الأحد، 24 مارس، 2013

محمود والبيانو والعود

::
روى لي صديق ملحد هذه القصة التي جرت لأخيه الأصغر البالغ من العمر 19 سنة والذي سوف أسميه محمود، أنقلها لكم هنا.

رغم أن محمود كان من عائلة مسلمة، إنما كباقي أخوته لم يكن مهتم بالدين أو فروضه أو تخاريفه أو تهاريفه، بل كان موهوب موسيقياً ويملك صوت غنائي مميز ينطرب منه أصدقائه في كل مناسبة. وكان يقرأ ويكتب النوتات الموسيقية ويعرف نظريتها، وكان يلحن ويجيد العزف على العود ويتعلم العزف على البيانو أيضاً. كما كان يهوي فن التصوير الحركي الحي، أي الآكشن، كالمسابقات الرياضية، والتجمعات، والرقص وغيرها من النشاطات الجسدية التي يزاولها البشر.

عائلة صديقي كانت متوسطة الدخل، يشارك الأبناء بينهم في تغطية تكاليف المعيشة فيه، وكان محمود ينفق جزء من وقته بعد دوام المدرسة في العمل في شركة عمه لتغطية نفقاته اليومية وللمساهمة في حمل أعباء البيت، ومن دخله هذا استطاع أن يوفر مايكفي لشراء عود موسيقى بمبلغ يعادل 1800 دولار وبيانو كيبورد بمبلغ 3500 دولار وكاميرا بمبلغ 3100 دولار. وأذكر لكم أسعار هذه الآلات لسبب سوف يتضح لاحقاً.

بدأت علامات تغيير جذرية غريبة تظهر على محمود وعلى سلوكياته بعد دخوله الجامعة ببضعة أسابيع وإصابته بعدوى وباء عقلية العصر البرونزي المستحكمة في رؤوس شلة زومبية من الطلبة هناك. فبعدما كان شاب حيوي إجتماعي فرفشي منفتح، بدأ يخفي الجزء الأسفل من وجهه بالشعر الأسود الكثيف الذي كان يزيله تماماً في السابق، وبدأ يعزل نفسه عن أخوته في البيت، ويمارس في غرفته بشكل يومي منتظم نوع غريب مضحك من الحركات التي تشبه الرياضة السويدية واليوغا، بالوقوف أمام الحائط بجمود لوهلة طويلة، ثم الإنحناء الفوري بظهر مستقيم موازي للأرض لوهلة أخرى، ثم الإنكباب على الأرض بوجهه ورفع مؤخرته فوق مستوى جسده في نفس الوقت، متمتماً خلال هذه الحركات الميكانيكية المتكررة ببعض الترنيمات المبهمة المقتبسة من كتاب لقصص خرافية قديمة. كما أنه امتنع تماماً عن الغناء والعزف والتصوير، ولكن ظلت الآلات الموسيقية والكاميرا موجودة في غرفته لعدة شهور بعد تحوله بدون إستعمال.

يقول صديقي أنه دخل غرفة محمود ذات يوم فلم يجد العود أو البيانو أو الكاميرا في أماكنهم المعهودة، فسأل أخيه عنهم، وهذا كان رد أخيه عليه، أنقله لكم باللهجة الكويتية كما أتذكره، وأختم به هذا البوست وأترك لكم التعليقات.

يقول محمود لأخيه:

"كلما دخلت غرفتي وشفت هالآلات الموسيقية وهالكاميرا حسيت بضيق بصدري وشعور بالذنب، لأني أعرف أن استعالهم وحتى وجودهم يمي (قربي) وأنا أصلي واقرء القرآن مايجوز، لا الملائكة تدخل الغرفة ويمكن حتى صلاتي مو مقبولة بسببهم، بس ماكان يهون علي قلبي أني أتخلص منهم. لكن قبل كم يوم، وانا راجع من المسجد، قررت أني لازم أتخلص منهم بشكل نهائي، وكانت الخيارات المفتوحة أمامي هي: إما أن أبيعهم واسترجع بعض فلوسي أو أني أهديهم لأصحابي. لكن المشكلة كانت أني بهالطريقة، سواءً بعتهم أو أهديتهم مجاناً، أتخلص أنا من هالمحرمات، ولكني أنقلها إلى أشخاص ثانين ليقترفونها، وأحمل أنا ذنبوبهم أمام الله بهذا العمل. فما بقى لي خيار آخر إلا هذا:

جبت (أحضرت) مفك ومطرقة ومنشارة، وقفلت علي نفسي باب غرفتي يوم ماكان أحد في البيت، وبديت بالعود. نشرته بالمنشارة نصين، وبعدين حولت على الكاميرا، وخبطتها بالمطرقة عدة مرات لمن (إلى أن) صارت عجينة زجاج وبلاستيك، وتفرغت أخيراً للبيانو وفككته بالمفك قطعة قطعة، ونشرت بالمنشارة القطع البلاستيكية الكبيرة علشات لا أحد يقدر يركبها مرة ثانية. وجمعت القطع المكسرة ورميتها في الزبالة ...

وشعرت براحة نفسية وسعادة غامرة بعدها، أديت فيها صلاة أستغفار لوجه الله الكريم".
 
* * * * * * * * * *
 


هناك 3 تعليقات:

غير معرف يقول...

ذكرتني باول ايام التزام اخوي الصغير ...طلع سطوح البيت وكسر الدش قال هذا يجيب قنوات الفجور !

غير معرف يقول...

محمود كان يعيش احساسا مزعجا بالذنب، نتيجة التربية الدينية، فحتى وهو يعزف الموسيقى لم يكن يشعر بالسعادة، وعندما قام بتكسير الآلات الموسيقية قال أنه بدأ بالشعور بالسعادة. وهي فعليا ليست سعادة، ولكنها راحة التخلص من الإحساس بالذنب.

الآن سوف يمل محمود كثيرا من حياته الكئيبة، وقد يرتد مرة أخرى ولكن بطريقة أكثر هدوءا دون أن يلفت انتباه الآخرين. والأسوأ هو إذا اتجه إلى الإرهاب، فطريقه تعيس، لا يمكن أن يحقق الإنسان من خلاله حياة الاستقرار النفسي، إلا بالكثير من التبلد الفكري والعاطفي، أو الاتجاه للحركة سواء كانت عنف أو على طريقة الاحتساب.

وفي كل الأحوال، يظل محمود يعاني في الأصل من فراغ فكري حاد، جعله عرضة لهذه الخرافات الهشة. ويبدو في نفس الوقت بأنه إنسان صادق، فهو غير قادر على أن يعيش منافقا، ككثير من الموسيقيين المسلمين، ومثل محمود لا يمكن أن يكون إلا ملحدا أو مؤمنا، لن يتمكن أن يعيش بين الجنة والنار.

المشكلة أن محمود يحتاج إلى الكثير من الجهد لجعله يتجه إلى الحياة بدلا من الخرافات. فهو حالة صعبة وتتطلب الصبر أيضا.

------
لوجيكال

غير معرف يقول...

صديقي بصيص ارجو ان تتطلع في الفيديو هذا لتعرف النظرية الاقتصادية الاسلامية لحل مشكلة الفقر في البلدان العربية ...

http://www.youtube.com/watch?v=BOc5gTxL_8E


للمعلومة ***أبو إسحاق الحوينى من اشهر علماء الاسلام في مصر ***