الثلاثاء، 3 أبريل، 2012

مقالة ضيف - نقد الدليل الكوزمولوجي (الجزء الرابع)

::


الجزء الرابع والأخير من سلسلة المقالات العلمية في نقد الرؤية الدينية لظهور الكون، للقاريئ الكريم أبولو:

هذا المقال يحتوي على فيزياء أبسط من سابقاته، ولذلك فإن فهمه لايستوجب قراءة المقالات السابقة أو الالمام بمحتواها.
في هذا المقال الأخير من السلسلة سنحاول معالجة سؤال "ما هو الوجود"، والمقال عبارة عن فقرتين غير مترابطتين ويمكن قرائتهما بشكل منفصل. في الفقرة الأولى سنتطرق إلى أحدث نظرية علمية ثورية على الاطلاق، نظرية مبهرة لدرجة أنها جعلت أشهر علماء الفيزياء في العالم يرقصون على أنغام الماكارينا في المؤتمر عند عرضها. نظرية ستغير نظرتكم للوجود بعينه الى الأبد. وفي الفقرة الثانية سنصل الى الحد الفاصل بين العلم والخيال العلمي لنسأل "هل نحن فعلا موجودين"؟
الكون الهولوغرافي Holographic Universe
لطالما أثارت الثقوب السوداء مخيلة كتّاب الخيال العلمي، وربما أثارت الى درجة أكبر مخيلة العلماء نظراً لخصائصها الغريبة، فالثقب الأسود هو ما ينتج عن موت نجم ثقيل ذو وزن يساوي حوالي عشر أضعاف وزن الشمس. ومن أهم خصائص هذه الظاهرة الكونية المذهلة، أن حقل الجاذبية المحيط بالثقب الأسود قوي لدرجة تجعل من المستحيل حتى على الضوء، وهو أسرع ما في الوجود، أن يتمكن من الخروج منه.
هذه الخصائص كانت معلومة منذ الخمسينات تقريباً، ولكن في منتصف السبعينات من القرن الماضي تمكن ستيفن هوكنغ من إثبات وجود ما يسمى باشعاعات هوكينغ Hawking Radiation، وهي اشعاعات كهرومغناطيسية تنبعث من "الغلاف الثنائي الأبعاد" للثقب الأسود the Surface area of the Events Horizon. وقد أثار هذا مشكلة ضخمة للفيزياء النظرية، فقد كان يُعتقد أن الثقب الأسود ثلاثي الأبعاد ككل الأجرام والنجوم والكواكب والانسان والقردة وكل ما هو موجود (لها طول وعرض وارتفاع)، ولم يكن يُظن بأنه ثنائي الأبعاد. وما زاد الموضوع تعقيداً أيضاً، عدم إستطاعة أحد من العثور على أي خطأ في حسابات هوكنغ.
إستمر الجدال في الموضوع لحوالي ثلاثين عاما دون أن يُحسم، إلى أن أتت النظرية الخيطية (او الوترية) Strings theory – التي تكلمنا عنها في المقال الثاني – لتحل المشكلة. وفي عام 1997، وأثناء انعقاد المؤتمر السنوي لعلماء النظرية الخيطية، ألقى عالم الفيزياء الأرجنتيني مالدسينا Maldacena محاضرته التي تبين للحاضرين من خلالها بأنه قد تمكن من اثبات ما يسمى بثنائية مالدسينا AdS/CFT Complementarity والتي تنص على أن كل "كون" ذو أبعاد ثلاثة ويحتوي على جاذبية وتتحكم فيه النظرية الخيطية (كما في كوننا الذي نعيش فيه)، لايمُكن تفريقه indiscernable بالمبدأ عن كون آخر ثنائي الأبعاد محكوم بقوانين فيزياء الكم Quantum mechanics من دون جاذبية ويقع كل ما فيه على أطرافه the bounderies. بمعنى آخر، أن الكون الثلاثي الأبعاد الذي نعيش فيه يمكن رؤيته بأنه ثنائي الأبعاد وكل ما يجري فيه هو في الحقيقة يجري على أطرافه و ليس في داخله و هذا هو المبدأ الهولوغرافي: أي ثقب أسود أو أي كون بشكل عام ثلاثي هو في الحقيقة ثنائي الأبعاد و جميع الأحداث التي يترائى بأنها تحدث في داخله هي في الحقيقة تحصل على غلافه الخارجي.
هذه النظرية التي أثبتها مالدسينا بطريقة رياضية متينة تمكنت من حل مشكلة الثقوب السوداء بالاضافة الى العديد غيرها. و لشدة سعادة المشاركين في المؤتمر قاموا يرقصون على أنغام الماكارينا. وطبعا ما يهمنا في الموضوع هو البعد الفلسفي الذي يعني إننا لسنا سوى مجرد صورة انعكاسية – وهم، أشباح – لواقع حقيقي أعلى يجري بعيداً على غلاف الكون. وعلى كلٌ منكم أن يستنتج ما يُحب.
تجدر الاشارة بأن ثنائية مالدسينا باتت الآن من أهم الاكتشافات العلمية خلال العشرين عام الأخيرة، وأنتجت استعمالات كثيرة في عدة مجالات كالفيزياء النووية النظري، كما أن هناك العديد من الاختبارات التي تجري للتأكد منها مخبريا، وهذه تُبدي نتائج مشجعة حتى الآن.
هل نحن إذاً لعبة في حاسوب؟
وجهة النظر الفيزيائية
في هذه الفقرة الأخيرة من سلسلة المقالات سنصل الى الحد الفاصل بين الفيزياء والخيال العلمي دون الابتعاد عن التفكير العلمي، ويجب الاشارة بأن ماسيُطرح في هذه الفقرة ينتمي الى التيار الرئيسي العلمي main stream science ويجري بحثه في الصالونات العلمية، وليس نتاج أفكار شخصية، ويمكن لمن أراد أن يضطلع على المراجع.
ماهي أسس العلاقة بين الانسان و الكون؟ الجواب هو حواس الانسان، فبواسطتها يستطيع الانسان فهم ما حوله والتفاعل معه وصولا الى ادراك أسرار الكون و صياغتها رياضياً، فكل ذلك يمر عبر حواس الانسان. وكيف تعمل حواس الانسان؟ اذا سألت أي بيولوجي فسيجيبك بأن هناك تيارات كهربائية تنقل الاشارة التي التقطتها أعصاب الانسان الى دماغه الذي يفسر هذه الاشارات، فالفهم يتواجد في الدماغ طبعاً، والحواس ما هي الا أدوات لتسجيل الاشارات.
من هنا يمكن الاستنتاج بأنه من الممكن خداع الدماغ بكل سهولة، فإذا أمكن "زرع" اشارة معينة في الأعصاب (مثلاً، أن تكون مشابهة للاشارة الصادرة عند اللمس) بطريقة صناعية، فالدماغ لن يكن قادرا على التمييز مابين هذه الاشارة واللمس المادي الحقيقي، وبالتالي فلن يكن الانسان قادراً بالمبدأ على معرفة إن كانت هذه الاشارة صناعية وليست وليدة لمس شيء ما. ويمكننا تعميم هذا على كل الحواس لنستنتج بأنه اذا تم توصيل دماغ الانسان عبر الأعصاب الى مثيرات صناعية، فسوف يستحيل على الدماغ تميزها من الحقيقة، وسيعيش صاحب هذا الدماغ حياة كاملة في وهم لايجول إلاّ في رأسه، وسوف يكون من المستحيل عليه أن يدرك ذلك. هذا ما يسمى بالحقيقة الافتراضية عبر الواجهة الدماغية الحاسوبية Brain-computer interface
