الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2009

أوقفني عن هرولتي سنجاب

من ت
تعودت على الركض (الهرولة) على امتداد شاطئ البحر القريب من بيتي في مدينتنا الساحلية البريطانية ، مصيفي المفضل ، كلما توقفت الأمطار واعتدل الجو خلال الفترة القصيرة التي تمر علينا من كل سنة والتي يعبر الناس في هذه البقعة من الأرض عن تقديسهم وتبجيلهم لها وحبهم وشوقهم وتطلعهم لقدومها بتأليهها وتلقيبها بــ (((( الــصــيــف )))) ، إنظر كيف هي مدوية هذه العبارة ، وهو موسم يمتد لشهور عديدة في أقاليم أخرى ولكن ، لأسباب مناخية جغرافية ، فإن مدته شحة قصيرة هنا في بلد الضباب والسحاب والمطر ، لاتتعدى بضعة أسابيع تتقلص في بعض المواسم وتنكمش حتى لاتتجاوز أيام قليلة إذا ماازداد إستياء الآلهة ونفذ صبرها من سلوك القوم الإنجليزي السائب وقررت أن تصب جام غضبها عليهم لتعجل بهم إلى غياهب ظلام الشتاء وآلام برودته. ولذلك تراهم يحتفلون بقدوم هذا الفصل المبارك بممارسة طقوس غريبة تبنوها عبر الأجيال تستلزم تعذيب ماسوكي للذات لإرضاء هذه الآلهة ودرء سخطها وذلك بتعرية البدن وطهيه تحت أشعة الشمس الطاهرة المباركة إلى حد الإحمرار ، والإنسلاخ إذا تعمق الخشوع ، يصل في بعض الحالات إلى حد النضوج والموت للفئة القليلة الأصولية المتعصبة منهم. أما الفئة القليلة المارقة منّا فلا تعير إهتمام يذكر لهذه الممارسات وتبقى على جحودها مغطاة بـ تي شيرت وشورت كحد أدنى للمشاركة في طقوس التعرية الزكية خلال هذا الموسم المقدس.

فذات عصرية من يوم صيف بهيج مشمس ، خرجت كعادتي مرتدياً الطاقم الرياضي الكامل ومتسلحاً بعدة الهرولة بدأً من خزانة الوقود المتمثلة بقنينة الرد بُل وكاب البيس بول الواقي من الشمس ونظارة الأوكلي السوداء لإخفاء ملامحي حتى لايستوقفني أحد يعرفني ويقطع تواصل هرولتي وانتهاءً بسماعات الأذن الموصولة بالآيبود لدغدغت الأحاسيس ورفع المعنويات ، بدأت بالهرولة الخفيفة كتسخين خارجاً من بوابة الحديقة ومارّاً بجاري المستر بوب وينزويرث المتقاعد وهو منهمك في تقليم شجر الكونيفر المحيط ببيته والذي ما أن لمحني من فوق نظارته المتأرجحة على طرف أنفه حتى هتف بأحد العبارتين التي لازال يكررها عند رؤيتي منذ سكني بجواره قبل أكثر من ثمانية سنوات :

Hello Qal, nice day, isn't it
Hello Qal , horrible day, isn't it

حسب حالة الطقس في اليوم الذي يراني فيه ، فإن كان مشمس فهو نايس وإن كان ممطر فهو هوريبل. وذاك اليوم كان مشمس فكان هتافه "هالو كال ، نايس دَي إزنت إت" لأرد عليه بنفس التحية التي لازلت أكررها أنا له منذ ذلك الوقت :

Yes Bob, quite nice

وأتسارع في ركضي حتى لاأعطيه فرصة ليستطرد في حديثه الذي لايخرج في العادة عن حدود مثلث الطقس وحديقته وصحته التي أصبحت أعرفها وأشخصها أكثر من دكتوره.

إستمريت في الركض الخفيف تحت ظل أشجار الكستناء التي تحف الشارع ، أنسق كل خطوة فيه مع نغمات وإيقاع أغنية بوب مارلي وهو يعاتب الأولاد الأشرار :

bad boys bad boys
what you gonna do
what you gonna do
when they come for you


وأتمتم معه بصوت هامس ما تيسر لي من الأبيات التي أحفظها لهذه الأغنية غير مكترث بنظرات المارة الخاطفة لي وضحكاتهم المكبوتة ظناً منهم أنني غارق في الحديث مع نفسي ، والحقيقة أنني أدردش مراراً مع نفسي ولكن ليس ذلك اليوم ، حتى وصلت إلى درب المشاة الذي يتفرع من الشارع ويؤدي إلى ساحل البحر. وهذا الدرب يقتطع حديقة تتناثر فيها أشجار كثيرة من الكستناء والبلوط ونباتات عديدة أخرى وتتكاثر فيها السناجب لتوفر الكستناء كغذاء لهم. وما أن دخلت هذه الحديقة حتى لمحت تحت أحد أشجارها قرب السور على بعد بضعة أمتار سنجاب على الأرض مستلقي على بطنه لايتحرك ، ويداه ورجلاه مثنيتان بجانبه في وضع ذكرني بطريقة نوم الرضيع عندما يوضع للنوم على بطنه. فظننت للوهلة الأولى بأنه نائماً ولكن سرعان ما أقصيت هذه الخاطرة من فكري لعلمي بأن السناجب تنام على أغصان الشجر في الليل وليس على الأرض في عز النهار ، فخففت من سرعتي وأنا متجهٌ إليه أتوقع قفزه في أي لحظة وتسلقه الشجرة كالعادة عندما يباغته أحد وهو غافل ، وأخذت بالإقتراب منه وصوت تكسير أوراق الشجر الجاف تحت وطأ قدماي يدنو منه بدون أن يصدر منه أي صوت أو حركة. وحين وصلت إليه توقفت لوهلة بجانبه أحدق فيه عرفت من بعدها فوراً بأنه ميت.

