::
هناك حجة تتكرر دوماً في الخطاب الديني، وتقدم كدعم يُضفي بها الدعاة أهمية لإيمان الإنسان بالماورائيات واعتناقه للعقيدة المستهدفة في الخطبة. والحجة بسطر واحد هي هذه:
أن "الإيمان بالله هو منبع كل طمئنينة نفسية وشعور بالأمن والتوازن والتوافق والسكينة والسعادة"
وقد إقتبست هذا السطر من تعليق لأحد القراء الكرام على هذا البوست والذي يلجأ فيه هذا القاريئ المؤمن إلى تلك الحجة في تبرير عقيدته ونقد المخالف لها. فرأيت أنه يتطلب طرح بوست قصير حولها لإبراز الخلل المدفون فيها.
سوف أتغاضى عن صحة أو كذبة هذا التبرير بالذات، بالرغم من وجود دلائل كثيرة تثبت أن المجتمعات العلمانية وليست الدينية هي، بجميع المقاييس أنجح المجتمعات البشرية وأسعدها. وقد طرحت بذلك موضوعين سابقين هنا وهنا، فلن أتناول في هذا البوست ذاك الجانب من تعليق القاريئ، بل سأقتصر على تناول الجانب المنطقي الفكري لتبريره.
فالنفترض جدلاً أن المؤمن بالله يتمتع بالطمئنينة النفسية وكل مايتبعها من شعور بالأمان والسكينة والسعادة. ممتاز، هنيئاً له. ولكن ماهو الثمن (الفكري فقط، ناهيك عن ممارسات الطقوس العديدة التي يتطلبها ذلك الإيمان) الذي يدفعه المؤمن لكي يحقق هذه الإيجابيات في حياته؟
الثمن هو:
أن يقوقع نفسه ليعيش في عالم آخر مختلف تماماً، يتواجد ضمن إنما يناقض العالم الحقيقي الذي يكتنفه بجميع علومه التجريبية المكتسبة.
أن يتقوقع في عالم تشاركه فيه مخلوقات نارية تسمى بالجن تراه ولايراها، وأخرى تسمى بـ يأجوج ومأجوج، محبوسة بسد في حيز جغرافي، إنما تفوقه رغم ذلك بالعدة والعدد. عالم يتكلم فيه النمل والطيور والحمير، وتطير فيه البغال لتعبر الكون. عالم يتواجد فيه مخلوق غير مرئي، وظيفته الوحيدة هي إغواء البشر لكي يحترقوا في نار هائلة إلى الأزل.عالم تغطس شمسه في بركة قبل أن تذهب لتسجد إلى ربها. عالم تزوره مخلوقات مجنحة تعي وتتكلم، وتنزل إليه من سقف في الفضاء له أبواب وفوقه طوابق وقصور وأنهار وحدائق.عالم يحكمه ملك ربوبي/بشري، له أطراف، يد ورجل، يسمع ويرى ويسعد ويغضب، وله كرسي، وذلك الكرسي تحمله ثمانية مخلوقات، وتحت ذلك الكرسي ديك عملاق رقبته مثنية ورجلاه على الأرض السابعة .... هل أستمر؟ أعتقد أن هذا يكفي.
فلكي يسعد الإنسان، وفقاُ لقناعة القاريئ الكريم، يتوجب عليه أن يعزل نفسه في هذا العالم، عالم الوهم والخرافة، بمنأى عن الحقيقة والواقع. وأنا إنسان لاأريد هذا النوع من السعادة إذا كان ثمنها هو تغييب العقل ولوي المنطق ورفض العلم إذا تعارض معها.
* * * * * * * * * *