ما ذكرته أعلاه لم يكن الا المقدمة لما أريد طرحه، فكما يمكننا الوصول الى حقيقة افتراضية عبر الواجهة الدماغية الحاسوبية، يمكننا أيضا كمبدأ، الوصول اليها بدون دماغ مادي. إذ من المعلوم عند علماء البيولوجيا والحاسوب بأنه لايوجد مانع مبدأي من بناء محاكاة حاسوبية كاملة لدماغ كامل يعمل كأي دماغ مادي دون أي فرق، بل يجري الآن العمل على محاكاة حاسوبية لدماغ فأرة في مختبرات آي بي أم. هذا الدماغ الرقمي سيكون كأي دماغ مادي قادر على التفكير، بل وعلى الكلام وحل المسائل، وسيكون ذو وعي ذاتي Self Consciousness كأي مخلوق حي. سيكون بامكان العلماء التحكم الكامل بما "يشعر به" هذا "الكائن". فمثل الدماغ المادي، سيكون بامكانهم ارسال اشارات صناعية – رقمية – ليترجمها هذا الدماغ الرقمي بنفس الطريقة التي قد يترجم بها دماغ مادي اشارات مماثلة، ومن الممكن للعلماء جعل هذا الدماغ الرقمي يعيش حياة وهمية كاملة يمر خلالها بكل ما يمر به أي انسان منا، وبامكانهم بناء مجتمع كام، وحتى كون بأكمله من الأدمغة الرقمية التي تتفاعل و تعيش سوية كمجتمعاتنا.
وهنا قد يتسائل المرء: ما الذي يؤكد بأننا نحن لسنا سوى "مجتمع رقمي" داخل حاسوب؟ بل سيصبح السؤال أكثر الحاحا اذا علمنا بأنه يمكن مبدئياً للمجتمعات الرقمية أن تطور هي الاخرى أدمغة "رقمية" داخل "حواسيبها"، فيصبح لدينا عالم افتراضي ثاني داخل العالم الافتراضي الأول، ومن ثم يمكن لهذا العالم الافتراضي الثاني أن يبني بنفسه داخل حواسيبه عالم يراه هو افتراضي بالنسبة لعالمه الذي يراه "حقيقي"، وهلم جراً. فاذا وضعنا هذا بعين الإعتبار، سنجد أنه لامناص من الاستنتاج أن أي "كائنات" ذات وعي ذاتي، هناك احتمال أن يكون واقعها رقمي وافتراضي وليس حقيقي. بل أن احتمال وجودها كمجرد أرقام داخل حاسوب يفوق بكثير احتمال أن يكون وجودها مادي. فكيف لنا أن نتأكد إذاً من احتمالية كوننا في كون افتراضي يتسلى به تلميذ جامعي؟ طبعا الفيزياء تقدم الجواب.
لنفترض أننا نريد الآن بناء واقع افتراضي رقمي، من البديهي أننا سنحاول الجمع بين التعقيد الكافي لجعل الواقع قريب من واقعنا وبين التبسيط لنتمكن أولا من بنائه في وقت قصير نسبيا وبجهد معقول و ثانيا لتوفير الطاقة، فبناء واقع متطابق مع واقعنا قد يتطلب إذاً مقدار لامتناهي من الطاقة. هذا الاحتمال هو ما قد يقود العلماء في يوم ما للكشف عما اذا كان الواقع الذي نعيش فيه رقمي وهمي أم حقيقي مادي. إذ من المعلوم أنه يستحيل على أي حاسوب أن يحاكي شيء لامتناهي، فهذا يتطلب مقدار غير متناهي من الطاقة. مثلاً، من المستحيل لحاسوب أن يحاكي نسيج مكاني زماني space-time fabric  يمكن قسمته الى ما لا نهاية Continuous، ولذلك عند محاكاة النسيج المكاني الزماني يلجأ العلماء إلى ما يسمى بالشبكات التي تحتوي على نقاط زمنية مكانية معينة وليس إلى عدد لامتناهي منها. ولنفترض بأننا في يوم من الأيام تمكنا من الاستنتاج نظريا بأن النسيج المكاني الزماني الخاص بنا يجب ان يُقسم الى ما نهاية بشكل متواصل Continuous بعكس المتقطع Discrete، ثم عند القيام بالتجارب وجدناه "شبكي" أي لا يحتمل القسمة الى ما لا نهاية، سنستنتج من ذلك وجود من جعل نسيج الزمكان Continuous بالمبدأ ولكن شبكي في الحقيقة ليتمكن من القيام بالمحاكاة الرقمية دون استعمال كمية لا متناهية من الطاقة، و هنا سنتأكد بأننا في عالم رقمي.
اليوم الذي سنتمكن فيه من القيام بهذه التجارب ما زال بعيدا، ربما مئات السنين في المستقبل، ولكن الى أن يحين ذلك الوقت لامجال حالياً في معرفة ماإذا كنا مجرد أرقام في لعبة حاسوب أم مانشعر به من خلال حواسنا هو الحقيقة والواقع.
الخاتمة
في هذه السلسلة تنقلنا من عالم الكواكب حيث طرحنا وجود عدد لا متناهي منها قابل للحياة، الى عالم الأكوان حيث رأينا كيف تعطينا النظريات الحديثة سبيل لفهم خصائصها، مرورا بالفضاء الفوقي الذي يضم كل ما هو موجود، وحيث لا سهم للزمن، وصولا الى ثنائية مالدسينا والأكوان الافتراضية التي غيرت مفهومنا للوجود. قد يسأل متسائل: لاشيء مما قدمته ينفي بشكل قاطع النظرية الدينية عن وجود اله، ربما هو اله الفضاء الفوقي أو ربما هو مبرمج العالم الافتراضي الذي نعيشه، هنا أقول أنا لم أدعي النفي القاطع، ولكن ما أردت ايصاله هو أنه عند استعمال الفيزياء للتفكر في وجود الكون، لا مجال لسذاجة الطرح الديني القائم على اله الفراغ الذي يقوم بكل ما نعجز عن فهمه، ولا يمكنني أنا أو أي عالِم آخر في الكون أن يقول بشكل صريح أنا لدي دليل فيزيائي قاطع على عدم وجود اله. فالفيزياء كما نفهما لا يمكن أن تجيب في الوقت الراهن على هذا السؤال بشكل قاطع، لا بالايجاب و لا بالنفي، و لكن يمكننا القول بكل ثقة بأن الكون أعقد بكثير مما يتصوره رجال الدين قاطبة، وهو والاله كما يُقدمان في الأدبيات الدينية لا مكان لهما في الفكر المعاصر.
References
Part 1
Black hole Wars, Leonard Susskind
The Illusion of Gravity – Juan Maldacena, Scientific American.
Bousso, Raphael (2002). "The holographic principle". Reviews of Modern Physics 74
Shadow World. The state of the AdS/CFT conjecture on its 10th anniversary. Science News magazine
Part 2
The hidden reality, Brian Green
The fabric of reality, David Dutch
Hyperspace, Michio Kaku
The Cutting Edge of Haptics, Duncan Graham-Rowe
Moravec, Hans, Simulation, Consciousness, Existence
PHYSICS, PHILOSOPHY AND QUANTUM TECHNOLOGY, David Dutch
الكاتب: أبولو

* * * * * * * * * *


هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

أستاذنا أبولو العزيز
اسعدتنا بمقالاتك الرائعة و الشيقية ، وهذا الموضوع حقا ممتع، سؤالي هل يمكن ان نصع -في المستقبل مثلا-دماغا يعي نفسه اقصد يعي بانه موجود و يعي بوجود ego له، وهل ينفي هذا وجود الروح و الحياة الأخرى، شكرًا شكرًا شكرًا  

Apollo يقول...

عزيزي غير معروف

بالفعل هذا ما قصدته في الجزء الثاني من المقال عندما ذكرت الأدمغة الرقمية, فهي عبارة عن برمجات حاسوبية (مستقبلية) قادرة على أن تعي نفسها و تفكر مثا أي دماغ انسان مادي. أما عن الروح فالعلم لا يأخذها بعين الاعتبار حيث لا دليل مادي ملموس على وجودها من عدمه, و جميع الاختبارات دلت أن شخصية الانسان و وعيه هي كلها عمليات دماغية بحتة.

تحياتي