في الحقيقة أن بعض الحزن قد انتابني خلال تلك الدقائق التي وقفت فيها لأتمعن في منظر هذا الحيوان النشط الذي لاتهدأ حركته طوال اليوم في البحث عن طعامه ومطاردة منافسيه والذود عن منطقته وهو ملقي على الأرض ككومة من اللحم والفرو بلا نفس أوحراك. ولكني لم أعبأ كثيراً بتلك الحادثة وقتها وسرعان مانصرفت من فكري حالما رجعت إلى هرولتي ولاحت من فوق رؤوس الشجيرات المحيطة بالحديقة إنعكاسات الشمس على مرآة البحر الذي تراقصت أمواجه على نسيم العصرية ونغمات بوب مارلي التي كانت تدغدغ مسامعي أيضاً لتحثني على المثابرة ولتخفف عني حرارة الشمس الذي بدأت تلفح ظهري. فأكملت هرولة ذاك اليوم وختمتها بشعور من السعادة والرضى لذلك الإنجاز الرياضي المتواضع.

خرجت في اليوم التالي لشوط آخر من الركض ، ماراً بنفس الطريق المعتاد ولكني لم أرى المستر وينزويرث الذي يظهر أنه ذهب في زيارة إلى دكتوره ضمن روتين مثلث إهتماماته منذ تقاعد ه ، الطقس والحديقة وصحته ، فقد كان يشتكى لي بأنه لم يذهب إلى العيادة منذ أمد بعيد يتجاوز الشهر بخلاف عادته في زيارة الدكتور كلما شعر بوخزة ألم أو مس من صداع أو إحساس بتعب مما يدفعه هذا الوسواس إلى مراجعة العيادة بشكل أسبوعي ولاأدري لماذا لم يتم تحويله إلى العلاج النفسي الذي سوف يكون بدون أدنى شك أكثر فعالية من العلاج الطبي.

فاستأنفت جولتي بعد هذه الخاطرة أعدو على نغمات ريحانة وهي تصدح بصوتها البلبلي في أغنية المظلة umbrella حتى وصلت إلى حديقة السنجاب المتوفي. وحال دخولي إليها ، رفعت بصري لأرى أن المغفور له لايزال في مكانه منبطحاً على بطنه لم يحركه أحد. فاقتربت منه وتوقفت عنده لوهلة أعيد التمعن فيه متسائلاً عن سبب موته. هل قتله حيوان آخر؟ لاأعتقد ، فلايوجد عليه أي جروح أو دم ظاهر يشير إلى هذا السبب. هل وقع من الشجرة أو أصابه مرض أو أدركته الشيخوخة ؟ محتمل ، ولكن حجمه وتكامل جسمه وخلوه من أي عيوب أو جروح يشير إلى أنه كان حيوان بالغ سليم متعافي. إذاً الأرجح ، قلت لنفسي ، أنه قد لقى حتفه بالسقوط من علو شاهق من الشجرة. ويعزز هذا الإستنتاج إنبطاحه على بطنه بالضبط كما يتوقع أن تفعل هذه القوارض عند سقوطها ، فهي تستدير تلقائياً لتنزل على أرجلها كالقطط.

بعد هذا الإستقراء السريع لملابسات الحدث ، عدت لإكمال جولة الركض بمزيج من الشعور بالرضى على حلّي لهذا اللغز بهذه السرعة والأسف على أنني وجدت السنجاب كما هو في مكانه. إذ لو لم يكن موجوداً اليوم لأعطاني غيابه أمل في أنه كان مغمى عليه بالأمس عند رؤيتي له وصحى وذهب بعد أن تركته ليعيش ليوم آخر قبل أن يدركه المحتوم. ولكن وجوده اليوم في نفس الوضع أكد أن ذلك المحتوم ، أياً كانت طبيعته ، قد أدركه ومضى ليقبض غيره.

