الخميس، 28 أكتوبر 2010

خواطر من المقبرة

::
::
بعدما انتهيت من العمل يوم الجمعة الماضي، كنت أتطلع بشغف إلى يومين من عطلة الويك إند أقضيهما مابين الطهي والقراءة والإسترخاء وأنهيهما بأمسية موسيقية رومانسية سعيدة. ولكن الأقدار قررت أن تتلف المزاج وتعتم الأجواء بضباب الحزن والكآبة من اللحظات الأولى. فقد أتتني مكالمة هاتفية وأنا على وشك مغادرة المكتب لتخبرني بأن نهلة قد توفت صباح ذلك اليوم.

نهلة بنت أعرفها جيداً، لم تبلغ الرابعة عشر من عمرها حين أغمضت عيناها ذلك الصباح وزفرت آخر نفس لها. كانت قد عانت بلاء المرض منذ ولادتها، ولم يمر أسبوع واحد من حياتها القصيرة بدون آلام أو معانات بشكل أو بآخر. كانت صغيرة الحجم لعمرها بسبب مرضها، بشوشة الوجه باسمة الشفتين بريئة الملامح، ولكن تلك الإبتسامة المرسومة لم تستطع غمر أحزانها التي يفشيها إنسدال إجفانها وإنخفاض نظراتها وسرحانها المتكرر حين تخاطبها. لم أرها فرحة قط إلاّ خلال الأسابيع السابقة لوفاتها عندما كانت تتطلع بسعادة بالغة وأمل كبير إلى شفائها بعد إجراء سلسلة من العمليات الجراحية الرائدة خلال تلك الفترة. فما الذي حدث؟ كيف توفت فجأة؟

بعد سنوات طويلة من المعانات، لم يحتمل قلبها المنهك أعباء تلك السلسلة من العمليات الصعبة، فاستسلم وتوقف.

*****

جلست في سيارتي لأحتمي من برودة الجو ورذاذ المطر بعدما وصلت إلى المقبرة مبكراً وأوقفت السيارة في ساحتها الدائرية الصغيرة أنتظر قدوم الموكب الجنائزي. لم أرى سيارات أخرى في الموقف عند وصولي سوى واحدة أمامي قد خرج منها ركابها الثلاث ووقفوا في المطر بدون غطاء يتحدثون ويدخنون السجائر. فنظرت إلى الساعة التي أشارت إلى الرابعة والثلث مساءً، قبيل موعد الدفن بعشرة دقائق، وعدت بنظري إلى الشباب الثلاثة أراقبهم بلا اهتمام وأتفرس في ذات الوقت بدموع الغيوم الشاحبة وهي تهطل وتنسال على زجاج السيارة أمامي، وأستمع إلى أوتار المطر تعزف برتابة على السقف من فوقي لتخفف عني وطأة الصمت المطبق وتضيف ألحاناً حزينة إلى شعور الإنقباض والترقب.

وصل الموكب بعدها بقليل ودخل من البوابة تتقدمه عربة سوداء تحمل نهلة في تابوتها تتبعها سيارة أهلها وموكب سيارات المعزين من خلفها. وتوالت السيارات في الدخول وتدفقت إلى الساحة الصغيرة لتتزاحم على المواقف الخالية، بينما استمرت عربة التابوت وسيارة الأهل في سيرهما البطيئ تحت مظلة من أشجار البلوط التي تحف الطريق الضيق الطويل المؤدي إلى موقع القبر. فترجلت ومن معي من السيارة لنمشي مسرعين مع جموع المعزين تحت وطأ المطر لننظم إلى أهل نهلة في آخر وداع لها قبل أن توارى تحت التراب.

*****

وقفت عند القبر قريباً من حافته محاطاً بجموع المعزين أنظر إلى قعر الحفرة التي سوف تأوي مثلها كل واحد منا يوماً ما وأحاول تجميع شتات أفكاري التي تبعثرت مابين الإستماع إلى همهمة وترديد المعزين للآيات والأدعية، ومحاولة جمح نفوري من منظر الدفن القادم وتضايقي من قطرات المطر التي لاتكف عن لفج وجهي كلما رفعت رأسي لأشيح بنظري عن الحفرة. ولكن إهتمامي تركز فوراً على صلاح، والد نهلة، عندما لمحته واقفاً على رأس القبر يحدق فيه.

