الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

رسالات الرب تحتضر

::
خلال القرون الوسطى، والحقبات التي سبقتها منذ ظهور الديانات التوحيدية بالخصوص وانتشارها في الشرق الأوسط وأوروبا، كانت نسبة المؤمنين بهذه الديانات تدنو من الـ 100% من تعداد سكان المناطق التي عمّتها وترسخت فيها.
 
ولكن منذ بزوغ العصر التنويري في القرن السابع/الثامن عشر، وانتعاش الصحوة الفكرية التي أثارها، وانحسار نفوذ الكنيسة الذي وازاه، بدأت نسبة هذا الإيمان الديني الكاسح بالتقلص بتدرج بطيئ استغرق عشرات العقود تسايراً مع التقدم الحضاري في المجتمعات الأوروبية لتنخفض هذه النسبة إلى تصنيف يدرج اليوم تحت مسمى الأقليات الدينية، تتراوح أحجامها مابين 20 إلى 50% من السكان في أوروبا ...

ولكن مع بعض الإستثنائات، أهمها الولايات المتحدة الأمريكية، فهي الدولة الغربية الكبرى الوحيدة، وآخر حصن ديني هام استمر في المقاومة الشرسة للإنفتاح العلماني واللاديني والإلحاد الشامل الذي عم واجتاح جيرانها عبر مياه الأطلسي. فقد كانت نسبة المتدينين في أمريكا إلى العقد السادس من القرن الماضي تفوق الـ 90% إن لم تخني ذاكرتي حسب عدة دراسات إستفتائية صادفتها (لاتحضرني مصادرها في لحظة كتابتي لهذا البوست ولكن قليل من البحث في غوغل لاشك سيظهرها لمن يريد التأكد).
 
ولكن المقاومة الأمريكية لكبح مد اللادينية الذي اكتسح أوروبا بدأت في التهاوي في بداية التسعينات من القرن الماضي، واستمرت في تقهقرها الحثيث خلال الـ 25 سنة التي أعقبتها حتى وصلت نسبة اللادينيون في الولايات المتحدة إلى 15% في عام 2006.
 
ويوم أمس الماضي، نشرت هيئة بيو دراسة إستفتائية جديدة تشير إلى أن نسبة اللادينية قد قفزت هناك بمعدل 5% لتصل إلى حوالي 20% من تعداد السكان خلال الخمسة سنوات الماضية فقط!!!
 
وهذه تعتبر إحصائياً قفزة هائلة غير متوقعة في التوجه العلماني/اللاديني الجديد الذي بدأ يكتنف مجتمع غربي هام وكبير وفي غاية التدين، أظهر لفترات طويلة مقاومة شديدة تجاه أي محاولات لضعضعة العقائد المترسخة فيه. وقد أتت هذه الطفرة الإنحسارية في تدين المجتمع الأمريكي من ضمن توجه علماني/لاديني يكتسح العالم من شرقه إلى غربه، كما تشير إليه هذه الدراسة الأخرى التي غطت 57 دولة.
 
فمد الأديان ونفوذها بدأ يتراجع منذ نهاية القرون الوسطى في معظم المجتمعات الغربية، وأخذ يتسارع في انكماشه دولياً خلال العقود القليلة الماضية، ووصل هذا الإنكماش مؤخراً إلى أكبر وأهم دولة غربية متدنية وأخذ الآن يتسارع فيها. ولكن هذا التراجع يمس في الغالب الديانة المسيحية وفروعها، كونها الديانة الأساسية في هذه المجتمعات، فماذا عن الدين الإسلامي، وماهو وضعه من كل هذا؟

لم أصادف دراسات محددة وموثقة تبين وضع الدين الإسلامي من هذا التوجه اللاديني الدولي، ولكن حتى لو قبلنا جدلاً مايقال من أن الإسلام في زيادة وانتشار، وأن حجمه يتعدى المليار، فقبل أن ندرج هذه البيانات كحقائق لايعتريها الشك، يجب مراعاة أولاً عدة عوامل أخرى كامنة في التركيبة السكانية للمجتمعات الإسلامية بالخصوص والمجتمعات النامية بالعموم، تتمثل بمعدل الولادة، والتحرك السكاني بواسطة النزوح والهجرة المتواصلة، بالإضافة إلى الطبيعة الترهيبية العدائية للعقيدة الإسلامية تجاه البوح باللادينية والإرتداد، لأن هذه العوامل ستجتمع لتعطينا صورة ملوية ومغلوطة عن انتشار الإسلام والعدد الحقيقي لمعتنقيه:

1- نسبة الولادة ومعدل عدد الأطفال في العائلات المسلمة يفوق بكثير نظيرتها في المجتمعات الأخرى، لاسيما في الدول الغربية. وهذا سوف يقدم إنطباعة مغلوطة أن الإسلام يزداد وينتشر كدعوة ربانية، بينما الزيادة الحقيقية أتت كنتيجة سكانية طبيعية لارتفاع معدلات الولادة بين المسلمين.

2- تزايد نسبة المهاجرون المسلمون إلى الدول الغربية، وخصوصاً النازحون إليها من شبه القارة الآسيوية وشمال أفريقيا، سوف يشير كما لو أن الإسلام ينتشر دعوياً في الدول الغربية، بينما تلك الزيادة لاتغدو عن كونها مجرد حالة إنتقال سكاني من مجتمع إلى آخر وتكاثره النسلي هناك.

3- وجود نسبة غير معروفة من الملحدين واللادينيين "الصامتين" ضمن الأرقام الإحصائية لأعداد المسلمين. هذه النسبة لابد أنها أكبر مما هي في الظاهر بسبب صمت هذه الفئة خوفاً من العقوبات الجزائية وتفادياً للنفور الإجتماعي الذي سوف يصيب من يبوح بالحاده. وعدم إزالة هذه الفئة من البيانات الإحصائية لأعداد المسلمين سوف يُضخم الأرقام ويقدم صورة مبالغة لحجمهم الحقيقي.
 
فأي معلومات تزعم أن الإسلام في تزايد وانتشار، لابد أن تأخذ بعين الإعتبار العوامل المؤثرة إحصائياً أعلاه. أما عن موجة التدين التي تجتاح العالم الإسلامي وامتطاء القيادات الإسلامية لها من خلال الثورات الأخيرة، فهذه كلها تعكس توجهات واضطرابات نابعة عن مشاكل وتقلبات ضمن المجتمعات الإسلامية نفسها، تعلو وتهبط مع المد والجزر السياسي/الإقتصادي في تلك المناطق، لاتساهم بالضرورة على انتشار الإسلام خارجها، ولاتوجد مؤشرات على ذلك. إنما ظاهرة الإرتفاع في نسبة التدين في أي مجتمع، لها أسباب معروفة في علم الإجتماع كما أظهرتها هذه الدراسة التي تبين وجود علاقة قوية بين مستوى الفقر وشدة التدين، فكلما ازداد فقر المجتمع زادت نسبة تدينه، والعكس صحيح. ولهذا السبب تنخفض نسبة التدين في الدول الإسكندنافية التي تتمتع بمنظومة اجتماعية فعالة توفر المعونة للمحتاجين، بينما ترتفع في الدول الفقيرة الشحيحة الموارد كمصر وسوريا وباكستان.

ولذا فسوف يظل المؤمن المغبون متمسك بوهمه، آملاً من رب غائب أن ينتشله من بؤسه، ولايهمه إن كان الفرج سيأتيه في دنياه أو سيتأجل إلى ما بعد موته، لأنه معدوم الحيلة وبحاجة إلى أمل لكي يعيش في مجتمع مبتلى بالفوضى والفقر والفساد.

ورغم أن نفوذ الأديان في تضعضع مزمن وأعداد معتنقيها يتقلص دولياً، كما تشير إليه أغلب الدراسات التي أجريت خلال العقود الماضية، ورغم عدم وجود أي شك لدي بأن الدين الإسلامي يمر في مرحلة مؤقتة سوف ينحسر تأثيره وتنخفض نسبته عاجلاً أو آجلاً، إلاّ أن مؤشرات إنحساره يكتنفها الضباب حالياً.

فإلى أن يحل يوم وفاة الديانات، راقبوها وهي تضمر وتتلوى وتحتضر.
 
* * * * * * * * * *
 


هناك 3 تعليقات:

غير معرف يقول...

نعم أخي بصيص.. انحسار الأديان الإبراهيمية على وجه التحديد واجب إنساني.

الجميل أن الفكر اللا ديني مستمر في التطور، شاهد في هذا المقطع : مقدمة في الإنسانوية:
http://www.youtube.com/watch?v=VHRcSm45kMc

فالفكرة انتقلت من مجرد (الإلحاد/الإعراض/الاعتراض/ الإرتداد) إلى إنقاذ البشرية بنشر المفاهيم الإنسانوية بكل ما تحمله من خير ومرونة وسلام قابل للتصحيح والتغيير مع تطور العقل البشري، ومع تطور قدراته على الخير. وبقبول لكل الأديان، دون أن يمارس الدين شره على أهل الديانات الأخرى.

الآن.. نأخذكم في فاصل فكاهي مع دكان العريفي في اليوتيوب، والذي أخذه مجانا من الغرب الملحد و الكافر. وهو يتحدث لكم كيف أن المستقبل للإسلام.

أنا لم أشاهد المقاطع، ولكني متأكد بنسبة 101% أنني لو سمعته سوف أضحك :)

http://www.youtube.com/watch?v=p6T58zSqCfo

------------------------
لوجيكال

غير معرف يقول...

تحية أخ بصيص

( يريدون أن يطفئوا نور اللة بأفواههم ويأبى اللة إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) التوبة ٣٢ ، ولا اعلم من يطفئ من ؟ فبعد كل هذه الإحصاءات والأرقام يأتي البعض من اتباع الإسلام يدحض كل هذه البيانات دون اي دليل فقط دليل شفوي ويأتونك بأرقام فلكية من المعتنقين الجدد من الإسلام ولا ندري من هم هؤلاء ، هم لا يذكرون حملات التبشير التي تعمل على قدم وساق في البلدان الفقيرة والمضطربة بحيث يبصق هؤلاء الفقراء على هذا الدين دون رجعة بسبب الجوع والعوز.

الإسلام يعيش الاساطير كأسطورة القرن ( للحيوان ) الوفير بالطعام او Cornucopia يعتقد ان دينه مليئ بمعتنقيها ، اخر قلاعهم هي القنوات وال youtube والحسابات الوهمية من facebook و twitter ، لكن الحلم السايبري شيء والواقع والارقام شيء اخر.

دراسة قيمة ، شكراً

مع التقدير

غير معرف يقول...

اقتراح بالنسبة للاستفتاء عن المثلية
لماذا لا تكون الخيارات كالتالي
انا مثلي واعتقد انه شذوذ
انا مثلي واعتقد انه ميول طبيعية
انا سوي واعتقد انه ....................
اعتقد فهمت الفكرة