الخميس، 16 أكتوبر، 2014

هل الملحد وحش كاسر؟

::
أرسل لي أحد أصدقاء الفيسبوك قبل فترة قصيرة رسالة يعبر فيها عن استيائه الشديد على السلوك المشين الذي طرأ على بعض معارفه، والذين يصفهم بالوحوش الكاسرة بعد أن تحولوا إلى ملحدين، ويتسائل فيما إذا كان من الأصلح له أن يتوقف عن نشر الإلحاد في مجتمعه اليمني إذا كان سيؤدي إلى هذه النتيجة.

لا أريد التطرق إلى مشكلة صديقي بالذات لأنه لم يمدني بتفاصيلها، ولكنها أثارت التفكير حول فهم تشاؤمي للوجود يكتسبه البعض ويسيروا عليه، يروا فيه أن الحياة بلا معنى ولا هدف ولا حتى قيمة، ويبنوا حياتهم وعلاقاتهم وسلوكياتهم على هذه النظرة. هذا الموقف أو الرؤية السلبية تسمى بالفلسفة: العدمية. فحين يلحد الإنسان ويتخلى عن معتقداته الدينية كالحياة مابعد الموت والثواب والعقاب ومفهوم الإختبار، ويرى أن الحياة مجرد ظاهرة من ظواهر الكون التي ظهرت بعشوائية محظة بدون خطة مسبقة أو هدف، وأن الوجود بأكمله يبدو بلا تدبير أو غرض، فربما يجنح لهذا الموقف الفكري أو الحالة النفسية ويتصرف من منطلقها. فهل الملحد إذاً بالضرورة عدمي لايرى للحياة أي هدف أو معنى، فيصبح كالوحش الكاسر، لا يتهاون في قتل أخيه واغتصاب أخته وسرقة جاره ويعيش حياة تعمها اللامبالاة والفوضى؟

رغم أن هذه إحدى أسوء التهم التي يحاول أعداء الإلحاد إلصاقها بالملحدين، إلا أن نظرة عابرة لما يجري على أرض الواقع من حولنا تثبت أن هذه تهمة باطلة. فالمجتعات الملحدة هي أكثر استقراراً وأماناً وازدهاراً وسعادة من المجتمعات المتدينة، إقرأ هـنـا و هـنـا

ولكني أقر بوجود مفارقة في تفكير من لا يؤمن بالمفاهيم والمسلمات الدينية كالجنة والنار والإختبار بل يرى الحياة على واقعها العلمي الفارغ من أي خطة أو هدف. إنما هذه المفارقة لا تؤدي بالضرورة إلى موقف عدمي فوضوي انهزامي، بل الحقيقة عكس ذلك كما تشاهد في المجتمعات العلمانية الملحدة. ففي نظري، أنا أرى أن الحياة والوجود بلا خطة ذكية مسبقة وبلا هدف، حاضراً أو مستقبلاً، ولا أرى أن لهما أي قيمة أو معنى ضمن الصورة الكبرى للكون. فوفقاً لهذه الرؤية، أنا تفكيري تجاه الحياة والوجود بشكلهما العام عدمي إذاً، ولكني في نفس الوقت أرى أن حياتي الشخصية، لها قيمة كبرى ومعنى وأهداف عديدة. فأنا لا أستعجل الموت لأني أفضل الوعي والإدراك والحيوية والوجود على الفناء والعدم، فحياتي إذاً لها وزن وقيمة. وعندما أذهب إلى عملي كل يوم لكي أحقق من خلاله إنجاز شخصي لي ولعائلتي يوفر لي راحة البال والأمان والسعادة، فهذا قطعاً هدف. وحتى التطلع إلى سفر قادم أو زيارة صديق أحبه أو الذهاب إلى النادي أو المطعم، كل هذه أهداف في ذهني وإن كانت صغيرة، تجتمع كلها لكي تمدني بغرض ونكهة وطعم جميل ومعنى لحياتي.

فرفض القناعات البدائية المتوارثة الفارغة من أي دليل أو برهان، وقبول حقيقة الواقع المدعم بالأعمدة العلمية، والذي يشير إلى أن الحياة والوجود ليس لهما رب بغرض ونية، لن يؤدي بالضرورة إلى تخريج وحوش كاسرة تعبث بالأرض فساداً. 

مشكلة صديقي اليمني هي مشكلة محلية استثنائية، لا أكثر.

* * * * * * * * * *

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

و لكنني أتساءل دوما عن مدى جاهزيتناكمجتمعات عربية للالحاد..أنا أخشى أن لا مجال لمقارنتنا بمجتمعات أوروبية في هدا المجال فليس كل الملحدين أنا و أنت
زوجي مسلم و بيني و بينك أنا على يقين أن الشبح المخيف في السماء يمسكه عن الكثير من المساوء مما دعاني لتفضيل أن يبقى الكثيرون تحت تهديد النار حتى يتعاملو بانسانية...

غير معرف يقول...

وأين الأخلاق هنا التي تربي عليها الانسان وأين الضمير الحي الرقيب عليك الذي يمنعك من ارتكاب أفعال الوحوش الكاسره انا أؤمن ان الانسان الحقيقي هو من يمتلك الأخلاق والضمير الحي وهما كفيلان بتعمير الارض وإحلال السلام عليها