صلاح قد بلغ الستين من العمر وزوجته الخمسين، ونهلة هي الإبنة الوحيدة لهما، فماذا كان يدور بخاطر الأب وهو ينظر إلى المثوى الأخير لإبنته الصغيرة الوحيدة؟ وما سيكون شعورهما حين يتركا ابنتهما راقدة تحت التراب في تلك البقعة القفراء ويرجعا إلى بيت لايزال يمتلأ بآثارها ولكنه يخلو منها؟ 

شعرت في تلك اللحظة بإنقباض واكتآب شديد من تلك الخاطرة كدت أن أجهش معها بالبكاء، ولاأدري كيف ضبطت نفسي، فأشحت برأسي جانباً ومسحت عيناي التي أغرقتهما الدموع.

*****

أتت نهلة الصغيرة محمولة في تابوت خشبي أكبر بكثير من حجمها الطفولي. إذ يبدو أن الإستعجال في الدفن كما تجري العادة في العرف الإسلامي لم يسمح في العثور على الحجم المناسب في الوقت المناسب. ولكن ماأهمية حجم التابوت إذا كان مصيره كمصير قاطنته ... الدفن والنخر والتحلل؟

نظرت إلى صلاح مرة أخرى بعد هذه الخاطرة الشاردة لأراه لايزال مُسمّراً في مكانه يلتفت إلى نعش ابنته التي يحمله عدد من المعزين وهو يدنو من خلفه، ولم أرى على وجهه أي إنفعال أو تأثر، بل صمت ووجوم أشبه بالغيبوبة منه إلى اليقظة. فوصلت نهلة بتابوتها إلى قبرها وأبوها لايزال ثابتاً في مكانه. ظننت أنه سوف يشارك في إنزال ابنته إلى مثواها ولكن الأب بقى واقفاً بلا حراك ويداه في جيبيه يحدق في التابوت بوجه جامد بلا انفعال ملحوظ سوى ماتكشفه عيناه اللتان ترمشان بتسارع واضح بين حين وآخر وتفشيان زوابع العواطف والمشاعر التي لاشك أنها تعصف بكيانه من الداخل بينما ينظر إلى نعش ابنته في تلك اللحظات وهو ينزل إلى مقر إستقراره الأخير.

*****

إستقر النعش في قاع القبر وتطوع نخبة من الشباب الحاضرين ليهيلوا عليه التراب، وصلاح لايزال جامداً في مكانه على رأس القبر، لم ينطق بكلمة أو يرفع بصره عن نعش ابنته طوال تلك المدة وهو يختفي تدريجياً تحت كومات التراب.

وخلال تلك اللحظات العسيرة المؤثرة، يطلب أحد الحضور المسنين من أحد الشباب إعطائه المجرف (الشبل) ليشارك بدوره في عملية الردم. فيبدأ ذلك الشيخ الكبير في إهالة التراب، ويأخذه الحماس لسبب ما في الإسراع بالردم. ولكن المطر الذي لايزال يرش الأرض والواقفين عليها ولم يتوقف منذ وصولي، قد جعل التربة طينية زلقة يتوخى الحذر منها عند الإقتراب من حافة القبر. ولكن يبدو أن حماس ذلك الشيخ قد غيبه عن تلك الخطورة، فتنزلق رجله على الطين المائع ويسقط على الأرض ورجله الأخرى تتدلى في القبر، ويخلق الشيخ الوقور بهذه الزلقة منظر سيريالي مسرحي إمتزجت به التراجيديا مع الهزل، مثّل فيه بعدم حرصه المقولة الشعبية الشائعة: "شيخ كبير رجله مدندلة في القبر" وجعلني ومن فطن لمغزى هذا المنظر نفقد السيطرة على الضحك في تلك المناسبة الحزينة.

*****

عدت بعد الدفن إلى البيت، كان ذلك يوم الأحد الماضي، وكنت قد ألغيت طبعاً برنامج الطهي والموسيقى الذي كنت أنوي تطبيقه في ذلك الويك إند. فجلست أحاول الإسترخاء وتجميع الأفكار بعد أحداث تلك العصرية، ونظرت من خلال النافذة إلى السماء القاتمة التي لاتزال تكتنفها الغيوم السوداء وإلى قطرات المطر التي لاتزال تنهال على زجاج النافذة وإلى عتمة ذلك المساء البارد وخواطري تسرح إلى نهلة الصغيرة وهي ممدة في نعشها تحت التراب، وحيدة في تلك البقعة المقفرة، تكتنفها الظلمة والوحشة والبرودة، بعيدة عن دفئ بيتها وأحضان أمها وأبيها.

خاطرة ليتها لم تمر بذهني فقد أظافت إلى عتمة الليل كآبة .... 

فنشر الحزن عبائته حولي * وأطياف الليل تحتها تنوح
قد أطفأ الموت نور شمسي * وبدت ظلمتي في الأفق تلوح
ليت نهلة تصحو من نومها * فتبهج القلب وتشفي الجروح



You can shed tears that she is gone
Or you can smile because she has lived

You can close your eyes and pray that she will come back
Or you can open your eyes and see all that she has left

Your heart can be empty because you can't see her
Or you can be full of the love that you shared

You can turn your back on tomorrow and live yesterday
Or you can be happy for tomorrow because of yesterday

You can remember her and only that she is gone
Or you can cherish her memory and let it live on

You can cry and close your mind, be empty and turn your back
Or you can do what she would want: smile, open your eyes, love and go on.

By David Harkins

لماذا يدفن الإنسان؟ لماذا يموت الإنسان؟ هل عوجد حياة بعد الموت؟ ماهي أدلة الحياة بعد الموت؟

هناك 16 تعليقًا:

غير معرف يقول...

الموت راحه كل حي
يجب الا نحزن عند موت انسان يعاني
وافضل ما نعمل لانسان عزيز يتركنا ان نتذكره فيبقى حيا فينا
قالوا ماتت نهله بلا رجوع
قلت ستحيا في فؤادي بين اسوار الضلوع
وكل التقدير لمشاعرك الرقيقة
ادم عبد الحي

الزين يقول...

انا اعلم انك لا تؤمن بما اؤمن به

ربما لم تجمعنا ايمانياتنا
ولكن تجمعنا انسانيتنا

انت وما تؤمن به هو حريتك الشخصية
انا لن احاسب عليها من رب اعبده
ولن تدفن انت في قبر ينتظرني
ولن ادخل معك بمناقشة موقع الخطأ والصواب
وكما يقول سبحانه" انك لن تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء" صدق الله العظيم

عزيزي بصيص
نهله حسب يقيني هي بمعية الله
بين رحمته تنعم بجنانه
ما يدفن هو الجسد فقط
من التراب الى التراب
الوعاء الدنيوي ببساطه

ولكن الروح تعود لبارئها
محزن ما يمر به والديها
قاتل ما سوف ينتظرهم من افتقاد
فليكن الله في عونهم
وليرحم نهله

بالكويتي
تغانت عن دنيا زايله

اسمح لي يالشيخ

Engineer A يقول...

لا حول ولا قوة الا بالله

طريق سنسلكه جميعاً شئنا أم ابينا ، طال الزمان أم قصر!

أحمد محمدي يقول...

لا شيء يعطي تفسيرا تاما للحياة غير الموت
وشكرا لك

Basees يقول...

عزيزي ادم ،،

الموت في حقيقته هو انتهاء للكائن. ففكرة أن هذا الإنتهاء هو راحة هي فكرة ترتكز على الإيمان بأن الكائن الميت لايزال يحتفظ بشعوره بعد الموت حتى يشعر من خلاله بالراحة، وهذا يفتقر إلى الدليل.

أما الحزن، فهذا شعور طبيعي عند فقد إنسان أو حتى شيئ عزيز علينا، فهو جزء من الحياة ولاأعتقد أنه يجب مقاومته، بل علينا أن نتعلم كيف نتكيف ونعيش معه.

شكراً لتعاطفك ياعزيزي
ولك تحياتي

Basees يقول...

عزيزي الزين ،،

ليت نهلة "بمعية الله، تنعم بجنانه"
وليت "مايدفن هو الجسد فقط"
وليت هناك روح.

