيته، وذلك بكشف بشرية النص وما يعج به من أخطاء وتناقضات وجهل مطبق بأبسط الحقائق العلمية التي يعرفها حتى طلبة المدارس الإبتدائية اليوم. وهذا هو السلاح الفعال الذي لا يستطيع إشهاره المتحدث باسم التغيير والحداثة، وهذا هو الضعف المنهك الذي يعاني منه الخطاب الليبرالي الساعي إلى التغيير.
 
هذا فيديوكليب للناشطة سعاد الشمري في مقابلة أجرتها قبل بضعة أيام في إحدى القنوات الفضائية، تكشف فيها درجة القمع والتعسف التي تستخدمها المؤسسة الوهابية في السعودية في تصفية المخالف. ورغم قوة أدائها ومشروعية مطالبها، لاحظوا كيف تتضعضع حجة الناشطة الشمري في تزكيتها للنظام الليبرالي، كونه يكفل الحريات والحقوق الإنسانية، عندما تحاول تكييفه مع الشريعة الإسلامية التي لاتستطيع لأساباب أمنية أن تنكرها أو تنتقدها!!! كيف يمكن أن يتكيّف نظام يمنح البشر الحرية في اللباس وفي المأكل والمشرب والتنقل والعمل والزواج والطلاق وجميع مناحي الحياة مع شريعة تناقضه تماماً؟ شريعة تكبح كل هذه الحريات وتفرض عليهم حتى طريقة دخولهم وخروجهم من المختلى؟
 
المشكلة تكمن في قدسية النص، فلو كان معها في المقابلة أي معارضة دينية، فمن السهولة البالغة على المعارضة رفض ودحض كلامها بالتلويح بقدسية النص والتحصن بربوبيته ومواجهتها بهذا المبدأ الذي يدعم جميع الممارسات الكارثية في المجتمعات الإسلامية: إذا كنت تؤمنين بربوية القرآن وقدسية السنة، فـ "ليس على المخلوق معصية الخالق"، وهذا هو مربط الفرس، وهذه هي القاعدة التي يجب على أي منادي للحداثة التعامل معها، وأي محاولة لتكييفها أو الإلتفاف حولها سوف تضعف موقف أي إنسان يطالب بالتغيير.

فطالما كانت جهود المطالبة بالحداثة والتغيير تتبنى موقف محايد من الدين، بل والأسوء أن تحاول تكييفه مع مطالبها، فسوف تكون ركائز منصتها ركيكة سهلة الهز والهدم من قبل خصومها ... مالم تبدأ بإشاحة ستار القداسة الزائفة عن حقيقة العقائد الدينية وكشف بشريتها.
 
 

 
 
* * * * * * * * * *
 

السبت، 27 أكتوبر، 2012

الأذن عطلانة بس العزم شغّال

::
رقصة صينية تسمى رقصة الألف يد (بس مو كأنه شكلهم أقل من ألف؟ أو أنا غلطان؟). وللعلم، يقال أن جميع الراقصات معاقات، منهم من فقد السمع ومنهم من فقد النطق، والنساء الواقفات بالأبيض يساعدن فاقدات السمع على تنسيق حركاتهن حيث لايستطعن سماع الإيقاع.
 
ولكنه إبداع فني باهر رغم الإعاقة. عيدية مني، استمتعوا بها:
 
 

 
 
* * * * * * * * * *
 

الخميس، 25 أكتوبر، 2012

عيد سعيد للجميع، والعزاء لأهل الخراف المذبوحة

::


 يتنفس الصعداء، ويحمد السماء ويثني عليها الليلة ملايين المسلمين لرحمتها التي منعت إبراهيم من حز رقبة ولده استجابة لأوامرها المشكوك في حكمتها . فلو لم تلغي الزعامة السماوية في الوقت الحاسم أوامرها التي أصدرتها مسبقاً، ربما خلال نوبة سايكوباثية حادة انتابتها، باعدام الطفل البريئ اسماعيل حزاً بالسكين، وشددت بشاعة الفعل بتوكيل أباه للقيام بالمهمة ، لتواصلت وتكررت المذابح الأسرية في كل سنة بمباركة البلاط الملكي الأعلى. ولكن لحسن حظ ابراهيم وأتباعه، حولت رحمة السماء المتقلبة، مناسبة إراقة الدماء الجماعية من البشر إلى الخراف.
 
وفي هذه المناسبة أتقدم إلى جميع متابعي وزوار المدونة الكرام (ليديز أند جنتلمن) بأحر التهاني بحلول عيد الأضحى، آملاً أن يحتفلوا به كمناسبة دورية سعيدة، بدون إراقة دماء أي كائن تقرباً لرب الكعبة أو لأي رب آخر.
 
* * * * * * * * * *
 


الثلاثاء، 23 أكتوبر، 2012

السماء تكره السي بي يو وتفضل الهارد درايف

::
 
هارد درايف 
 
وصلني تعليق من زائر/ة على هذا الموضوع السابق أحببت أن أطرح فيه بوست، ليس بسبب درجة بلاغة ذلك التعليق أو وزنه الفكري، فهو ضحل وعادي وأفكاره أخف من شعرة، إنما تقديمه كنموذج لعرض نوعية العقلية التي تهدف السماء إلى زرعها في مخلوقاتها "المفكرة".
 
وهذا هو التعليق كما جاء:
 
قبل ما اغادر ها المدونة بقول كلمة لك يا بصيص اقسم برب العزة والجلال انك سوف تحاسب امام الله على كل حرف كتبته وساعدت ابليس وجندت نفسك من حزبه لتحارب من اوجدك في ها الكون لكن عقابك انك بتحرم من رؤية الله عندما يفرح المؤمنون برؤية من اوجد هذا الكون العظيم وقلي وش القدرة فا الكون اللي تساوي قدره الله وعالم مهما بلغ من علم وتكنولوجيا هل صنع جناح بعوضة هل لمس احد فيهم السماء تبارك الله خير الخالقين وثبتنا مؤمنون برب عظيم نور لا يقبل الظلام عدل لا يقبل الظلم رحمن لن يقبل القسوة واحد ليس له شريك ولا شبيه تعالى الله عما يصفون. (انتهى)
 
وصاحب/ة التعليق كتب مشاركات كثيرة أخرى غطى فيها عدة بوستات سابقة، كلها في نفس اليوم، مما يشير إلى أنه قد أنفق وقتاً طويلاً في قرائة الأفكار المطروحة في المدونة، يبدو كلها في نفس الجلسة. ولكن بعد كل هذا الوقت والجهد من القرائة والإطلاع لم يخرج منها بشيئ، كما هو واضح في تعليقه، سوى نفس العقلية ونفس التفكير ونفس الخواء الذي دخل به في المدونة!
 
وهذا بالضبط النموذج المثالي للمؤمن الذي تفضله السماء على باقي البشر وتسعى لكسبه، إنسان منزوع الإرادة ومكبل الحرية، عليه أن يكرر مايقال له ويتبع ما يؤمر به، يسيّره في كل دقيقة من حياته نظام تشغيل محدد ومقفل، جامد وغير مطواع، لايتكيّف مع المستجدات.
 
طيب، إذا كان هذه هو هدف الرب، فلماذا إذاً أضاع وقته الربوبي الثمين في خلق مخ الإنسان بقدرة على التفكير؟ كان يكفيه أن يضع برأسه ما يعادل الـ هارد درايف لتخزين المعلومات وتنفيذها فقط، بدون الحاجة لإضافة سي بي يو إليه للمعاينة وصنع القرار ... 
 
ويوفر على ذاته الربوبية النرفزة والعصبية وعلى مخلوقاته الضعيفة العذاب؟
 
 
سي بي يو
 
* * * * * * * * * *
 


الأحد، 21 أكتوبر، 2012

اليكساندر وصل أبواب الجنة ورجع

::
إيبن اليكساندر جراح أعصاب أمريكي قدير، شغل عدة مناصب أكاديمية طبية مرموقة ودرّس في بعض أشهر المستشفيات الجامعية وأرفعها مرتبة في علوم الطب، من بينها جامعة هارفرد.
 

 
 
أصابه في عام 2008 التهاب خطر في الدماغ أوقعه في غيبوبة دامت أسبوع. يقول في مقالة طويلة نشرتها له مجلة نيوزويك الشهيرة تحت عنوان، برهان على الجنة: رحلة جراح أعصاب إلى ما بعد الحياة، وغطت بها غلاف العدد الجاري، بأنه قد انتقل خلالها إلى العالم الغيبي ورجع منه. وهذه مقتطفات من وصفه لتلك التجربة (مع بعض التصرف في الترجمة). يقول اليكساندر:
 
"في بداية تجربتي، كنت بين الغيوم، الوردية/البيضاء المنتفخة الكبيرة، التي ظهرت بوضوح في زرقة السماء العميقة. وفوقها، في ارتفاعات شاهقة لاتقاس، كانت تعبر السماء  أسراب من الكائنات المتلألأة الشفافة، وتترك خطوط إنسيابية خلفها.
 
طيور؟ ملائكة؟ هذه الكلمات خطرت لي لاحقاً عندما كنت أدون ذكرياتي، ولكن كلا هاتين الكلمتين لاتعطي هذه الكائنات حقها في الوصف، لأنها ببساطة كانت تختلف عن أي شيئ آخر عرفته على هذا الكوكب. فقد كانت على هيئة متقدمة وسامية ...
 
انبثق صوت ترانيم رائعة ومدوية من فوق، وقد تسائلت فيما إذا كانت صادرة من هذه الكائنات المجنحة ... كان الصوت ملموس كأنه مجسد، يشبه المطر إذا لامس الجلد بدون أن يرطبه.
 
وجدت نفسي كالنقطة على جناح الفراشة الجميل، تحيط بنا ملايين الفراشات الأخرى. كنا نطير فوق الزهور المتفتحة والأشجار المزدهرة، وكانت كلها تتفتح بينما نحلق فوقها ...

كانت هناك مياه جارية، وبركات من الماء، وألوان لاتوصف. ومن فوقنا، كانت هناك أقواس بألوان مذهبة وفضية، وترانيم رائعة تنبثق منها. وقد وصفت تلك الأقوس فيما بعد بأنها ملائكة، وأعتقد أن هذا الوصف دقيق.
 
ثم خرجنا من هذا الكون. أتذكر أنني رأيت كل شيئ يتراجع، وقد شعرت في بادئ الأمر بأن وعيي قد دخل في فراغ أسود لامتناهي. كان ذلك شعور مريح للغاية، وكنت أدرك حدود تلك اللانهاية، إنما من الإستحالة وصفها بالكلمات.

كنت هناك مع الوجود الرباني الذي لم أستطع أن أراه عينياً أو أن أصفه، فقد كان هالة من النور المبهر". (إنتهى، والمقالة الكاملة في الرابط أعلاه) 
 
وهذه مجرد مقتطفات قصيرة من وصف طويل لما رآه اليكساندر في غيبوبته التي أصدر فيها الآن كتاب على وشك النشر. فماذا نستطيع أن نقول حيال هذه التجربة الغريبة؟
 
ربما أول خاطرة تمر في ذهن القاريئ المشكك، أن هذه الرؤية لاتغدو عن كونها مجرد حلم أو هلوسة انتابت اليكساندر في غيبوبته. ولكن حسب رأيه الذي يسنده بنتائج الأشعة المقطعية CTScan وفحوصات عصبية أجريت عليه، ولاننسى أيضاً بأنه دكتور متخصص في جراحة المخ، أن غيبوبته قد تسببت عن التوقف الكلي للعمليات الدماغية الصادرة من القشرة اللحائية الكورتية  Cortex في المخ بسبب إلتهابها، وبتوقف ذلك الجزء من الدماغ، يتوقف الوعي والتفكير والإدراك، ومعه أي تخيلات أو هلاوس أو أحلام. ولهذا السبب فإن التفسير الوحيد لتلك الرؤية الواضحة التي ظهرت لإليكساندر، حسب رأيه، هو نوع من الإنفصال الروحي عن الجسد، انتقل فيه إلى عالم آخر خلال فترة فقده الشامل للعمليات الدماغية العليا في المخ.
 
فهل نقبل أخيراً، بأن هناك إنسان على قدر مرتفع من الثقافة والذكاء، وبسند من الفحوصات الطبية، قد خرج من هذه الدنيا لفترة إلى عالم آخر ماورائي، ثم رجع منه ليخبرنا بما رأى فيه؟ وأن وجود عالم الغيبيات، الذي لطالما ذكرته وأصرت على حقيقته أغلب أديان البشر على مر عصورها، هو حق وواقع يجب علينا أن نؤمن به ونستعد له؟
 
الإجابة باختصار: لأ، لأن تجربة الدكتور المرموق، تبينت بعد المعاينة أنها غير مرموقة وممتلأة بالثقوب. وتهاريف الأديان بالعوالم الماورائية لاتزال تقبع تحت تصنيف التهاريف والتخاريف، لم تتزحزح عنها خطوة نملة.
 
أول ملاحظة مرت بذهني في بداية قرائتي للقصة، وقبل الإستناد إلى أي من الإنتقادات العديدة التي إنكبت عليها من عدة مصادر علمية بعد نشرها، هو مكونات الصورة التي تجلت للدكتور في بداية "دخوله" في هذا العالم الغيبي، والتي تمثلت برؤيته للغيوم والكائنات المجنحة الطائرة، وسماعه للترانيم. فهذه كلها صور كليشيهية كاريكاتورية تجسد العالم الألوهي التقليدي الموصوف في الكتب التوحيدية، والمسيحية بالخصوص. وهي صورة يُنظر إليها في الدوائر المثقفة اليوم بأنها صورة بدائية عوامية ساذجة، تعكس جهل الناس ذاك الوقت بحقيقة الكون، تمخضت قبل آلاف السنين من عقول أقوام انحصرت تخيلاتهم في إطار ثقافة عصرهم. فالسماء كانت في نظرهم قبة تعيش فوقها الآلهة مع ملائكتها، والأسلوب الوحيد للوصول إليها هو بالطيران المجنح، مروراً بالغيوم طبعاً.

وهذا بالضبط ما ترآئى لدكتورنا المتألق في غيبوبته، فتجربته تعكس ثقافة محيطه المسيحي الذي نشأ فيه وانطبعت أيقوناته في فكره. ومما يدعم ذلك إعترافه في بداية المقالة بانه مسيحي مؤمن، رغم زعمه بأنه غير ملتزم.
 
أما إصراره، المدعم بمؤهلاته الطبية ومنصبه العلمي المتألق ونتائج فحوصاته، على أن تجربته هذه لم تكن من وحي أحلامه أو هلاوسه خلال غيبوبته، فقد دمره سام هاريس في هذه المقالة التي خصص لها نصف يوم من عمله لكي يرد من منطلق علمي عليه. ومقالة سام هاريس طويلة نوعاً ما ولا أريد أن أطيل هذا البوست، ولكني سوف أقتبس جزء من منها حول تفنيده لنتائج الأشعة المقطعية والفحوصات العصبية التي يستند إليها أليكساندر في تأكيده، والذي يبدو لأي شخص غير متخصص بأنه علمي صلب (والفقرة التالية هي إعادة صياغ لجزء من المقالة):
 
يقول هاريس - والذي يحمل بالمناسبة شهادة دكتوراه في علم الأعصاب أيضاً - أن الأشعة المقطعية التي يستند عليها أليكساندر لاتستطيع أن تبت فيما إذا كانت نشاط العمليات الدماغية جاري أو متوقف في المخ، فهذا يحتاج لتحديدها إلى آلات متخصصة أخرى كـ  التصوير بالرنين المغناطيسي fMRI والـ تخطيط الموجات الدماغية EEG وغيرها، والتي لم يذكر الدكتور بأنها قد استخدمت. ويضيف، أنه حتى لو لم يكن هناك نشاط ظاهر في عمليات الجزء الملتهب من دماغ الدكتور، فلا يعني هذا بالضرورة أن العمليات الدماغية قد توقفت تماماً كما يظن أليكساندر، لأن من المحتمل أن تكون جارية ولكن بدون أن تلتقطها الأجهزة. ويقول أيضاً، لو كانت قد توقفت تلك العمليات الدماغية تماماً كما يزعم اليكساندر، فهذا يعني موت ذلك الجزء من مخه، وهذه حالة لايمكن الإفاقة منها، وتعني موت وعي الإنسان حتى لو كان جسده حي. 
 
هذا يدحض تماماً مزاعم إنتقال إنسان إلى عالم ماورائي، وتظل الفكرة مدفونة بين صفحات الكتب البدائية وفي طيات أدمغة المخدوعين بها، لم يأت أحد منهم بأي دليل على صحتها رغم منحهم  فترة طالت أكثر من ألفين سنة لإثباتها وإجراء عشرات الآلاف، بل ربما ملايين التجارب عليها. فهذه فكرة قد آل مصيرها لنفس مصير محاولة إثبات وجود فيل غير مرأي أخضر بثلاثة خراطيم جالس فوق الشجرة ياكل موز، فنتائج هذه المحاولات العقيمة كلها واحدة، وهي بالضبط:

صفر. 
 
وليس من المستغرب بعد المعاينة والتمحيص الموضوعي أن تتهاوى مصداقية هذه القصة التي بدت في ظاهرها وكأنها قائمة على قواعد علمية صلبة، فجميع القصص والأحداث التي يمر بها البشر والتي تشير بنظرهم إلى وجود عوالم غيبية تتبوء نفس المصير، وليس من المستغرب أيضاً، رغم الغياب التام للدلائل وانكشاف الكذب والتزوير، أن الناس لاتزال تتشبث بوهم وجود حياة ما بعد الموت ...

لأن الوهم يزرع الأمل، والأمل يُخدّر آلام مواجهة حقيقة أن الحياة مصيرها الفناء.
 
* * * * * * * * * *
 


الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

أُفضّل السلطة بدون لحم حي

::
انعزمت الليلة على غفلة، فالموضوع الذي كنت أنوي كتابته لهذه الأمسية راح يتأجل إلى بكرة. فإلى ذلك الوقت، هذه قصة طريفة لتسليتكم، على طاري الأكل ...
 
تمعنوا في كيس الخضار في الصورة، هل ترون فيه متطفل؟ أخضرباهت، وأملس، ورطب، ومن فصيلة ذوات العيون المبحلقة؟
 
 
 
هذه الصورة التقطت عام 2006 لضفدع وجده حينذاك أحد الزبائن في كيس الخضار المغسول والجاهز للأكل. وقد ضحكت على الخبر اللذي صادفته يوم أمس في البي بي سي والذي يحمل صورة مشابهة التقطت الشهر الماضي فقط لضفدع آخر وجدته كريستينا كارينغتون في كيس الخضار أدناه الذي اشترته من السوق المركزي ويتروز في مقاطعة هامبشر في أنجلترا:
 
 
 
أرجوا أن وليمة مضيفنا الليلة مو نباتية، لكي لايبلينا بالوسواس وتتعكر الوجبة. 
 
* * * * * * * * * *
 

الخميس، 18 أكتوبر، 2012

أبوهريرة يظهر في الأزهر

::
إذا كانت المقررات التعليمية التي يلقيها المُدرّس على طلبته، تتكون من عناصر مكررة وضحلة ورتيبة وحفظية، وتحتوي على مفاهيم أثرية قديمة مهترئة أكل عليها الدهر وشرب حتى التخمة والغثيان، فماذا يفعل ذلك المدرس حين ينتابه الملل من الإجترار المتكرر لنفس ذلك العلف؟

يستدعي أي قطة مارة، ويتسلى باللعب معها أثناء التدريس:




* * * * * * * * * *
 


الأربعاء، 17 أكتوبر، 2012

صورة تذكارية من دولة إسلامية

::
هذه صورة تذكارية من دولة أزواد الإسلامية (الغير رسمية) التي فقست حديثاً في شمال جمهورية مالي الإفريقية كما تفقس الأفعى من البيضة، تحت حضانة ورعاية وتمويل مربينها في خليجستان. نشرت للتأكيد على حرص الناشطين التقاة في هذه الدولة الدينية اليانعة على تفعيل أوامر السماء في تطبيق شريعتها "السمحة" بتقطيع أيدي وأرجل البشر من خلاف. وهؤلاء بعض من نجى من سكاكين الجزار، فلانعرف عدد من نزف إلى الموت أو من قطع لسانه أو جدع أنفه أو سملت عيناه في خدمة الرب، فهذه كلها ممارسات يقال أنها تجري هناك على قدم وساق - ممن لايزال يحتفظ بأطرافه.

والسؤال البسيط الذي يطرح نفسه هو:

هل من الممكن شرح فوائد تحويل الناس جماعياً إلى معوقين منخفضي الإنتاج؟
::
::
الإجابة: لكي يزداد إعتماد المجتمع المعاق على المعونات الخارجية، ويتفرغ مواطنيه للعبادة.


الاثنين، 15 أكتوبر، 2012

المظلي فيليكس يعتنق الإسلام،. إشاعة أم حقيقة؟

::
تعج النت بالأقاويل والإشاعات حول دخول المغامر المظلّي فيليكس باومغارتنر في الإسلام، يقال بعد سماعه لهاتف من السماء (صوت الأذان أو ترتيل من القرآن) خلال هبوطه وتحطيمه للأرقام القياسية في إرتفاع بالونه الذي وصل إلى 39 كيلومتر، وسرعة سقوطه التي بلغت 1342 كيلومتر بالساعة وتعدت سرعة الصوت. فهل إسلامه حقيقة أم إشاعة؟
 
ربما الإجابة في هذا الفيديو:
 
 



 
 
يلاّ شناطرين؟ قوموا توضوا وصلوا وتوبوا إلى ربكم. تبون برهان أقوى من هذا؟
 
* * * * * * * * * *
 


الأحد، 14 أكتوبر، 2012

كيف عرف البندول أن يضبط نفسه؟

::
هذه إحدى أغرب الظواهر الفيزيائية التي شاهدتها في المختبر، وهي كيفية تزامن البندولات (رقاص الإيقاع) مع بعضها تلقائياً بعد أن تم تحريك كل قطعة منها بتوقيت يختلف عن الأخرى.
 
عدد البندولات 32 وكلها مضبوطة على نفس سرعة الإيقاع، إنما تم تشغيلها بأوقات مختلفة. شاهدوا كيف تتناغم بالتدريج لتتزامن دقاتها تلقائياً بمنتهى الدقة بدون تدخل خارجي.
 
 

 
 
وهذا تفسيرها:
 
الطاولة تحت البندولات ليست ثابتة، بل معلقة بالخيوط، مما يعطيها مجال صغير للحركة. فعندما يتحرك الرقاص في كل بندول من جانب إلى جانب، تسبب دفعة رجوعه بعد تكملة جولة من حركته رفسة خفيفة للطاولة تهز الطاولة بشكل طفيف تنتقل فيه الرفسة إلى البندول القريب. وهذا الرفسة المنتنقلة تؤثر بدورها على حركة الرقاص في البندول الآخر، فتسرعه أو تبطئه. وهكذا تنتقل هذه الرفسات بين البندولات لتبطئها أو تسرعها حتى يتزامن توقيت الدقات بين جميع البندولات.
 
أليس العلم جميل؟
 

الجمعة، 12 أكتوبر، 2012

أقوى دليل على عدم وجود الله

::
والدليل بكلمتين هو: وجدي غنيم. الداعية المسلم الذي قدّم نفسه كبرهان على عدم وجود الرب.

وجدي غنيم ومن هم في صفه وعلى مستوى فكره، وهبوا البشرية بأقوى الأدلة على عدم وجود الإله، وهذا ليس بمزحة، بل أعني ما أقوله. لأن أي إله يُثمّن رسالته ويأخذها بمحمل الجِد ويريد  إيصالها إلى البشر وتعريف نفسه لهم، لن يترك صروح الفكر الشاهق وجباهذة الإبداع  كآينشتاين وهوكنغ وراسل وسبينوزا وابن رشد والرازي ليلحدوا به، ثم ينحدر إلى قعر جب الظلمات ليخرج منها بديلاً عنهم ثراثرة البلاهة والعبط والسطحية والجهل كوجدي غنيم وأمثاله لتمثيله والدفاع عنه... الإله الذي يحترم ذاته الربوبية لن يفعل ذلك. 

فأينما كانت العباطة والحمق تجانب الإله، باعتبار أن الآلهة تعريفاً سامية الصفاة، فذلك الإله بالضرورة إله زائف.

حاولت وضغطت وعصرت نفسي لتكملة مشاهدة هذا الفيديوكليب فلم أستطع، واضطررت إلى إيقافه بعد أقل من خمسة دقائق، لأني شعرت بأن خلايا دماغي كانت على وشك الإنتحار للتخلص من عذاب البلاهة التي كانت تصب عليها من أذني. فلمن لايريد مشاهدة الفيديو حفاظاً على عقله، هذا ملخص للخمسة دقائق التي شاهدتها فيه:

وجدي غنيم شاهد هذه المناظرة (والجزء الثاني منها هـنـا) بين مسلم وملحد على إحدى القنوات الفضائية، مثل فيها الدكتور عمرو شريف الجانب الديني والصحفي بسام البغدادي الجانب الإلحادي. طرح البغدادي فيه طلب بسيط للغاية، وهو أن يأتيه الدكتور المسلم بدليل على وجود الله. ولكن هذا الطلب البسيط هو بعبع كل مؤمن، وهو الذي حرك وجدي غنيم وجعله يعجل في تصوير هذا الفيديو كليب وهو لايزال في بيته وفي بيجامته. إنما تلك العجلة دفعته لكشف الغطاء عن درجة الضحالة الفكرية التي ينقع فيها مخه. 

فالفيديو كليب، أو الجزء الذي شاهدته منه، عبارة عن رد نموذجي غنيمي على الملحد واعتراض غنمي مثالي منه على دخول المسلم في مثل هذه النقاشات التشكيكية المزعزعة للإيمان. لأن طبيعة الأغنام أن تنصاع للراعي لا أن تعترض أو تحتج على هشه لها. والجزء الذي كاد أن يتلف خلايا دماغي وجعلني أوقف الفيديو، هو رد المهرج بوغنّوم عندما ضرب مثلاً على "سخافة" هذا الطلب في محاولة لتسفيهه بتشبيهه بـ كمن يطلب منه أن يأتي بدليل على وجود الشمس!!!!!!!!!!!!!!

ياغنيم يا ذو النبوغ المعكوس، الشمس تطلع كل يوم، كل يوم، كل يوم، على الجماد والحيوان والبشر منذ ظهورهم، وتظل طوال اليوم تسطع فوقك وتسلخ نافوخك بحرارة تطبخ بيض النعام أمام عيونك. أين الله الذي لم يطل علينا بـ "وجهه الكريم" أو حتى بخشمه الوسيم مرة واحدة؟



وهذا نموذج آخر على عبط غنيم، إضغط هـنـا.

* * * * * * * * * *



الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

رسالات الرب تحتضر

::
خلال القرون الوسطى، والحقبات التي سبقتها منذ ظهور الديانات التوحيدية بالخصوص وانتشارها في الشرق الأوسط وأوروبا، كانت نسبة المؤمنين بهذه الديانات تدنو من الـ 100% من تعداد سكان المناطق التي عمّتها وترسخت فيها.
 
ولكن منذ بزوغ العصر التنويري في القرن السابع/الثامن عشر، وانتعاش الصحوة الفكرية التي أثارها، وانحسار نفوذ الكنيسة الذي وازاه، بدأت نسبة هذا الإيمان الديني الكاسح بالتقلص بتدرج بطيئ استغرق عشرات العقود تسايراً مع التقدم الحضاري في المجتمعات الأوروبية لتنخفض هذه النسبة إلى تصنيف يدرج اليوم تحت مسمى الأقليات الدينية، تتراوح أحجامها مابين 20 إلى 50% من السكان في أوروبا ...

ولكن مع بعض الإستثنائات، أهمها الولايات المتحدة الأمريكية، فهي الدولة الغربية الكبرى الوحيدة، وآخر حصن ديني هام استمر في المقاومة الشرسة للإنفتاح العلماني واللاديني والإلحاد الشامل الذي عم واجتاح جيرانها عبر مياه الأطلسي. فقد كانت نسبة المتدينين في أمريكا إلى العقد السادس من القرن الماضي تفوق الـ 90% إن لم تخني ذاكرتي حسب عدة دراسات إستفتائية صادفتها (لاتحضرني مصادرها في لحظة كتابتي لهذا البوست ولكن قليل من البحث في غوغل لاشك سيظهرها لمن يريد التأكد).
 
ولكن المقاومة الأمريكية لكبح مد اللادينية الذي اكتسح أوروبا بدأت في التهاوي في بداية التسعينات من القرن الماضي، واستمرت في تقهقرها الحثيث خلال الـ 25 سنة التي أعقبتها حتى وصلت نسبة اللادينيون في الولايات المتحدة إلى 15% في عام 2006.
 
ويوم أمس الماضي، نشرت هيئة بيو دراسة إستفتائية جديدة تشير إلى أن نسبة اللادينية قد قفزت هناك بمعدل 5% لتصل إلى حوالي 20% من تعداد السكان خلال الخمسة سنوات الماضية فقط!!!
 
وهذه تعتبر إحصائياً قفزة هائلة غير متوقعة في التوجه العلماني/اللاديني الجديد الذي بدأ يكتنف مجتمع غربي هام وكبير وفي غاية التدين، أظهر لفترات طويلة مقاومة شديدة تجاه أي محاولات لضعضعة العقائد المترسخة فيه. وقد أتت هذه الطفرة الإنحسارية في تدين المجتمع الأمريكي من ضمن توجه علماني/لاديني يكتسح العالم من شرقه إلى غربه، كما تشير إليه هذه الدراسة الأخرى التي غطت 57 دولة.
 
فمد الأديان ونفوذها بدأ يتراجع منذ نهاية القرون الوسطى في معظم المجتمعات الغربية، وأخذ يتسارع في انكماشه دولياً خلال العقود القليلة الماضية، ووصل هذا الإنكماش مؤخراً إلى أكبر وأهم دولة غربية متدنية وأخذ الآن يتسارع فيها. ولكن هذا التراجع يمس في الغالب الديانة المسيحية وفروعها، كونها الديانة الأساسية في هذه المجتمعات، فماذا عن الدين الإسلامي، وماهو وضعه من كل هذا؟

لم أصادف دراسات محددة وموثقة تبين وضع الدين الإسلامي من هذا التوجه اللاديني الدولي، ولكن حتى لو قبلنا جدلاً مايقال من أن الإسلام في زيادة وانتشار، وأن حجمه يتعدى المليار، فقبل أن ندرج هذه البيانات كحقائق لايعتريها الشك، يجب مراعاة أولاً عدة عوامل أخرى كامنة في التركيبة السكانية للمجتمعات الإسلامية بالخصوص والمجتمعات النامية بالعموم، تتمثل بمعدل الولادة، والتحرك السكاني بواسطة النزوح والهجرة المتواصلة، بالإضافة إلى الطبيعة الترهيبية العدائية للعقيدة الإسلامية تجاه البوح باللادينية والإرتداد، لأن هذه العوامل ستجتمع لتعطينا صورة ملوية ومغلوطة عن انتشار الإسلام والعدد الحقيقي لمعتنقيه:

1- نسبة الولادة ومعدل عدد الأطفال في العائلات المسلمة يفوق بكثير نظيرتها في المجتمعات الأخرى، لاسيما في الدول الغربية. وهذا سوف يقدم إنطباعة مغلوطة أن الإسلام يزداد وينتشر كدعوة ربانية، بينما الزيادة الحقيقية أتت كنتيجة سكانية طبيعية لارتفاع معدلات الولادة بين المسلمين.

2- تزايد نسبة المهاجرون المسلمون إلى الدول الغربية، وخصوصاً النازحون إليها من شبه القارة الآسيوية وشمال أفريقيا، سوف يشير كما لو أن الإسلام ينتشر دعوياً في الدول الغربية، بينما تلك الزيادة لاتغدو عن كونها مجرد حالة إنتقال سكاني من مجتمع إلى آخر وتكاثره النسلي هناك.

3- وجود نسبة غير معروفة من الملحدين واللادينيين "الصامتين" ضمن الأرقام الإحصائية لأعداد المسلمين. هذه النسبة لابد أنها أكبر مما هي في الظاهر بسبب صمت هذه الفئة خوفاً من العقوبات الجزائية وتفادياً للنفور الإجتماعي الذي سوف يصيب من يبوح بالحاده. وعدم إزالة هذه الفئة من البيانات الإحصائية لأعداد المسلمين سوف يُضخم الأرقام ويقدم صورة مبالغة لحجمهم الحقيقي.
 
فأي معلومات تزعم أن الإسلام في تزايد وانتشار، لابد أن تأخذ بعين الإعتبار العوامل المؤثرة إحصائياً أعلاه. أما عن موجة التدين التي تجتاح العالم الإسلامي وامتطاء القيادات الإسلامية لها من خلال الثورات الأخيرة، فهذه كلها تعكس توجهات واضطرابات نابعة عن مشاكل وتقلبات ضمن المجتمعات الإسلامية نفسها، تعلو وتهبط مع المد والجزر السياسي/الإقتصادي في تلك المناطق، لاتساهم بالضرورة على انتشار الإسلام خارجها، ولاتوجد مؤشرات على ذلك. إنما ظاهرة الإرتفاع في نسبة التدين في أي مجتمع، لها أسباب معروفة في علم الإجتماع كما أظهرتها هذه الدراسة التي تبين وجود علاقة قوية بين مستوى الفقر وشدة التدين، فكلما ازداد فقر المجتمع زادت نسبة تدينه، والعكس صحيح. ولهذا السبب تنخفض نسبة التدين في الدول الإسكندنافية التي تتمتع بمنظومة اجتماعية فعالة توفر المعونة للمحتاجين، بينما ترتفع في الدول الفقيرة الشحيحة الموارد كمصر وسوريا وباكستان.

ولذا فسوف يظل المؤمن المغبون متمسك بوهمه، آملاً من رب غائب أن ينتشله من بؤسه، ولايهمه إن كان الفرج سيأتيه في دنياه أو سيتأجل إلى ما بعد موته، لأنه معدوم الحيلة وبحاجة إلى أمل لكي يعيش في مجتمع مبتلى بالفوضى والفقر والفساد.

ورغم أن نفوذ الأديان في تضعضع مزمن وأعداد معتنقيها يتقلص دولياً، كما تشير إليه أغلب الدراسات التي أجريت خلال العقود الماضية، ورغم عدم وجود أي شك لدي بأن الدين الإسلامي يمر في مرحلة مؤقتة سوف ينحسر تأثيره وتنخفض نسبته عاجلاً أو آجلاً، إلاّ أن مؤشرات إنحساره يكتنفها الضباب حالياً.

فإلى أن يحل يوم وفاة الديانات، راقبوها وهي تضمر وتتلوى وتحتضر.
 
* * * * * * * * * *
 


الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

إنتابتني ضحكة في عزاء

::
صاحبت أحد أقربائي في السيارة قبل بضعة سنوات للذهاب إلى عزاء قريب آخر لوفاة والده. وخلال مسيرتنا الطويلة في زحمة الشوارع، انجرف الحوار، أظن بفعل الحر وملل زحف السير الذي التصقت السيارات في طوابيره البطيئة الدعامية بالدعامية، من سرد مآثر المرحوم وذكرياتنا القديمة معاه، لينعطف إلى الحديث عن عالم السينما والأفلام.

فكنت أذكر لقريبي خلال ذلك الحديث التائه في زخم الحر والزحام أنه من المعروف في مجال الإنتاج والإخراج السينمائي وجود مايشبه بالمعادلة الرياضية، يستخدمها العاملون في ذلك المجال للتعويض عن ضعف الجانب الجوهري الفني برفع جانب آخر ثانوي من العمل السينمائي لكي تستقيم المعادلة ويتم استقطاب العدد المنشود من المشاهدين.

فإذا ضعفت القصة مثلاً أو كان أداء الممثلين هابط أو لم يكونوا من المشاهير أو كانت ميزانية الإنتاج ضعيفة، يُرفع جانب آخر معياري يستخدم دوماً للتعويض عن ذلك الضعف، وهو جانب الجنس والعنف، فترى دائما زيادة غير عادية لمشاهد الإثارة الجنسية والعنف المبالغ في أفلام الدرجة الثانية أو ماتسمى بـ بي موفي B movie.

وعندما وصلنا أخيراً إلى مجلس العزاء وقدمنا تعازينا إلى أهل المرحوم وجلسنا قريباً منهم، فاجأني أحد أولاده بتقديم نسخة من القرآن لي قائلاً أن والده قد أوصى قبل وفاته بتوزيع مجموعة منها على بعض أفراد العائلة ضمن لائحة كان قد كتبها وأدرجني فيها! فأخذته مع وافر شكري وبدأت أتصفح فيه بينما جنح خيالي إلى منظره وهو مرصوصاً على الرف في قسم الروايات الخيالية من مكتبتي، يزاحمه من جانبيه كتابي ألف ليلة وليلة وأليس في بلاد العجائب.

وبينما كنت أتصفح في هذه الهدية الموروثة الغير متوقعة والخالية تماماً من أي منفعة أو فائدة لي، وقعت عيناي على هذه الآية:

إن للمتقين مفازا {31} حدائق وأعنابا {32} وكواعب أترابا {33} - من سورة النبأ. فشردت من جوفي قهقهة خفيفة عندما مر بصري على آخر عبارة منها، جعلت نظرات الحيرة والإستهجان تصوّب نحوي من بعض المتواجدين حولي، اضطررت بعدها فوراً لاستدراك الموقف بتقنيع الضحكة بكحة مصطنعة أعقبتها رشفة ناشفة من كوب الشاي.

فقد كنت قبل بضعة دقائق فقط أتحاور في السيارة عن أسلوب هوليود في التعويض عن ضعف الإنتاج السينمائي للأفلام برفع مستوى الإثارة الجنسية فيها، وها أنا الآن أحدق في نفس هذا الأسلوب المستهجن أخلاقياً حتى عند الغرب المتحرر الكافر، يستخدمه رب العفة والفضيلة أيضاً في دعم إنتاجه الخطابي الذي أدرك كليشيهاته ولامعقوليته حتى أفراد المجتمع الرعوي في جاهليتهم.

فما معنى آية وكواعب أترابا؟

المقصود بالكواعب في الآية هي نهود الفتاة اليانعة البكر، حيث تم تشبيه شكل ثدييها البارزان اللذان لم يرتخيا بعد ببروز كعب القدم. أما الأتراب فتعني أن صاحبات تلك النهود اللاتي ينتظرن المؤمن في الجنة كلهن من نفس السن. والقرآن هنا يحاول بشكل مكشوف إعطاء القاريئ الذكر صورة ذهنية إغرائية جنسية بحتة بواسطة التلاعب بمخيلته وتهييج شهواته لهدف كسبه والسيطرة عليه.

وهذا الأسلوب يتشعب إلى عدة أدوار تساهم كلها في تعزيز السيطرة والحصول على التسليم والخنوع المنشود من المؤمن، فبالإضافة إلى إغرائه بشكل مباشر بالملذات الجنسية التي تنتظره بعد موته، يقوم أيضاً بإنحاء تفكيره بعيداً عن المعاينة النقدية لمضمون الرسالة وجوهرها والتمحيص فيها لتقييم قوة حجتها وذلك بجره إلى عالم التخيلات الشهوانية وغمسه في أحلام غرائزه، نفس الأسلوب الذي يطبق في الأفلام الركيكة التي يضعف الجانب الفني فيها.

هذا الخط الشهواني الإغرائي كما يعرف الجميع، يعبر النص المقدس بطوله وعرضه ويتكرر فيه من الغلاف إلى الغلاف، ولايختلف كثيراً في غاياته وأهدافه عن الخط الجنسي المتبع في تسويق أفلام الدرجة الثانية، سوى في تمييزه السافر بين الذكر والأنثى. فبينما الإثارة الجنسية في أفلام هوليود تستهدف كلا الجنسين، تتركز نظيرتها القرآنية حصراً على الذكور، فلن تجد في النص أي محاولة لكسب النساء بنفس الأسلوب، طبعاً لذكورية المجتمع الصحراوي آنذاك ولحاجة القيادة الإسلامية إلى المقاتلين الرجال أكثر مما هي بحاجة إلى مساهمة النساء. 

فهل تريدون برهان أقوى من هذا يدل على بشرية النصوص وهزالتها في تقديم الحجة التي لو كانت حقاً من إله لما احتاج منتجها السماوي لنشرها تبني نفس الأسلوب الجنسي الهابط الذي يستخدمه البشر لتعويض ركاكة إنتاجهم الأرضي؟

موجود.
:: 
* * * * * * * * * *
 


الأحد، 7 أكتوبر، 2012

عذوبة في الغناء من حنجرة عفراء

::
غاطس في العمل إلى أذني هذين اليومين، هاكم عفراء هزاع تطربكم على ما أطفو وأرجع لكم بموضوع جديد.
 
ولمن لايعرفها، عفراء هزاع مطربة إسرائيلة من يهود اليمن، توفت عام 2000 عن عمر يناهز 42، وتركت لنا مجموعة رائعة من الفن الموسيقي جمعت فيه بين ألحان التراث الشرقي والإيقاع الغربي كما سوف تلمسونه من هذين المقطعين القديمين من عام 1978، تغني فيهما بالعربي والعبري.
::


 
 
 


 
 


السبت، 6 أكتوبر، 2012

إبداع رقص الظل

::
فن رقص الظل لفرقة بيلوبولوس، إبداع لاتتأملوا أن تروه على مسارحكم قريباً، حفظاً لكم من عقوبة إطباق السماء عليكم.
 
 
 
 
* * * * * * * * * *
 

الخميس، 4 أكتوبر، 2012

لو نزل عليهما ملاك بهذا الحكم لطرداه

::
من ضمن التعليقات على بوست محاولة قتل الأم جوهرة لابنتها، ذكّرنا الأخ الكريم صديق الأحرار بعدم وجود نص أو حكم صريح في الشريعة الإسلامية يحرض على قتل الوالدين لأطفالهم، وهذا كلام صحيح، فلا يوجد مثل هذه الأحكام الصريحة.

إنما، هذا مجرد جزء من الحقيقة وليست الحقيقة الكاملة، فالوجه القبيح للشريعة الإسلامية لايظهر كله لكي لاينفر الناس منه، ولكنه يختفي ويناور من وراء الستائر ليحرض على اقتراف مثل هذه الجرائم، ليس بصريح الكلام والعبارة إنما بالإيماء والغمز والإشارة.
 
كنت قبل مدة أبحث في النت عن عقوبة ترك الصلاة واختلاف احكامها بين المذاهب الإسلامية. ولم اقضي وقت طويل في البحث حتى وجدت عدة مواقع، منها الحكومي الرسمي ومنها المرجعي الموثق، يجتمع أغلبها في الإتفاق على أن تارك الصلاة يعامل كمعاملة المرتد إذا انطبقت عليه بعض الشروط، من ضمنها أن يكون مسلم بالولادة وعلى علم بوجوبها وقدرة على أدائها. ومعاملة المرتد كما يعرف الجميع هو إقامة الحد عليه، أي أن يقتل.
 
هذا الحكم بحد ذاته ليس بغريب في عقيدة قوامها القتل والترهيب، إنما أنظروا إلى المضمون المخفي الصاعق الذي يقشعر له البدن اشمئزازاً وغضباً. المضمون الذي حين يظهر يكشف شدة بشاعة ووحشية ولا إنسانية الوجه المخفي للأحكام الدينية: 

حكم قتل تارك الصلاة يطبق على المسلم البالغ طبعاً، ولكن حيث أن سن البلوغ في الشرع الإسلامي لا يحسب بالسنوات بل بظهور علامات البلوغ كنبت الشعر مثلاً في العانة لكلا الجنسين أو شعر الوجه للذكور، وبداية الحيض في الإناث، وحيث أن هذه العلامات تظهر أحياناً في سن مبكر جداً لاتتعدى الحادية أو الثانية عشر أو حتى أبكر من ذلك (ابن أخي أحدها)، فهذا يعني، حسب الحكم، أن هؤلاء الأطفال الصغار معرضون للقتل شرعاً وباستحسان من السماء لمجرد رفضهم مرغلة وجوههم على الأرض ورفع مؤخراتهم لها!

فهل هناك غرابة في إقدام أم مسلمة على قتل ابنتها البالغة تسعة عشر سنة؟ وهل يحتاج أحد إلى رخصة لقتل الأبرياء أصدق من هذه؟
 
هي ليست الأحكام الصريحة بالضرورة، إنما الثقافة الإرهابية الدموية التي تزرع في عقول أتبعاها منهج تعاملي دموي يُسيّر، ليس فقط طريقة التعامل بين أفراد نفس المجتمع المنكوب بها، والمذابح الطائفية أكبر شاهد على ذلك، بل حتى الأسلوب التربوي بين الوالدين وأطفالهم، كما أظهرته الأم جوهرة تجاه إبنتها البكر حين كانت تطعنها بكل غدر في ظهرها وتقول رداً على صراخ البنت: "دعيني أكمل، فهو لمصلحتك"!!! لمصلحتك، لاحظوا التعبير.
 
فعندما يذكر القرآن قصة إبراهيم واقدامه على ذبح ابنه إسماعيل امتثالاً لطلب الرب، فهو يقدمها كنموذج وقدوة للمسلم يسعى من ورائها حثه على الطاعة التامة وبالتالي السيطرة الكاملة عليه. ولكنه بهذا المثال وغيره من الأمثلة المماثلة البشعة خفف بكل سهولة وعفوية درجة جدية وقباحة هذه الأفعال لهدف الإمتثال والطاعة، فأصبح ذبح الأطفال شيئ لايستنكر بالضرورة طالما هو في خدمة الرب.
 
فهي الثقافة الدموية التي حرضت جوهرة على قتل ابنتها البكر، وليس بالضرورة الحكم الصريح. وسبب ندرة مثل هذه الجرائم رغم إيمائة وغمز الشريعة لا قترافها، كما تنص عليه أحكام ترك الصلاة، هو نفور البشر بطبيعتهم عن أعمال العنف، وقوة الرابط الغريزي بين الوالدين وأطفالهم.
 
