الثلاثاء، 26 مايو، 2015

ونفر الناس من أديان الله أفواجا

::
جرى قبل ثلاثة أيام إستفتاء حكومي شامل في إيرلندا لمعرفة رغبة الشعب الإيرلندي أو معارضته في إجازة الزواج الرسمي للمثليين (اللواطيين في التعريف الديني) وشمله كقانون في الدستور. وأتت النتيجة في اليوم التالي للإستفتاء كالصاعقة على رؤوس المعارضين.

إذ بلغت نسبة الراغبين في إجازة جواز المثليين وتقنينه في الدستور 62% أي حوالي ثلثي المشاركين في الإستفتاء والذين بلغت نسبتهم 60% من مجمل الناخبين .كما أسفرت النتيجة عن موافقة 42 دائرة انتخابية على الإجازة من مجمل 43 دائرة، أي أن المعارضة تمثلت في دائرة انتخابية واحدة فقط. ولم تتوقف إرادة الشعب الإيرلندي حول الموضوع إلى هذا الحد، بل أن نسبة كبيرة من المواطنين الذين كانوا خارج إيرلندا يوم الإستفتاء، رجعوا من سفرهم خصيصاً للمشاركة لطرح أصواتهم في الموافقة.

مايثير الدهشة والإهتمام في هذه الموافقة الكاسحة من غالبية الشعب الإيرلندي في إجازة زواج المثليين ليس أن إيرلندا تعتبر من أشد الدول تديناً فحسب، بل أنها تنتمي أيضاً إلى الطائفة الكاثوليكية التي يرأسها البابا والتي تعتبر أكبر وأقدم وأشد الطوائف المسيحية أصولاً في مبادئها وأحكامها. العلاقة الجنسية المثلية في الأحكام المسيحية، والكاثوليكية بالذات، تعاقب بالقتل. 

ليس الهدف من هذا الطرح تناول أسباب موافقة الشعب الإيرلندي على إجازة جواز المثليين، فهذا له موضوع آخر، بل اهتمامي هو في أبعادها وما تشير إليه.

في عام 1946 صرح البابا بطرس السادس قبل أن يتوج كبابا في الفاتيكان، أن: "إيرلندا أشد الدول كاثوليكية". كان الشعب الإيرلندي بأكمله تقريباً يحرص على الحضور في الكنائس، فضلاً عن أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تسيطر بشكل شامل على المدارس والمستشفيات وتتحكم حتى في القرارات الحكومية. ولكن رغم شدة تدين الشعب الإيرلندي في تلك الفترة وانتمائه إلى أشد الطوائف الدينية تزمتاً وتعصباً، ورغم السيطرة الشاملة التي كانت تفرضها المؤسسة الدينية الكاثوليكية على الدولة وشعبها، إلاّ أن نفوذها قد انهار خلال جيلين فقط.

إجازة الشعب الإيرلندي لسلوك يعتبر من كبائر الذنوب في العقيدة المسيحية والإندفاع الكاسح لتقنينه في الدستور ووضعه على نفس قدم المساواة للزواج التقليدي قانونياً واجتماعياً، يمثل تحول فجائي مدهش وعميق لفكر عقائدي ربوبي مترسخ في كيان وتاريخ مجتمع بأكمله.

نتيجة هذا الإستفتاء تمثل إنقلاب جذري وسريع في الفكر البشري، بصرف النظر عن صبغته الربوبية. فإن كان هذا ممكن الحدوث لفكر شعب على هذا القدر من التدين، فلا يوجد  ما يمنع حدوثه في أي مجتمع متدين آخر، بصرف النظر عن نوع الديانة أو شدتها. 

تجاهل مجتمع بأكمله لأحد أهم وأكبر المبادئ الدينية التي تكون أخلاقياته وسلوكياته يمثل خطوة هائلة تبعده عن السلطة الدينية ونفوذها. والإسلام ليس محصن ضد التغيير، والتحول قد يأتي بأسرع مما يمكن تصوره في أي مجتمع إسلامي مهما بلغت شدة تدينه.

 * * * * * * * * * *

ليست هناك تعليقات: