الأحد، 4 مارس 2012

مقالة ضيف - نقد الدليل الكوزمولوجي (الجزء الثاني)

الجزء الثاني من سلسلة المقالات العلمية في نقد الرؤية الدينية لظهور الكون، للقاريئ الكريم أبولو:


كنا قد تكلمنا في مقال سابق عن الأرض وتأثير خصائصها على وجود الحياة، فخلصنا الى أنه نظرا لوجود عدد هائل من الكواكب القابلة للحياة، لم يعد لكوكب الأرض أي امتيازات خاصة. وفي المقالات التالية سننظر الى الصورة الكبرى: الكون، لنتسائل هل هو مهيئ خصيصاً لاستقبال الحياة و للسماح بنموها؟ وهل على خصائصه أن تكون مختارة بعناية؟
طرح المشكلة
يتمز الكون بالعديد من الخصائص الجوهرية الثابتة التي وُلدت معه في الانفجار العظيم ولم تتغير أبدا. ويمكن تقسيم معظم هذه الخصائص ضمن أربع قوائم تعتبر التفاعلات الأساسية الأربعة التي تتحكم بالكون: التفاعلان النوويان، ويُسمى أحدهما بـ القوي والآخر بـ الضعيف، والتفاعل الكهرومغناطيسي وأخيراً الجاذبية. هذه التفاعلات الأربعة – بالاضافة الى الثابت الكوني – هي كل ما يتحكم بجميع عناصر الكون منذ ولادته، مرورا بيومنا هذا ووصولا الى نهايته. فالتفاعل النووي هو ما يمسك النواة الذرية  ويؤثر على تشكل النجوم، والتفاعل الكهرومغناطيسي هو ما يسبب التفاعلات الكيميائية بالإضافة إلى بناء الجزيئات الماكروسكوبية ووصولا الى جسم الانسان وكل ما يقوم به في الحياة اليومية. فعندما تضغط عزيزي القارئ على زر الحاسوب إنه هذا التفاعل الذي يسمح لك بذلك. و أخيرا الجاذبية التي تؤدي إلى تشكل النجوم والكواكب وتحفظها في مدارها. وللجاذبية خصائص اخرى سنصل اليها لاحقاً.1
لكل من هذه التفاعلات الأربع قوة معينة معلومة وثابتة. فالتفاعل النووي القوي هو الأقوى، يليه التفاعل الكهرومغناطيسي فالنووي الضعيف و أخيرا الجاذبية، ومقدار قوتها هو ما يشكل الكون وهنا صلب الموضوع. فلو أن مقدار قوة كل من هذه  التفاعلات الأربعة إختلفت بشكل قليل جدا لتغير وجه الكون، بل لما عاد قادرا على تشكيل النجوم ناهيك عن الحياة، فلو كان التفاعلان النوويان أقوى، لما تمكن الهيدروجين من الإندماج لتشكيل النجوم، ولو كان أضعف لما تشكلت الذرات. ولو كان التفاعل الكهرومغناطيسي أقوى أو أضعف بمقدار ضئيل جدا لما كان هناك كيمياء تسمح بتشكل المواد المعقدة التي تؤدي إلى ظهور الحياة. أما لو كانت الجاذبية أقوى أو أضعف بقليل لاختلف تشكل الكواكب والنجوم بشكل جذري، ولربما أصبح تشكلها غير ممكن. وأخيراً نضيف أوزان البروتونات والالكترونات التي لو تغيرت قليلا جداً لاختلفت البنية الذرية وانعدمت الكيمياء.2-3
وأخيراً ننهي بأم الخصائص الكونية وهي الثابتة الكونية أي – بتبسيط – الطاقة التي يحملها نسيج الكون نفسه، والتي تشكل عامل مضاد للجاذبية. فلو اختلفت قيمة هذه الطاقة بأقل من جزء من صفر يليه 120 صفر ثم 1 من الواحد لانهار الكون بأكمله بعد تشكله بلحظات أو لتوسع بسرعة هائلة تمنع تشكل الجزيئات الأساسية.4
فهل تم اختيار كل هذه الخصائص بعناية تسمح للكون ثم للحياة بالتطور؟ أو كما يُطرح السؤال في الأوساط الفكرية، هل الكون معد بعناية Fine tuned universe؟ بعض الجهابذة ذووا الإتجهات الدينية يقولون نعم، ولكن كالعادة للعلماء رأي آخر..
المشكلة المطروحة أعلاه، وخاصة الجزء المتعلق بالثابت الكوني، شغلت علماء الفيزياء لحوالي العقدين قبل أن يتشكل الحل في بداية القرن الواحد والعشرين. لفهم كيف تم التخلص من فكرة أن للكون خصائص مختارة بعناية فائقة تشير من المنظور الديني إلى قوة عاقلة وراء خلقه، يجب التطرق إلى بعض أحدث وأعقد ما توصلت اليه الفيزياء الحديثة: نظرية التضخم الكوني الفوضوي Chaotic inflation ونظرية الأوتار الخارقة  Superstrings theory. فسيتم، كبداية، التعريف بهاتين النظريتين ومناقشة مصداقيتهما و مكانتهما العلمية بشكل تجريدي قبل العودة الى الموضوع.
نظرية التضخم الكوني الفوضوي