ولكن كل هذه المعتقدات لاتغدوا للأسف عن كونها آمال نابعة عن أرث موروث من الآباء والأجداد وجزء من ثقافة البيئة التي ولدنا فيها، ولايوجد لها أي دعم أو سند إطلاقاً خارج التراث الموروث.

ليت هناك ياعزيزي سند علمي واحد، واحد فقط لاغير، يؤكد وجود إحدى هذه الآمال لكي نتشبث بها ونسعى على تحقيقها. ولكن حيث أن عشرات القرون من البحث قد أخفقت في تقديم البرهان، فالخيار لنا أن نظل على أيمان الأجداد أو نواجه الحقيقة المرة التي تشير إليها معارفنا المتراكمة في أن الموت يعني الفناء.

وهذه حقيقة ترفع من قيمة هذه الحياة.

ولك تحياتي

13WAYs يقول...

As I was reading this special post of yours, I couldn't help it to remember David Harkins' master piece: she's gone
“You can shed tears that she is gone,
or you can smile because she has lived.
You can close your eyes and pray that she'll come back,
or you can open your eyes and see all she's left.
Your heart can be empty because you can't see her,
or you can be full of the love you shared.
You can turn your back on tomorrow and live yesterday,
or you can be happy for tomorrow because of yesterday.
You can remember her only that she is gone,
or you can cherish her memory and let it live on.
You can cry and close your mind,
be empty and turn your back.
Or you can do what she'd want:
smile, open your eyes, love and go on.”
Death is the most evident fact in our lives no matter what we believe..
Please, accept my condolences!!

Basees يقول...

عزيزتي المهندسة ،،

لذلك على كل واحد منا أن يسعى لتحقيق آماله وأهدافه وتطلعاته، وينعم بما تقدمه له هذه الحياة. فالدرب غير آمن ونهايته قد تأتي في أي لحظة.

لك تحياتي

Basees يقول...

عزيزي أحمد محمدي ،،

لاأدري في الحقيقة إذا كان الموت هو تفسير للحياة، ولكننا نعرف أنه قطعاً مخرجها. وأن علينا تجنبه ماأمكننا قبل قدومه المحتوم.

ولك تحياتي

Basees يقول...

Dear 13WAYS

thank you for your kind and sympathetic comment. David Harkin's most beautiful and thoughtful poem has to be included in the article. Many thanks for bringing it to my attention

My best regards

نزار النهري يقول...

من اشد ما يؤلمني وجود اناس يعانون ويقاسون في حياتهم من المرض ولا ذنب لهم ابدا سوى ان هناك ارادة لا نعلمها ارادها هذا الاله المجهول ليكون هؤلاء المساكين بهذا الشكل!
اتمنى في لحظة ان املك القدرة لاغير حال هؤلاء واتساءل في نفس الوقت كيف لذلك الاله القادر على كل شيء ان يقف موقف المتفرج ولا يحرك ساكنا؟
تحياتي

Um il sa3af wil leef يقول...

طريج وماشين فيه كلنا ، نطلب الصبر لوالديها

Basees يقول...

عزيزي نزار ،،

مهما حاول الفلاسفة ورجال الدين توفيق وجود معاناة في الحياة مع وجود رب رحيم، يبقى التناقض قائم بلا حل. ولكن سرعان ماتنظر إلى تلك المعاناة من الجانب التطوري العلمي فالمعضلة تختفي فوراً.

قد تناولت هذا الموضوع باقتضاب في بوست سابق تجده هنا:

http://basees.blogspot.com/2010/01/blog-post.html

ولك تحياتي

Basees يقول...

عزيزتي أم السعف والليف ،،

هذا الطريق ممتلأ بالأزهار للقليل والشوك للأغلبية، وياليت أزهاره أكثر من شوكه، إنما في كلا الحالتين النهاية واحدة.

لك تحياتي

Um il sa3af wil leef يقول...

الأخ بصبيص
يعجبني ويروق لي جدا ..اختيارك للمفردات ، وطرحك الراقي
تحياتي

Basees يقول...

عزيزتي أم السعف والليف ،،

سعيد جداً باستحسانك وأسعى دائماً لتقديم ماهو مشوق ومفيد لأحبائي القراء.

شكراً لك ياعزيزتي
ولك تحياتي