فحين يترك الأبن أو البنت الصلاة، أو يخرج أحدهما ويظل إلى ساعات متأخرة من الليل، فسوف يغضطب ويزمجر ويهدد الوالدان، وربما يتصاعد الأمر إلى الضرب، ولكنه سيتوقف في الغالب عند هذا الحد. ومهما بلغت درجة التدين عند الأبوين، فلن يقدم أحدهما، في الغالب، على الإمتثال للحكم الشرعي على الطرد أو التسليم إلى الحاكم للقصاص ...
 
وحتى لو نزل ملاك من السماء اليوم يأمرهما بذلك، لطرده الأب والأم معاً ... في الغالب.
 
* * * * * * * * * *
 

الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2012

جوهرة طعنت بحر

::
 
بحر (يمين) وجوهرة (يسار)
 
بجانب الدمار المعماري الشامل والتلف الجسدي المريع الذي سببه إسقاط القنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية، سجل الباحثون في أعقاب ذلك الحدث تلف عميق من نوع آخر، وهو:
 
تفكك النسيج الأسري وشلل علاقة القرابة في كلا المدينيتن، أحدثته الصدمة الهائلة والإشعاعات الفتاكة إثر ذلك الإنفجار، بحيث لم يعد يهتم أعضاء الخلية الأسرية ببعضهم البعض. فيما عدا استثناء واحد بقى نسيجه متماسكاً لم يتضرر، وهو رابط الأم بأطفالها، فلم تستطع تفكيكه حتى قنبلة نووية رغم الدمار المريع الذي أصاب جميع أوجه الحياة الأخرى في المناطق المنكوبة.
 
ولا أعتقد بأن هناك حتى حاجة لطرح أمثلة من التاريخ، لأن قوة رابط الأم بالذات مع أطفالها واستعدادها لفقد حياتها في سبيل توفير الحماية والأمان لهم تلمسه الغالبية الكبرى منا من خلال ذكريات طفولتنا وحياتنا اليومية. ولكن ربما طرح المثال الياباني يبرز بشكل درامي درجة متانة هذه العلاقة.
 
والآن، ضعوا في أذهانكم صورة هذه العلاقة الوطيدة بين الأم وأطفالها حين تقرؤوا هذا الحدث الذي نشرته جريدة ناشنال بوست الكندية قبل بضعة أيام، واعرفوا كيف يتكسر هذا الرابط المتين، بل وتتهاوى هذه العلاقة الغريزية السامية وتنحدر إلى أبشع الأفعال حين يتسلط الفكر السام على عقلية الإنسان المسالم الحنون في العادة. وقد جرت هذه الأحداث بين أفراد عائلة أفغانية تعيش في كندا (أترجم لكم أجزاء منها مع بعض التصرف) : 
 
لعدة شهور، تمردت بحر إبراهيمي ضد والديها، وكانت تشتكي من أن تقاليدهما الأفغانية وديانتهما الإسلامية كانت تخنقها. فكانت تقول لهما: "أريد أن أستمتع بحياتي، أريد أن أشعر بما يشعر به الآخرون"، حسب أقوال الأم لمحقق الشرطة.
 
ففي شهر يونيو من عام 2010، خرجت بحر (البالغة من العمر 19 سنة ذاك الوقت) من البيت لليلتين متتابعتين. وضد رغبة والديها، لم ترجع فيهما إلاّ في وقت متأخر من الفجر. وبالنسبة لأمها، جوهرة كاليكي، أكد لها ذلك السلوك بأن جميع محاولاتها كأم لتوجيه ابنتها إلى الطريق القويم قد بائت بالفشل. تقول الأم للمحقق خلال تحقيق الشرطة معها: "لقد شعرت بأنها [أي الإبنة] لن تتصلح أبداً".
 
وذات يوم، بينما كان الأب يبكي وهو يكلم إبنته بحر في سرداب بيتهم، صعدت الأم إلى المطبخ، والتقطت سكينة كبيرة، نفس السكينة التي كانت تستخدمها لقطع اللحم، ثم همست لنفسها: "قد حان الوقت"، وأخفت السكينة تحت قميصها ثم رجعت إلى السرداب وقالت لزوجها أن أفضل طريقة لعلاج المشكلة هو ترك الأم منفردة مع ابنتها لإيجاد حل بينهما، وطلبت منه قائلة: "أتركنا لوحدنا لمدة خمسة دقائق، لاترجع إلاّ بعد أن أناديك". فغادر الأب، ثم احتضنت الأم ابنتها البكر وطلبت منها أن تستلقي على بطنها لكي تدلك ظهرها.
 
تقول الأم: "ثم طعنتها، طعنت رقبتها. فقالت [الإبنة] لا يا أمي. فقلت أنه لمصلحتك، دعيني أكمل".
 
وفي وقت سابق من التحقيق، سأل المحقق الأم ما إذا كانت السكين حادة. فأجابت: "لا لم تكن حادة، ليتها كانت، فقد أردت أن أعطيها [الإبنة] السكون الذي كانت تحتاجه".
 
وعلى إثر صراخ الإبنة، هرع الأب إلى السرداب وانتزع السكين من يد الأم. تقول الأم: "لقد قلت لزوجي دعني أجهز عليها"، ثم استطردت قائلة في التحقيق أنها قد حاولت خنق ابنتها، وحتى بعد أن هربت الإبنة إلى غرفتها وأقفلت على نفسها الباب، حاولت الأم كسره لتدخل عليها. (انتهى، وباقي التفاصيل هـنـا)
 
لحسن الحظ، نجت الإبنة من هذا الهجوم البشع عليها من قبل مايفترض بأنها أحن إنسان نحوها. ولكن الفكر السام العفن لاينتج إلاّ سلوك سام وعفن مثله، وحين يستحكم هذا الفكر على عقل الإنسان، لن تصمد أمام بأسه في تسبب المآسي وإلحاق الدمار حتى أسمى الغرائز وأنبلها، وأشدها قوة وصلابة ... غريزة الأمومة.
 
* * * * * * * * * *
 

الاثنين، 1 أكتوبر، 2012

ماذا كان ليفعل الحَجاج بسعد الدريهم

::
مارأيك يانيافة الدكتور أن تترك شنبات الناس بحالها وتركز على نشاطات آخرى ذات فائدة حقيقية تساهم في دفع عجلة تقدم البشر، كأن تلم شنطك وتهاجر إلى جزر الواق واق مثلاً؟ أو تقعد في بيتك ساكت وتترك الإنسانية تتقدم بدون عوائق نصائحك وفتاواك؟ ولكن حصل لك من يعرف أن يرد عليك:
::
 
 
 
* * * * * * * * * *