في سبعينيات القرن الماضي، تم تأسيس النموذج الكوني القياسي The standard model of Cosmology ، وهو ما يعرف طبعا بنظرية الانفجار العظيم, و كانت الأدلة النظرية و التجريبية قد تكدست لصالح هذه النظرية حتى أصبحت بعداد الحقائق العلمية الغير القابلة لمجرد النقاش. ولكن هذا لم يمنع من وجود بعض المشاكل الغير المحلولة، وكان أهمها وقتذاك إثنان: مايسمى بمشكلة التسطح The flatness problem  ومشكلة الأفق The horizon problem. المشكلة الأولى متعلقة بالشكل الجيومتري (الهندسي) للكون وهذا مرتبط بمتوسط كثافة الطاقة والمادة في الكون، والتي ثبت بأنها تأخذ قيمة معينة حساسة، وكان من المتوقع أن تتغير مع تقدم عمر الكون، ولكن هذا لم يحصل. والمشكلة الثانية تتعلق بكون أن الكون متجانس الى حد كبير جداً، حيث وجد العلماء بأن بعض المناطق البعيدة جداً عن بعضها في الكون متشابهة لدرجة تفوق ما يُمكن تفسيره بالانفجار الكبير ( تقنيا الكون متجانس لدرجة تبدو للوهلة الأولى بأنها تخرق مبادىء النسبية الخاصة ).
فاللتخلص من هاتين المشكلتين، إقترح الفيزيائي الشهير آلن غوث Alan Guth نظرية التضخم الكوني Cosmic Inflation والتي تنص على أن الكون قد مر بعد ظهوره بلحظات بتوسع سريع جداً، حيث أن حجمه قد تضاعف عشرة رفع ستة و سبعين مرة قبل أن يعود الى وتيرة توسعه الطبيعية. وقد تمكن العلماء من إثبات أن توسع من هذا النوع قادر على حل المشكلتين أعلاه، ثم تم أخيراً إثبات صحة هذه النظرية باستعمال التليسكوب المسمى بـ WMAP ، وأصبحت جزء بديهي من النموذج الكوني القياسي.5-6
نظرية الأوتار الخارقة
لطالما حلم علماء الفيزياء بتوحيد هذا العلم من خلال نظرية واحدة تفسر كل شيء، حتى آينشتاين نفسه أمضى السنوات الأخيرة من حياته في محاولة للتوصل الى هكذا نظرية، إلاّ أن جميع محاولاته بائت بالفشل، وظن الكثيرون بأنه لا وجود لهذه النظرية، وإن وُجدت فلن نتمكن من الوصول إليها.
ظلت هذه  وجهة نظر العلماء الى عام 1973 حيث توصل الفيزيائيون واينبيرغ وغلاشو وعبدالسلام إلى بناء ما يسمى بنموذج واينبرغ - سلام - غلاشو Weinberg-Salam-Glashow Model ، والذي نجح بتوحيد النظريتين المتعلقتين بالتفاعلين النووي الضعيف والكهرومغناطيسي في نظرية واحدة تسمى بالنظرية الالكتروضعيفة Electroweak theory، فأحيوا بذلك الإنجاز الحلم بايجاد نظرية موحدة تجمع كل النظريات الفيزيائية. واستمر الحلُم كحلم إلى بداية الثمانينيات حيث أدى الجهد المشترك للكثير من علماء الفيزياء، مثل غابرييل فينيزيانو وإدوارد ويتن ومايكل غرين، للتوصل إلى نظرية الأوتار الخارقة والتي اعتبروا بموجبها أن البنية الأساسية للمادة في ما دون الذرة تتكون من أوتار strings  متناهية الصغر، وهي بدورها تصيغ شكل وتُفاعل جميع خصائص القوى الأربعة والجزيئات الأساسية. فالخيط (أوالوتر) نفسه قد يكون إليكترون أو كوارك أو قد يقوم بالتفاعل النووي أو الكهرومغناطيسي حسب صفاته. و قد تمكنوا بفضل هذه النظرية من توحيد جميع الفيزياء المعروفة، من التحت ذرية الى النسبية العامة، ومن حركة الذرات إلى حركة الكواكب، في إطار نظري واحد.
طبعا، ككل نظرية عظيمة، نظرية الأوتار الخارقة أتت بنتائج باهرة: أن الكون يحتوي على 11 بعداً و ليس 4 أبعاد فقط (الطول العرض الارتفاع و الزمن)! ولكن سنعود إلى هذه النقطة في المقال اللاحق. إنما الأوتار الخارقة، من الصعب إعطائها حقها في مقال مبسط صغير، فمعظم العلماء يعتقدون بأنها من أعظم ما تم إكتشافه في العلوم قاطبة، والعدد الأكبر من علماء الفيزياء النظرية يعملون عليها اليوم في كل أنحاء العالم. وبالرغم من عدم وجود دليل مخبري عليها لعدة صعوبات تقنية (حيث بناء جهاز قادر على القيام بالاختبارات اللازمة يفوق قدرة الجنس البشري الحالية بأشواط طويلة)، إلاّ أنه يوجد الكثير من الأدلة النظرية عليها، حيث تمكن بعض العلماء أخيراً، كـ إدوارد ويتن و مايكل دوف، من ربطها بنظريات أخرى تم برهنتها مخبريا.7-8
نعود الى صلب الموضوع  
بعد هذا الهامش الطويل نعود الى موضوعنا. ما علاقة التضخم الكوني والأوتار الخارقة باختيار خصائص الكون وقابليته للحياة؟
في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات، وبالتوازي مع بداية إثبات تليسكوب WMAP لنظرية التضخم الكوني، كان مكتشف النظرية آلان غوث بالإضافة إلى آندريه ليندي، يحققون المزيد من البحث المعمق للنظرية، وتوصلوا إلى ما يسمى بالتوسع العشوائي Chaotic Inflation الذي ينص على أن التضخم الكوني يستحيل بالمبدأ أن يتوقف في كافة أرجاء الكون، بل يمكن أن يتوقف في نقاط محدودة منه، فيسمح بتشكل فقاعات كونية تشكل كل منها كون كالذي نعيش فيه، ولكن يجب أن يستمر في أرجاء أخرى من الكون الأكبر The multiverse (كلمة تستخدم في سياقات مختلفة فيُرجى الحذر عند البحث)، لنحصل في النهاية على كون أكبر يستمر في التضخم الكوني من جهة، و يحتوي على عدد لامتناهي من الفقاعات الكونية Bubble universes حيث يتوقف التضخم من جهة أخرى.9-10
 صورة توضيحية لفقاعات كونية، يحتوي كل منها على كون كامل كالذي نعيش فيه. وسبب وجودها هو توقف التضخم الكوني في هذه الرقعة. إنما الكون الأكبر الذي يحتويها كلها سوف يستمر في التضخم في نواحي ويبطئ في نواحي أخرى، مما سيؤدي إلى ولادة عدد لامتناهي من الفقاعات (الأكوان).
وهنا تدخل نظرية الأوتار الخارقة على الخط، فعند إستعمال أحد خصائصها المسمى بـ strings vacua landscape مع نظرية التضخم العشوائي، توصل آندريه ليندي إلى أن كل فقاعة كونية كالتي نعيش فيها ونسميها الكون، ستُحظى بخصائص منفردة بها، كقوة التفاعلات الأساسية الأربعة والثابت الكوني ووزن الإكترون، ومختلفة عن الفقاعات الكونية الاخرى! ونظراً لكون عدد الأكوان (الفقاعات) لامتناهي، ستحصل في مجموعها على جميع الخصائص الممكنة في الوجود. أي أننا سنجد بعض الفقاعات (أي الأكوان) غير قادرة على تشكيل نجوم، وبعضها الآخر لن يشكل جزيئات دون ذرية أبداً، ولكن عدد قليل جداً منها سيكون صالح للحياة ومشابه لكوننا. وفي هذه الأنواع من الأكوان المشابهة لكوننا، سيتكون الإنسان القادر على سؤال: "لمذا خصائص الكون على هذا الشكل" .11-12-13
ورغم أن هذا الجزء المتعلق بالنظرية لم يصل إلى صيغته النهائية، إلاّ أنه يتطور بشكل مطرد بالتزامن مع التطور في أبحاث نظرية الأوتار الخارقة، وقد أصبح الآن جزء من التيار الرئيسي للأبحاث الفيزيائية النظرية.
وبهذا نكون قد أجبنا على تساؤل لماذا الكون قابل للحياة؟ وهل هو مهيئ خصيصا لذلك؟ ولكن يبقى الإستفسارات الأعظم: كيف وُجد الكون؟ و لماذا وجد؟ وهل هو أزلي؟
References
1-      Davies, Paul (1986), The Forces of Nature, Cambridge Univ. Press 2nd ed.
2-      Is The Universe Fine-Tuned For Us? Victor J. Stenger, University of Colorado
3-      Paul Davies, "How bio-friendly is the universe?" International Journal of Astrobiology, vol. 2, no. 2 (2003): 115.
4-      Carroll, Sean M., "The Cosmological Constant"
5-      Guth, Alan (1997). The Inflationary Universe: The Quest for a New Theory of Cosmic Origins
6-      Seven-Year Wilkinson Microwave Anisotropy Probe (WMAP) Observations: Cosmological Interpretation. January 2010
7-      Sunil Mukhi(1999)"The Theory of Strings: A Detailed Introduction
8-      Greene, Brian (October 20 2003). The Elegant Universe: Superstrings, Hidden Dimensions, and the Quest for the Ultimate Theory
9-      Linde, Andrei (2005) "Inflation and String Cosmology,"
10-  Liddle, Andrew; David Lyth (2000). Cosmological Inflation and Large-Scale Structure
11-  Linde, A. (1986). "Eternal Chaotic Inflation". Mod. Phys. Lett.
12-   Linde, A.D. (August 1986). "Eternally Existing Self-Reproducing Chaotic Inflationary Universe &". Physics Letters B
13-   Guth, Alan. "Eternal inflation: Successes and questions"
الكاتب: أبولو
يتبع ...
لقراءة الجزء الأول من المقالة، إضغط هـنأ

الجزء الثالث هـنـا
 * * * * * * * * * *

السبت، 3 مارس 2012

ماذنب السمك يارب؟

::


أنظروا إلى هذه الصورة، وتمعنوا فيها جيداً. ماهذا المخلوق الذي يقف في مدخل فم السمكة؟ وماذا يفعل هناك؟

هذه الصورة الغريبة تمثل إحدى الظواهر الطبيعية في الحياة! 
تمثل إحدى أي ظواهر؟
أكرر للأهمية وللتأكيد، تمثل إحدى الظواهر:

الـــــطـــــبـــــيـــــعـــــيـــــة

ووصف الظاهرة بأنها طـــبــــيـــعـــيـــة يعني من المنظور الديني بأنها ظهرت بأمر من الله، ومن الله فقط، وليس بتدخل من البشر أو من أي مخلوقات أخرى! وددت فقط أن أركز على هذه النقطة الهامة قبل أن أشرح لكم محتوى الصورة.

الذي بفم السمكة هو كائن بحري طفيلي يُسمى بـ الآيسوبود Isopod من فصيلة القشريات، كالربيان (الجمبري)، وسبب وقوفه بهذا الشكل في حلقها هو هذا:

يسبح الآيسوبود إلى داخل خياشيم السمكة، ثم يتغلغل بينها حتى يصل إلى لسانها. فيجثم عليه، ثم يُركّز نفسه في ذلك الوضع المواجه للفتحة والظاهر في الصورة، بإحكام القبض على خياشيمها بأرجله. ثم يبدأ بالتهام لسانها ... وهي حية طبعاً، حتى ينهيه. فلا يبقى للسمكة لسان!!!

وهل يترك السمكة بعد ذلك؟
أبداً!
تظل السمكة بدون لسان (ولابد أن للسان عند السمك وضيفة حيوية هامة، وإلاّ لما وجد فيها أصلاً) لباقي حياتها. ويظل هذا المخلوق الطفيلي جاثم في حلقها بنفس هذا الوضع، ليتغذى من دمها!

ولاشك أنكم تدركون مامعنى هذا:

معناه أن الله "الرحمن الرحيم، العطوف الكريم" قد تدبر أمر هذا المخلوق الغير مكلف والغير مسؤول عن أعماله، وخصص له موقعه من الحياة، ووضع له قوته. فصممه بما يتناسب مع موقعه الذي خصصه له، ثم حباه بالمنهج الذي يتطلبه للحصول على قوته، وهو أن يدخل في خياشيم السمكة ويتغذى على لسانها، وهي حية، ليتركها بدون لسان. وحتى يستمر هذا المخلوق حياً، أمره بأن يظل جاثم في حلقها، يتغذى من دمها، إلى ماشاء هو ... الله، الرحمن الرحيم، العطوف الكريم.

نحن البشر مذنبين وربما نستحق العذاب، ولكن ماذنب السمك يارب حتى تنزل عليهم هذا البلاء؟

مقالة سابقة مماثلة: إضغط هنا


* * * * * * * * * *

الجمعة، 2 مارس 2012

من قهوة تحت الكوب، رِد تخلق وجه

ماذا تفعل بالقهوة المسكوبة من الكوب على الصحن الذي تحتها؟
تعيد سكبها في الكوب؟ أو تستخدمها كلون قهوي، وتحول الكوب فرشة، وترسم بها وجه؟

الغالبية منا سيعيد سكبها في الكوب، إنما الفنانة آي سي رِد، فتفضل الرسم بها. وهذه هي هنا تقوم بهذا الفن المبدع:
::
::



وهذه هي هـنـا في مشهد آخر ترسم باستخدام كرة السلة!

* * * * * * * * * *

الخميس، 1 مارس 2012

لماذا تركت ديني - القرآن في الميزان (الجزء الأول)

::

من القاريئ الكريم إكس مسلم، والمقالة على جزئين، وهذا الجزء الأول منها:

لم يكن خروجي من الإسلام بالخروج الهين، بل كانت مرحلة عسيرة استنزفت مني جهدا عقليا ونفسيا وجسمانيا الشيء الكثير. وبقدر ما كانت تلك المرحلة طويلة وكئيبة، بقدر ما سأحاول اختصار أحد أهم أسباب خروجي من ديني في هذه الأسطر. فقد كان المحرك الأول بالنسبة لي والباعث الدائم على الشكوك هو القرآن نفسه، القرآن الذي بأيدينا. ولا أتحدث عن الناسخ والمنسوخ منه، أو عن القراءات المختلفة له، بل جعلت هذا القران هو الحكم والميزان الفصل في ذلك.

لماذا؟

لأني حاولت أن أتمسك بالإسلام  قدر طاقتي، فلذلك سأحاول من خلال الأسطر القادمة أن أشرح أهم ما دعاني إلى الخروج من الإسلام، وكما قلت سأتناول القرآن الذي بين أيدينا بالنقد، فلا يهمنى الآيات التي نُسخت أو التي أكلتها الماعز أو التي نسيها الصحابة، أو حتى القراءات التي أحياناً تكون متناقضة في الفهم والمعنى، كقراءة والشمس تجري لا مستقر لها، وقراءة غَلبت الروم، بفتح الغين، بل دعونا نعتبر كل ذلك من الشبهات التي قتلها المدافعون عنها بحثاً ورداً.

كذلك لن أتطرق إلى الحديث النبوي، وتناقض بعضه أحياناً مع القرآن؛ أو تناقضه مع بعضه البعض، أو امتلاء الكثير من الأحاديث بالخرافات والأخطاء العلمية والأشياء المناقضة للعقل والواقع. كما أني لن أتناول المنهج الذي اتبعه أهل الحديث في جمع حديث النبوي، وتوضيح ان علم الجرح والتعديل قام في كثير من الأحيان على الرأي والهوى، وان الاختلاف الحادث في عدالة او تجريح شخص واحد أكثر من أن يحصى. لقد قلت لنفسي سأعتبر كل ذلك من الشبهات المردود عليها. كنت أحاول التمسك بالإسلام بأي شكل، حتى لو أصبحت قرآنيا منكراً للسنة، صوفياً، شيعياً، مسلماً علمانياً، كان المهم ألا أقطع عروة الوصل بيني وبين ديني الإسلام.

ولكن كيف أتخلص من المشكلة أو المشاكل التي كانت تظهر لي مع القران نفسه؟
فمن السهل التنصل من الأحاديث والروايات، ومن مراحل كثيرة من السيرة النبوية الممتلئة عنفاً، ومن المشاكل التي أحاطت بجمع القرآن وقصة حرق الخليفة عثمان للنسخ المخالفة، وقوْل ابن عمر: لا يقولن أحدكم قد أوتيت القرآن كله، ولا يدري ما كله، وقد ذهب منه الكثير. كنت على استعداد أن أعتبر كل ما سبق كأنه هباءً منثورا، وشبهات يرددها أعداء الدين، بغية الإنقضاض على الإسلام، وحسداً من عند أنفسهم. ولكن ماذا أفعل مع القران الذي بأيدينا نفسه، والمشاكل التي به؟


والحق أن تلك المشاكل لم تكن من اختراعي أو تصوري، بل حتى كبار المفسرين أشكل عليهم تفسير العديد من الآيات، حتى أن إبن تيمية ألّف مصنفاً سماه: تفسير آيات أشكلت، قال فيه: "آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ". ولكن قبل عرض بعض تلك المشكلات، فأنني أُقر بأني قد ختمت القرآن في خمسة أيام، قبل كتابة هذا الموضوع، لغرض دراسة نقدية ووضع القرآن في الميزان، ورؤية جديدة للآيات التي في صالحه، أو العكس. لقد كانت قرائتي تلك مختلفة، وكانت هناك بعض الآيات التي في صالحه فعلا مثل:

إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، قبل معركتي بدر وأحد، فكيف يستطيع من هم على أهبّة المعركة أن يناموا؟

غلبت الروم وهم من بعد غلبهم سيغلبون، بضم الغين الأولى، على القراءة الأشهر، وبالتسليم التاريخي، بصحة الواقعة.

سيهزم الجمع ويولون الدبر، وقد هُزم كفار القريش، بل وخضعت الجزيرة في فترة وجيزة لحكم الإسلام.

وإن كنت أصبحت أشك في وقت كتابة الآيات وترتيبها، وفي كل ما يتعلق بالقرآن، ولكن هذا الشك مني ومن الشيطان.

طبعا لا داعي للدخول في صداع أو وهم الإعجاز العلمي، وإن كان بالنسبة لي أهم ما فيه هو قول القرآن يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان و ومن كل تستخرجون لحما طريا وحلية تلبسونها، فلم يكن معروفا وقتها أن المرجان يوجد في الماء العذب، إنما عُرف ذلك الآن، وحاولت أن أقف على حقيقة الأمر، ولكني سأسلم للمواقع الإسلامية بذلك، فلم أستطع أن أتحقق من مواقع حيادية، خاصة العربية، فقد طغت المواقع الإسلامية على جوجل، وكلما دخلت موقعا وجدته يزيّل كلامه بـ "وكيف عرف النبي محمد  هذا الأمر من اكثر من 1400 سنة" ومع اختلاف المفسرين وأهل اللغة في "المرجان"؟ ولكن كما قلت، سأسلم لهم بذلك. أما غير ذلك، فأنا أعتبره هلاوس وتهيآت ولَي أعناق النصوص من دون مبرر. وبالمقابل كان هناك الكثير من الآيات التي ترجح بشريته، والتي لن أستطيع حصرها في هذا الموجز. ولكني سأذكر بعضها، وسأجعل عنوان بحثي هو الآية:

أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا

وبمفوم الضد، كما يقول الأصوليون، بما أنه من عند الله فلا يوجد به اختلاف، سواءً كان كبيراً ام صغيراً. وأريد أن أدخل في الموضوع مباشرة، فسأبدأ بقصة طوفان النبي نوح وسفينته الناجية: ولقد تركناها آية فهل من مدكر.

لمّا يخاطب رب الكون عباده من خلال قرآنه عن سفينة نوح ويقول أنها باقية، دون تحديد وقت لهذا البقاء، فإن الأصل أن يكون اللفظ على عمومه، حيث لا يوجد في القران مقيّد له، والبقاء ضد الفناء، ونحن لم نرَ النبي نوحاً ولا أحداً من الأنبياء، ولو كانت تلك السفينة باقية لكانت آية عظيمة، تستيقن بها القلوب، ولكنها ليست موجودة. مع أن القرآن يقول: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ. أي أن تلك الآية هي للعالمين، يعني البشر كلهم في كل مكان وكل زمان. فأين هي تلك السفينة الباقية؟

قال عبد بن حميد: "أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة". ولكن أحداً من أوائل هذه الأمة لم يقل أنه رآها! وقال قتادة: "ألقى الله عز وجل السفينة في أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظراً، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رماداً". وهذا كلام يعوزه الدليل. كما جاء في الدر المنثور للسيوطي:  "قال قتادة في تفسير الآية وجعلناها آية للعالمين قال: أبقاها الله آية فهي على الجودي". أظن أن كثيراً من العرب اعتقدوا أن السفينة باقية، فقد كان هذا ما يدعيه أهل الكتاب المجاورون لهم، أي أنه وفقا لتفاسير عدة، أن الله قد أبقاها حتى صدر أمة النبي محمد، ثم هلكت. ومع التسليم لهم، فلا دليل على كلامهم في تواريخ الأمم، فهل صدر أمة النبي محمد هم العالمون؟ وهل بهذا يتحقق لها شرطا البقاء والإعجاز؟

وقد حاول بعض المفسرين كابن كثير الخروج من الإشكال فقال: "والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفينة، كقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ. يعني أن الله قد أبقى لنا جنس السفن بشكل عام، وليس سفينة نوح، وأنت أيها القاريئ حر في أن تصدق ذلك أو تتعجب منه، ولكن المهم أن الله تركها "آية". ولكن هل يتذكر أحدكم قصة نوح والطوفان عندما يركب أي سفينة؟ ربما البعض منا يتذكر فيلم تايتانك، إنما لايخطر على باله موضع نوح من الأساس.

نأتي للطوفان نفسه، لا يوجد أي دليل آركيولوجي يقول أن هناك طوفاناً عمّ الأرض كلها وفقاً لما تقول به التوراة. أما عن القرآن، فيقول البعض ربما كان الطوفان إقليمياً، والقرآن لم يحدد. ولكن القرآن يقول: وجعلنا ذريته هم الباقون، فذرية  نوح إذاً هي الباقية، بينما هلكت جميع الأمم. ومما يدل على عالمية الطوفان أيضاً، أن نوح قد أُمر بصنع السفينة في البر، حتى أن قومه سخروا منه، فلو كان الطوفان جزئياً لكان أيسر له أن يرتحل ومن آمن معه بالسفر براً بدلاً من أن يقضي كل ذلك الوقت ويبذل كل ذلك الجهد في بناء سفينة ضخمة.

كذلك من الدلائل على عالمية الطوفان في القرآن، أن النبي نوح أُمر بأن يحمل من كل زوجين اثنين، مما يعطي إشارة أيضاً بأن الطوفان كان عالمياً. كما أن القرآن جاء والتوراة بأيدي اليهود، تقول أن الطوفان عمّ الدنيا، وسكوت القرآن عن ذلك وعدم تكذيبه لذلك التعميم العالمي، لابد أن فيه إقرار بصحته. وقد كان النبي يقبّل التوراة ويضعها تحت رأسه ويقول: "آمنت بك وبمن أنزلت"، ولم تتغير التوراة منذ عهد النبي. كما أنه لن يوقّر توراة محرفةً تحوى ما كتبه رهبانهم بأيديهم ونسبوه إلى الله.

فما سبق يؤكد أن الطوفان كان عالميا وفقا لمفهوم القرآن. ولكن كما أسلفت، لا يوجد ما يؤيد ذلك من العلم، ونحن في عصر لم نشهد فيه الأنبياء ولا المعجزات، فكان من الممكن أن يثبت العلم وجود هذا الطوفان كي يكون آية للمؤمنين. كذلك لا يوجد ما يمنع من بقاء تلك السفينة عبر العصور كي يزداد الذين آمنوا إيماناً. ولكن للأسف لا أثر لها رغم الأموال الطائلة التي صرفتها الكنيسة لاكتشاف هذه السفينة، وكم من مرة سمعنا فيها عن اكتشاف سفينة نوح، حتى أني أذكر مقالاً أمريكياً يقول أنه منذ القرن التاسع عشر، لا توجد بعثة استكشافية ذهبت للبحث عن سفينة نوح إلا وزعمت أنها وجدتها.

الله يفترض به أنه كلي العلم والقدرة، ولن يعجزه بقاء السفينة، فأهرام مصر مازالت باقية، وحدائق بابل نقلت لنا كتب التاريخ ذكرها، بخلاف سفينة نوح، فلا هي باقية، ولا منقول لنا ذكرها إلا من خلال الكتب الدينية.

لقراءة الجزء الثاني إضغط هـنـا


(حدثنا عزيزي القاريئ/عزيزتي القارئة عن أسباب تركك للدين حتى ننشره في المدونة. يمكنك إرسال قصتك بواسطة الإيميل أو كتابتها كتعليق على أي بوست في المدونة)


* * * * * * * * * *

الثلاثاء، 28 فبراير 2012

لماذا لايُسجن هذا السايكو؟

في الفيديو كليب أدناه مقتطف لخطبة ألقاها الداعية المصري الشيخ مازن السرساوي على قناة الحكمة في سبتمبر العام الماضي، وهي أحد أسوء الخطب الدينية المحرضة على العنف التي شاهدتها شخصياً تبث على التلفزيون (ولاشك أن هناك الكثير غيرها). وهذا المقتطف القصير منها يبين بصورة جلية ومخيفة حدة النزعات العدائية الإرهابية، ودرجة التعطش الدموي التي يتطبع بها الكثير من الإسلاميون، إنعكاساً لاشك لدموية التراث الإسلامي نفسه.

في بداية الفيديو، يذكر السرساوي رواية عن الخليفة العباسي المهدي عندما قال في حكم قتل المرتد: "والله لو إن لم يبقى من حياتي إلاّ نطق كلمة واحدة لقلت أقتله .... إقتلوه وقطعوا أعضائه عضواً عضواً"، ويقدم تلك الرواية كمثل يحرض الحاضرين والمشاهدين على الإقتداء به!!!

تمعنوا في هذا المقطع، وراقبوا جيداً درجة حماس واندفاع هذا الخطيب المتدين في تمجيد وتعظيم العنف والإرهاب المتمثل في موقف الخليفة المهدي الوحشي من قتل المرتد. وتقديم ذلك الموقف العنيف للمشاهدين كقدوة يجب الإحتذاء بها في التعامل مع كل من يجرأ على الإختلاف معه في عقيدته التي ينتمي هو إليها. لاحظوا بأن السرساوي لايكتفي بِحَثْ المشاهد على مجرد قتل المخالف، بل يحرضه على أبشع صور العنف: ذبحة ثم تقطيعه. 

لايمكن وصف مثل هذه الخطبة كمجرد تحريض محدد لارتكاب جريمة محددة لسبب محدد كالإرتداد، بل هي قوام صغير لأجندة لها أبعاد أعمق من ذلك. هي محاولة لتشجيع العامة من الجماهير على انتهاج منظومة فكرية، هي عنيفة بطبيعتها، إنما حثهم على تبني أعنف أشكالها تجانساً مع عقيدة الداعية. هي محاولة للحجر على الرأي الحر لخنق المعارضة وإسكاتها. هي محاولة لمسخ الهوية الفردية المقوّضة للهوية الموحدة التي تتطلبها قطعنة الشعوب. فيقدمها السرساوي للجمهور على أنها واجب رباني إحتذى به "السلف الصالح" وطبقوه، وبالتالي فهي واجب على مسلموا اليوم أن يتّبعوه ويطبقوه. ولكنها في حقيقتها لاتغدوا عن كونها نداء خليع سافر لارتكاب الجرائم ضد الإنسانية باسم السماء لهدف إحكام السيطرة على البشر والتمكن من توجيههم آلياً لتحقيق أجندتهم.

ويأتينا المراوغون والمتنصلون والسذج في محاولة لإقناعنا بأن الدين الإسلامي دين مسالم!!! كيف يكون ديم مسالم ونصوصه وأحاديثه وسيره مكتظة بمثل هذه النماذج؟ 

حتماً لست ممن ينادي بالحجر على الحريات، وبالخصوص حرية التعبير عن الرأي. ولكن هناك فرق شاسع بين حرية التعبير التي لاتنطوي على أي تحريض للعنف بأي أشكاله، والتحريض السافر على القتل، وبهذه الكيفية السايكوباثية البشعة. ولو ألقيت هذه الخطبة على منصة عامة في أي دولة متحضرة لسيق الخطيب إلى المحكمة ... والسجن.

فلماذا لايسجن السرساوي لتحريضه على القتل؟

أولاً لأن هذه الخطبة ألقيت في مصر، ولايمكن وصف مصر أو أي دولة أخرى بأنها متحضرة طالما كانت ترزح تحت سلطة دينية، وإسلامية بالذات، بصرف النظر عن أي تقدم علمي أو تكنلوجي حققته تلك الدولة، لأن السلطة الدينية (وأقصد أي من الديانات التوحيدية القديمة) هي تعريفياً سلطة سلفية (بمعنى الماضية وليست السلفية الطائفية) تستمد قيمها وأعرافها من تراث جامد لحقبات ماضية وليس من المبادئ المتطورة التي تتميز بها المجتمعات الحاضرة.  

وثانياً، لايمكن سجنه أو حتى منعه من إلقاء خطبه، لأن تحريضه على العنف لم يختلقه عقله السايكوباثي المريض (ولا أستبعد أن مازن السرساوي بالذات يعاني من نزعات سايكوباثية يكشفها أسلوبه الهجومي العنيف على كل من يخالفه عقيدته)، بل إستمده من نصوص قرآنه وأمهات كتب عقيدته. فكيف يمكن محاكمته على نشر سموم هي من مقومات العقيدة؟

فطالما ظلت النصوص والأحاديث مسبوغة بطابع القدسية، فسوف تظل متاحة كمصدر ضبابي مفتوح، يستمد منه كل سايكوباثي مريض، شرعية ربوبية، سواءً بإجماع علمائه أو بتأويله الفردي، ليروي تعطشه الدموي بارتكاب أبشع الجرائم في حق الإنسانية ...

ولن تعالج مشاكل العنف والإرهاب في المجتمعات الإسلامية إلاّ بنزع القدسية عن التراث الديني، ولن يتحقق ذلك الهدف إلاّ بكشف بشريته.
::
::


* * * * * * * * * *

الأحد، 26 فبراير 2012

لماذا تركت ديني - كان أبي حماراً

::

كاتب هذا الموضوع عبدالعزيز، أحد القراء الكرام المتابعين للمدونة:

ماهذا العنوان الغريب!!!!
من يجرأ أن يشبه والده ويصفه بهذا الوصف!!!!
اين بر الوالدين؟؟؟؟
اين الأخلاق؟؟؟؟
كيف ينكر ويتبرأ إنسان ويجحد فضل والده عليه لكي ينعته بهذا الحيوان الذي هو رمز للقبح والغباء، من أين أتى هذا العقوق؟؟؟؟

لقد ولدت مسلم وتربيت على الاسلام، وكنت أسأل ماهي المعجزه التي جاء بها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟ فكان الجواب دائما: هي القران.
::
علمونا أن القران لايوجد به تناقض أبداً "لوكان من عند غير الله لوجدو به إختلافاً كثيراً". علمونا أن القران تبيان لكل شي، جمع العلوم كلها، ماضي وحاضر ومستقبل، طب وأحياء وتاريخ وفلك وهندسة - كل شي، هو تبيان لكل شي. آمنّا بهذا الكلام وصدقناه، ولم يجرأ أحد أن يبحث أو ينتقد أو يتفكر في القران.
::
ولكننا تمردنا على هذا الخوف وبحثنا، فوجدنا التناقض والخلاف وعدم الوضوح والمعاني الكثيرة التي تعطيها الآية الواحدة، حتى ظهرت مذاهب وملل كثيرة لاتعد ولاتحصى. فأريد أن أتكلم في رسالتي هذه عن هذا التبيان لكل شي. هل فعلاً القران تبيان لكل شي؟
::
أعتقد أن أكثرنا قد سمع بقصة الرجل الذي تسبب في دخول حاكم مسيحي للاسلام، والقصه تقول: كان هناك رجل مسلم له صديق حاكم مسيحي، وكان المسلم يزوره في قصره، وفي يوم من الأيام سأل المسيحي المسلم سؤال تحدي.
::
قال المسيحي: يامسلم، إن القرآن توجد به آية تقول "تبيان لكل شي"، فهل هذا صحيح؟
فرد عليه المسلم بكل ثقه وإيمان: نعم.
فقال المسيحي: إذاً كم خبزة أستطيع أن أخبز من هذا الكيس الضخم المملوء بالطحين؟ هل يعلم القرآن ذلك؟
إبتسم المسلم ثم سأله: هل يوجد لديك خباز في القصر؟
قال المسيحي: نعم.
قال المسلم: أرجو أن تطلب حضوره.
جاء الخباز، فسأله المسلم: كم خبزة تستطيع أن تخبز من هذا الكيس؟
قال الخباز وهو صاحب الخبرة: أستطيع أن أخبز من هذا الكيس ٦٠ خبزة.
فالتفت المسلم إلى المسيحي وأجاب: ٦٠ خبزة ياحضرة الحاكم.
تعجب المسيحي وقال: أريد الإجابة من القرآن وليس من الخباز.
فقال المسلم وهو يبتسم: هذه الإجابة هي من القرآن أطال الله عمرك، لأن القران يقول "واسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون"؟
فقال المسيحي: أشهد ان لاإله إلا الله وأن محمد رسول الله.
ياسلام على عظمة القران، شي عجيب جدا!!!

ولكن عندما ننظر إلى أركان الاسلام وأحكام الشريعة الاسلامية، فهل نرى أن القران الذي هو تبيان لكل شي، قد ذكرها كلها؟

القران ذكر الصلاة وهي عمود الدين، ولكنه لم يذكر أوقاتها أو أركانها أو واجباتها أو شروطها أو طريقة أدائها. وسوف يبرر المسلمون ذلك النقص بقولهم أنها وردت بالسنة وأشار إليها القران. ولكن عندما نذهب للسنة، لن نجد بها حديث واحد عن الرسول يفصّل به الصلاة، بل سنجد أحد مذاهب المسلمين وهم القرآنيون ينكرون الأحاديث كلها. وسنجد مذهب آخر كالشيعي لايعتد بأحاديث أهل السنة وله صلاة مختلفة. وسنجد مذهب الأباضية هو الآخر بصلاة مختلفة خاصة به. بل سنجد إختلاف حتى ضمن أهل المذهب الواحد في الصلاة! فأين هذا القرآن الذي هو تبيان لكل شي؟

الزكاة لم يذكرها القرآن بالتفصيل.
الحج لم يذكره القرآن بالتفصيل.
الحدود لم يذكرها القرآن بالتفصيل.

إذاً القرآن يستعين بالسنه لكي تكمله، وهذا هو موقعها عند المسلمين. إنما العجيب أن الرسول نفسه قد نهى عن كتابتها، فلم تكتب إلاّ بعد مرور أكثر من قرن على وفاته. والحكم الذي ذكره القرآن مفصلاً، والذي جاء منه عنوان المقال، هو علم الفرائض (المواريث) وهو توزيع ممتلكات الميت (الميراث) على أهله، وهذه الفرائض لايوجد بها إجتهاد أو رأي عالم، ولاغرابة في ذلك لأنها أتت كلها مفصلة بالقرآن.
::
ولكن رغم وجود أحكام الإرث مسهبة في القرآن، فقد ظهرت مشكلة في عهد الصحابة عندما توفى رجل له أبناء، فورثه أبيه (جد الأبناء)، ولكن عندما توفى هذا الجد بعد ذلك، لم يرثه أحفاده بالرغم من أن المال الذي تركه الجد هو الإرث الذي ورثه من أبيهم. فبقى هولاء الأيتام المساكين بدون إرث من أبيهم أو جدهم. فأطلق أحد هؤلاء الأيتام هذه العبارة المشهورة:

كان أبي حماراً.

وخرجت هذه المشكلة العويصة وهذه الجمله البشعة. ولم يكن لهذه المعضلة حل في القرآن أو السنة، بل كان حلها على يد الصحابي الجليل عبدالله ابن مسعود الذي قال: إذا توفي رجل قبل والده وله أولاد، يكتب لهم من الوصية التي يوصي بها جدهم. فسميت هذه المسألة المسألة الحموريه،لأنها ظهرت بعد جملة: "كان أبي حماراً"، فسميت باسم هذا الحيوان الذي هو رمز الغباء والإستحقار. وأنا قد درستها قبل ١٢ سنة في المذهب الشافعي عندما كنت طالب في المدرسة الدينية. والسؤال هو:

هل غفل القرآن وتجاهلت السنة هذه المشكلة المتمثلة بهؤلاء الايتام الذين ورث جدهم أبيهم وهم لم يرثو جدهم فتركهم أيتام مساكين في حاجة للمال أكثر من أعمامهم؟ أم أن القرآن تعمد في ظلمهم وأراد أن يهب شرف حل هذه القضيه للصحابي الجليل عبدالله ابن مسعود لكي يحكم لهم في الوصيه التي تعدل ثلث المال بعد قضاء الديون؟؟؟؟
::
آسف إذا كانت لهجتي قاسيه على المسلمين، وأعتذر على ذلك، إنما أريد منهم جواب مقنع.


(حدثنا عزيزي القاريئ/عزيزتي القارئة عن أسباب تركك للدين حتى ننشره في المدونة. يمكنك إرسال قصتك بواسطة الإيميل أو كتابتها كتعليق على أي بوست في المدونة)

* * * * * * * * * *