توقفت عن الركض بعد ذلك اليوم لفترة تقارب الأسبوع عندما تراكمت علي متطلبات الحياة وأبقتني رهيناً بين جدران البيت وأجواء المكتب ولكن صورة تلك الفروة الكروية الراقدة في سباتها السرمدي لم تبارحني بل ظلت تومض في ذهني كلما سرحت مخيلتي بعيداً عن شجون البيت وهموم العمل. فعندما أتت الفرصة لخروجي مرة أخرى في جولة من الهرولة التي أتطلع إليها دوماً بصبر نافذ لما فيها من وقع عميق على بهجة لنفسي ورفع لمعنوياتي ونفع لجسدي ، أضاف إليها الآن حماس فضولي لمعرفة ماحل بجسد السنجاب الراحل. هل لايزال موجوداً هناك في مطرحه أم ألتقطه كناس الحديقة وانتهى مصيره في المزبلة ؟ أم هل وجده حيوان آخر جائع والتقمه ليسكت به أنين جوعه ؟ لقد شاهدت بنفسي عدة مرات ثعالب تعدوا أمامي وتختفي بين النباتات الكثيفة التي تحيط بالحديقة ، والثعلب لن يترك هذه الهبة التي أسقطتها له السماء ليلتقمها دون تعب أو عناء. ولكني لن أستبق الأحداث فلن يطول الوقت حتى أجد الجواب.

وصلت إلى مدخل الحديقة ورميت بنظري تجاه الموقع ، فلم أصدق عيناي حين وقعت على كومة الفرو التي بدت عن بعد وكأنها قد تقلصت شيئاً ما. إذاً فهو لايزال هناك ، لم يحركه أحد ولم يلتقمه ثعلب. دنوت منه ونظرت إليه ، فإذا به لايزال راقداً في نفس الموقع وفي نفس الوضع لم يتغير فيه شيئ سوى أن تكوير جسده بدأ بالإنخفاض كما لو كان كرة قد فرغ منها بعض الهواء. وقفت صامتاً لدقائق أعاين جسده المتقلص وأنظر إلى شعر فروته وهو يتمايل مع هبات النسيم في تناغم مع صوت حفيف أوراق شجرة البلوط بأغصانها الممتدة فوقه تظلله. أكملت ركضي بعدها وعدت إلى البيت.

في الأيام والأسابيع التي لحقت ، إستمريت في هرولتي كالعادة ماراً بجاري مستر وينزويرث وبالحديقة وبالسنجاب الذي ظل خلالها في مكانه بدون أن يحركه أحد. وكلما مررت عليه وجدت جسده قد انخفض أكثر مما كان عليه في الزيارة السابقة حتى أصبح بمرور الأيام مسطحاً وكأن عجلة سيارة قد داسته. ومع مرور الوقت بدأت بقايا جسمه بالتحلل تدريجياً وأخذت جلدته وفروته بالتقلص والإختفاء حتى لم أرى منه إلاّ بعض الشعيرات المبعثرة في الموقع الذي سقط عليه.

لم يتعدى الوقت من يوم سقوطه في تلك الصيفية إلى فنائه أكثر من أربعة أو خمسة أسابيع.

السنجاب حيوان ينتمي إلى نفس فصيلة الثدييات التي ينتمي إليها الإنسان وإن كانت هناك إختلافات واضحة لاتحتاج إلى تفصيل وليس المقصود من الكلام المقارنة التشريحية. إنما وجه التشبيه يكمن في المراحل التي تمر فيها عملية التحلل الجسدي الذي تمر فيه أجسام هذه الكائنات ، ومنها الإنسان ، بعد الموت. فهي متطابقة. ولو كان ذلك السنجاب إنساناً لمر في نفس مراحل التحلل والإندثار التي شاهدتها مع اختلاف المدة فقط.

الهدف من كتابتي لهذه القصة هو نفس الهدف من سردي لقصة أخرى تحمل نفس الرسالة كتبتها السنة الماضية في مدونتي هذه تحت عنوان "الرغبة في البقاء وحتمية الفناء". ومايحدني على الخوض تكراراً في موضوع الموت الذي يشمئز منه أغلبنا (نعم حتى أنا أشمئز من الخوض فيه بالرغم من تعدد كتاباتي حوله) هو قناعتي بأن القليل فقط قد وصل إلى مستوى من الإدراك يمكنه من إستيعاب المعنى الكامل للموت والفناء الأزلي لكيانه. هذه حقيقة من الصعب ، وعند أغلب الناس ، من المستحيل إستيعابها إما بسبب قناعتهم التامة بالحياة بعد الموت أو لعدم القدرة بالإرتقاء في التفكير إلى مستوى الإدراك الحقيقي لهذه النهاية.

في مقابلة مع ريتشارد دوكنز Richard Dawkins ، يصف ستيفن واينبرغ Steven Weinberg العالم الفيزيائي الشهير معرفة الإنسان بمصيره الأبدي المحتوم حين يفارق أهله وأحبائه إلى غير رجعة بأنها "مأساة". قد يجد ستيفن واينبرغ القليل ممن يشاركه هذا الرأي ، وأن أعتبرت نفسي أحد هؤلاء القلائل ، ولكن باعتقادي أن المأساة الحقيقية هي أن يفارق الإنسان هذه الحياة بعد أن يهدرها في أوهام وطقوس ومراسيم لاتعود بفائدة عليه فيها ويحرم نفسه من ملاذتها والإستمتاع فيها لأجل حياة أخرى ليس لها وجود.

ليست هناك تعليقات: